أتر

تكلفة العودة إلى الخرطوم: مليارات الجنيهات لصيانة المنازل والمحلات

بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب في العاصمة الخرطوم 15 أبريل 2023، نزَحَتْ أُسْرَة «آل العوض»، نحو مدينة الدامر بولاية نهر النيل، تاركةً خلفها منزلَها، ولم تَخرج إلا بالقليل من المتاع.

عادَتْ الأُسْرة في في يناير 2026، إلى منزلها في أم درمان، أمبدّة، ويقول أفرادها لمراسلة «أتَـر»، إنّ العودة لم تكن قراراً سهلاً، لكنها كانت مدفوعةً بالرّغبة في استعادة الإحساس بالاستقرار، غير أنّ المفاجأة كانت قاسية، إذ وجدوا منزلهم منهوباً بالكامل، ولم يقتصر الأمر على الأثاث والأجهزة الكهربائية، بل شمل الأبواب، وخُلعت أجزاء من السقوف، ما جعل منزلهم أقرب إلى هيكل يحتاج إلى إعادة تأسيس.

وتقدّر الأُسْرة تكلفة أعمال الصيانة الأولية بنحو 20 مليون جنيه، مؤكّدة أن هذا المبلغ لم يكفِ حتى للأعمال الضرورية، بل اقتصر على تركيب أبواب جديدة وشراء كوالين، ومواد سباكة، إضافة إلى أسرَّة، وثلاجة، وبوتوجاز، وموتور مياه، وفرش، وأوانٍ منزلية، وبعض الملابس.

وتضيف الأُسْرة أن تكلفة العودة نفسها، بما في ذلك الانتقال وإعادة شراء الاحتياجات الأساسية كان مصدرَها أبناؤهم المغتربون، وقد شكّلت عبئاً إضافياً عليهم، فضلاً عن مصروفات الإعاشة الشهرية التي تُقدَّر بنحو 700 ألف جنيه.

وعلى الرغم من انتشار أقسام الشرطة في المنطقة، واكتظاظها بالمعروضات لم تتجه الأسرة إلى فتح بلاغ، بسبب صعوبة إثبات الملكية وتشابه الأجهزة المعروضة في الأسواق، وتعقيد الإجراءات، وجميعها عوامل دفعتهم إلى تجنُّب هذا المسار والتركيز على إعادة بناء حياتهم من جديد بدلاً عن الدخول في مسارات قانونية مرهقة، وأكّدوا أنهم ليسوا وحدهم من تركوا عن هذه الخطوة.

وتقول الأُسْرة إنّ العودة رَدّتهم إلى ديارهم، لكنها في الوقت نفسه وضعَتْهم أمام أعباء مالية مُضاعَفة، جعلت الاستقرار عملية مُكلّفة لا تقلّ عن تكاليف النزوح المتطاول نفسه.

الصيانة تتقدّم على الشراء

متحدّثاً لـ«أتَـر»، قال النجّار، بحي الثورة بأم درمان، محمد آدم، إنّ حركة السوق مرتبطة مباشرة بقدرة المواطنين على الدفع، مشيراً إلى أنّ الطلب يتذبذب رغم الحاجة الفعلية للصيانة، ويُوضّح أن كثيراً من زبائنه يكتفون بالأعمال الأساسية ويؤجّلون شراء الأثاث الجديد، في ظلّ ارتفاع الأسعار وضعف السيولة.

وأوضح أنّ عن سعر الدولاب الجديد يبلغ نحو مليار و200 ألف جنيه، ما أدّى إلى ضعف الإقبال على شراء الدواليب، بينما تتراوح تكلفة الصيانة بين 60 و100 ألف جنيه أو أكثر، وتُقدَّر تكلفة الصيانة بحسب حجم الضرر، وأشار إلى أنّ الشهر الماضي شهد زيادة في الطلب على الصيانات مقارنة بفترات ركود سابقة. ويؤّكد آدم أن غالبية من يُجرون أعمال الصيانة لأثاثاتهم يعتمدون على تحويلات من مغتربين أو على مدّخرات سابقة، ما يجعل حركة السوق مرهونة بمصادر تمويل خارجية أكثر من اعتمادها على الدخل المحلي.

السوق جيد، ولكن

عاد صاحب المغلق بدر الدين هارون، من نزوحه إلى الجزيرة إلى أم درمان قبل 7 أشهر، ووجد مغلقه فارغاً بعد سرقة البضاعة التي بلغت قيمتها قبل الحرب 11 مليار جنيه، استعداداً لموسم العيد، ولم يعد لديه أي مخزون، فاضطرّ بعد عودته إلى تمويل المغلق وإعادة فتحه من جديد، بعد أن قدّرت زوجته الأمر وباعت جزءاً من الذهب الخاص بها لتمويل المحل من جديد.

يقول بدر الدين إنّ السوق حالياً يشهد حركة جيدة، لكنّ القوة الشرائية محدودة، ما يعوق تسديد المستحقات القديمة قبل الحرب، فبعض تجار الجملة يطالبونه بسداد جزء من قيمة البضائع ما قبل الحرب، إلا أنّ القدرة على الدفع ضئيلة.

وأشار إلى أنّ الطلب الحالي يتركز على مستلزمات صيانة المنازل، خاصة مواد البناء مثل: لوح الزنك الذي يبلغ سعره 45 ألف جنيه، وجوال الأسمنت 37 ألف جنيه، وطن الحديد 720 ألف جنيه، وقلاب الرمل 150 ألف جنيه، وقلاب الخرسانة 350 ألف جنيه، وطوبة البلك الواحدة 2,500 جنيه، والطوب الأحمر (أربعة آلاف طوبة) 750 ألف جنيه. والماسورة (6 × 3) 35 ألف جنيه، ويُعَدّ السيخ من أغلى المواد، إذ يبلغ سعر الطن منه 4 مليارات جنيه، بحسب ما أخبر بدر الدين.

القدرة على الدفع

يقول محمد الشيخ وهو صاحب ورشة حدادة، في الخرطوم، إنه عاد إلى ورشة جرداء، إذ نُهبت أدوات عمله جميعها، بما في ذلك سقف الورشة، لكنه استمر في العمل لصيانة ما تبقى من أبواب ونوافذ المواطنين العائدين.

وأوضح أن تكلفة المصنعية للأبواب العادية تتراوح بين 150 و200 ألف جنيه، بينما لا تقلّ المواد اللازمة عن 700 ألف جنيه للباب العادي بخامة حديد متوسطة الجودة، أما الأبواب الفاخرة فتصل تكلفتها إلى حوالي 3 ملايين جنيه. كما أكّد أن أعمال الصيانة العادية للأبواب الداخلية، مثل تركيب مفصّلات أو كوالين جديدة، لا تقلّ عن 50 ألف جنيه للباب، مع استمرار الطلب المتزايد على خدماته نتيجة الحاجة إلى إعادة تأهيل المنازل.

توضح الإفادات المباشرة، أنّ العودة إلى الخرطوم بعد الحرب أصبحت قراراً مرتبطاً مباشرة بالقدرة المالية للعائدين، إذ إنهم يُواجهون خسائر ضخمة في المنازل والمحلات، مع ارتفاع تكاليف الصيانة والمواد الأساسية، ما يجعل إعادة الإعمار عبئاً مالياً مضاعفاً. وأوضحت الإفادات التي تحصّلت عليها مراسلة «أتَـر»، من مواطنين طلبوا الاستعاضة عن أسمائهم بأسماء مستعارة، أنّ غالبيتهم يعتمدون على تحويلات المغتربين أو مدّخرات سابقة لتغطية تكاليف العودة.

Scroll to Top