اشتعل الجدل أواخر يناير 2026، حين أقدَم بنك الخرطوم على خصم مبالغ من أرصدة حسابات التوفير والتوفير المميّز دون إشعار مسبق، وأخبر عملاءه بأنها «للمساهمة السنوية في صندوق ضمان الودائع للحسابات الاستثمارية بكل أنواعها (توفير، توفير مميز «بلس»، وغيرها)». وبعد انعقاد هذه الخصومات في 29 يناير، عبّر مئات العملاء عن غضبهم واتهموا المصرف بـ«نهب» أموالهم. وفي ردّ فعل سريع، وجّه بنك السودان المركزي في 3 فبراير إدارة بنك الخرطوم بإعادة «المبالغ المخصومة من حسابات العملاء فوراً»، كما ورَد في نصّ التوجيه الذي اطّلعت عليه «أتَـر»، مع التأكيد على أنّ المصرف يجب أن يتحمّل أقساط التأمين على حسابات الادخار «التوفير والتوفير المميّز»، بدلاً عن مُعاملتها باعتبارها حسابات استثمارية. وأوضح المركزي أنّ بنك الخرطوم قد أضاف أرباحاً لحسابات الادخار ثمّ خصَم مبالغ تجاوزت تلك الأرباح، فردّ المصرف بأنها استُحصلت من حسابات استثمارية؛ لكنّ المركزي أشار إلى أن الحسابات الادخارية والاستثمارية فئتان منفصلتان شرعاً، والإجراء الصحيح هو أن يتحمّل البنك أقساط التأمين التكافلي عن حسابات الادخار.
والجدير بالذكر أنّ قانون صندوق ضمان الودائع المصرفية (1996) ينصّ على إلزامية مساهمات دَورية من المصارف وأصحاب الودائع لتغطية خطر الإعسار.
إشكال في تسمية الحسابات المصرفية
بحسب إفادة لمسؤول مصرفيّ سابق في بنك الخرطوم لـ«أتَـر»، تفسيراً لقرارات البنك، فإنّ هذه المساهمات جرت بحسب تعامُله المعتاد مع صندوق ضمان الودائع، وبناءً على الفتوى الشرعية الصادرة عام 2011. ويقول المسؤول المصرفيّ، إنّ الخلاف كان ناشئاً أساساً عن تفسير خاطئ من البنك المركزي، فقد كان فهمه المبدئي أن حسابات التوفير والتوفير المميّز حسابات ادخارية عادية تتحمّل المصارف تكلفتها، بينما يُعاملها بنك الخرطوم بوصفها حسابات استثمارية؛ لذلك، خصَم من أرصدتها مبالغ مُساهمة الصندوق، ثم أضاف إليها أرباحاً استثمارية. ويُؤّكد المسؤول المصرفيّ أنّ جميع هذه المعاملات موثّقة في مستندات البنك الداخلية، وينفي وجود أي تغيير في السياسة التنظيمية، مُشيراً إلى أن ما جرى كان ناجماً عن تسرّع من بنك السودان المركزي وعدم تواصله مع البنك للاستيضاح قبل إصدار التوجيهات. ويضيف أن بنك الخرطوم قد تحمّل مسؤولية رد المبالغ أخيراً، لكنه يُشدِّد على أنه كان يطبق حُكماً شرعياً وقانونياً مُعتمداً منذ سنوات.
وجّه بنك السودان المركزي المصارف بالالتزام بالمادة 24 (1) من قانون صندوق ضمان الودائع المصرفية التي تُلزمها بسداد 0.2% (2 في الألف) من الودائع الجارية والادخارية، مع اعتبار الحسابات الادخارية فئة مستقلّة تتحمّل المصارف كامل أقساط ضمانها. وبناءً على ذلك، ألزم المركزي بنك الخرطوم بإعادة المبالغ المخصومة من حسابات الادخار وتصحيح تصنيفها، مع التأكيد على الشفافية في توصيف الحسابات للمُودِعين. في المقابل أوضح بنك الخرطوم أنه سدَّد التزامات الحسابات الادخارية، وأنّ منتج «التوفير المُميّز» ليس حسابَ ادخار تقليدياً، ما أدّى إلى التباس في التسمية وتبايُن في الفهم بين الطرفين.
في بيان توضيحي لاحِق لبنك الخرطوم يوم 7 فبراير 2026، أعلن التزامه الكامل بتوجيهات المركزي وتحمُّله «كافة تكاليف صندوق ضمان الودائع للحسابات الادخارية من موارده الخاصة نيابةً عن عملائه»، وأوضح أن الخصومات السابقة نُفّذت «امتثالاً لأحكام القانون وبناءً على فتوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية رقم (1/2011) التي تلتزم بها جميع البنوك في السودان». وأردف البيان أنّ التصنيف المعتمَد لأغراض الضمان هو حسابات جارية وحسابات توفير تقليدية، يَتحمّل البنك كلفتها بالكامل. أما الحسابات الاستثمارية «حسابات المُضارَبة» فيُحمَّل أصحابها المُساهمات لأنّ «المُضارِب لا يجوز أن يضمن رأس مال المضاربة شرعاً». ونفى البيان أي فائدة مادية للمصرف من الخصومات، مؤكداً أنه لم يكن سوى ناقل للالتزام ضمن الأطر القانونية والشرعية المُعتَمدة.
يشرح المسؤول السابق ببنك الخرطوم لـ«أتَـر»، أن الحسابات في بنك الخرطوم لا تقتصر على نوعين فقط (جارٍ أو ادخاري كما في البنوك الأخرى)، وأنها تتضمّن ثلاثة أنواع: حسابات جارية، حسابات توفير عادية، وحساب توفير بلس «مميز»؛ وهذا الأخير مُنتجٌ جديدٌ يَمزج بين التوفير والاستثمار ويسمح بإصدار الشيكات (وهو جديد على حسابات التوفير)، ويُشترط لفتحه تقديم شهادة راتب، لذا يشبه في هذا الجانب الحساب الجاري، وتُحتسَب أرباح سنوية على هذا الحساب بناءً على أدنى رصيد شهري ظُهِّر خلال العام، وشروط فتحه مُفصّلة في وثائق الحسابات وعلى موقع بنك الخرطوم. ومع ذلك، يُؤكّد أن الميزات الأساسية لحساب التوفير المُميّز كانت معلنةً سلفاً، وأنه ببساطة يجمع خصائص الحساب الجاري والادخاري والاستثماري معاً. وبحسب المسؤول المصرفيّ، فإنّ هذا التصنيف كان يعد واضحاً من خلال الإعلان عن شروط الحسابات وطرق احتساب الأرباح، وإن أي غموض قد نشأ كان بسبب ضعف التسويق أو الفهم لدى بعض العملاء في ظلِّ الضغوط الاقتصادية الحالية. ويُؤكّد المسؤول السابق أن البنك عمل دائماً ضمن الأطر القانونية والشرعية المعمول بها. ويرى بنك السودان المركزي أنّ حساب التوفير بلس «المميز» هو حساب ادّخاري، لذلك طالب بنك الخرطوم بتحمّل قيمة المساهمة، بينما يعدّه بنك الخرطوم حساباً استثمارياً يَخضع للمضاربة ويتحمّل العميلُ مُساهمة في صندوق الودائع وهذا ما جعل الجدل غير مفهوم في هذا السياق.
آلية الخصم من حسابات العملاء
تُوضّح إفادة المسؤول المصرفيّ السابق في بنك الخرطوم، أنّ آليّة الخصم المُتّبعة مُتّفقٌ عليها مع البنك المركزي ومطابقة لأحكام القانون، أما الحسابات الاستثمارية (حسابات المضاربة)، فقد تُرك تحديد مساهمتها لبنك الخرطوم نفسه في البداية، على أن تُضاف المبالغ إلى حساب هيئة الضمان، ويُحسب للعميل رصيد مماثل في الصندوق، وتُجرى عملية الخصم عادةً في بداية كلّ عام، فتُسحب المبالغ من حسابات العملاء وتُودع مباشرة في حساب صندوق الضمان لدى بنك السودان. ويُشدّد بنك الخرطوم على أنّ هذا الإجراء ليس جديداً على عمله، وأنه لم يَحتفظ بأيٍّ من الأموال المُحتجَزة، إنما كان دَوره محصوراً في احتساب الأرباح وخصم المساهمات لمصلحة البنك المركزي.
في هذا السياق، أشار المسؤول المصرفي السابق في بنك الخرطوم، إلى أنّ المعادلة الحسابية تأخذ في الاعتبار أعلى وأدنى رصيد لكل عميل شهرياً حين توزيع الأرباح واحتساب المساهمة، لذلك قد يحدث، نظرياً، أن تكون الأرباح المُضافة للعميل مُرتفعة حال احتفاظه بالأموال فترة طويلة، بينما تكون المساهمة في الصندوق بسيطة، والعكس صحيح للحسابات ذات المعاملات الكبيرة القصيرة الأجل. هناك بعض الحسابات كان رصيدها صفراً فدخلت في قيمة سالبة مؤقتاً في بداية العام عند سحب المبلغ. وهناك عميل يُجري حركة مالية تبدأ بـ 70 مليون جنيه في يونيو 2025، وتصل إلى 300 مليون بنهاية الشهر نفسه، ما يَعكس طبيعة تشغيل تجاريّ مكثف للحساب، وعند توزيع الأرباح تُحتسب له عوائد محدودة لارتباطها بمدة بقاء الرصيد، إذ يقتضي تحقيق عائد أعلى استقرار المبلغ في الحساب لفترة تمتدّ من يوم إلى ثلاثين يوماً على الأقل. ومع ارتفاع وتيرة العمليات لا يبقى الرصيد وقتاً كافياً، فتكون الأرباح محدودة مقابل مساهمة مرتفعة في صندوق ضمان الودائع.
وبحلول يناير 2026، وهو شهر تسوية الأرباح وخصم المساهمة، قد يظهر الحساب برصيد سالب، وأجري الخصم من حساب فارغ، هذا لأنّ احتساب الخصم استناداً إلى متوسّطات وحركات مالية جرت خلال العام السابق.
تفاعل العملاء مع الخصومات
أثارت الخصومات حالة من السخط بين العملاء، فقد وَصفت أعداد منهم العملية بأنها «انتهاك غير مبرَّر» لمدّخراتهم. قال أحدهم، مصطفي صلاح، لـ«أتَـر»: «هذا عمل غير مقبول وينتهك أبسط قواعد العمل المصرفي»، وطالبت شذى طه المصرف بردّ المبلغ وعدم تكرار هذه الخصومات مره أخرى، مع توضيح الشروط عند فتح الحساب».
متحدثاً لـ«أتر» قال العميل محمد الشريف، وهو أحد الذين رد إليهم المبلغ المسحوب: «لقد رُدّ المبلغ إلى حسابي في منتصف هذا الأسبوع، بعد 4 أيام من منشور بنك السودان». وأضاف قائلاً: «لي خبرة في التعامل المصرفي، وأعلم أنّ الاستقطاع من الحسابات الاستثمارية أمر دارج، لكن المُوظّف الذي فتح لي الحساب لم يكلّف نفسه عناء شرح الفرق بين أصناف الحسابات، لذا يجب أن يتدخّل بنك السودان المركزي بمراجعة فورمات فتح الحساب في بنك الخرطوم، بخاصة بعد أن أصبح بنكك هو تطبيق الدفع الأول».
التحليل القانوني
يبيّن أستاذ القانون المصرفي، هيثم الخير التوم، لـ«أتَـر» أنّ قانون صندوق ضمان الودائع لسنة 1996 يفرض على المصارف المساهمة سنوياً بجزء من ودائعها، وكذلك على المُودِعين باحتساب موازٍ، وتنصّ المادة 24 من القانون على إلزام المصارف بإيداع ما يعادل 0.2% (اثنين في الألف) من متوسّط جملة الودائع الجارية والادّخارية، وإيداع 0.2% من متوسط حسابات الاستثمار في الصندوق. وفي المقابل، تُلزم أحكام القانون أصحاب الحسابات الاستثمارية أنفسهم بإيداع 0.2% من متوسّط ودائعهم الاستثمارية. وعليه، يرى الخير أن المساهمة التمويلية للحسابات الاستثمارية تُحمَّل بالأساس للمالكين «المستثمرين»، بينما تتحمّل المصارف حصّتها عن الحسابات الجارية والادخارية. وإضافة إلى ذلك، أصدرت الهيئة العليا للرقابة الشرعية فتوى (1/2011) تُوضّح الجوانب الشرعية للصندوق، فقد أكّدت «أنه لا يجوز للمصارف أن تدفع أقساطاً لضمان الودائع الاستثمارية، لأنه لا يجوز للمُضارب أن يضمن رأس مال المضاربة». وتدعم هذه الفتوى الموقف التقليدي للبنوك الإسلامية بأنّ المستثمِرين «المُودِعين في حسابات المضاربة» هم المسؤولون شرعاً عن تغطية اشتراكاتهم في نظام الضمان، بينما لا يكفل المصرف «بصفته المُضارِب» رأسمال المضاربة.
يُشير الأستاذ الخير التوم إلى أنّ التوجيهات الأخيرة لبنك السودان المركزي، تَنطوي على تأكيدٍ دستوريٍّ لروح القانون، وهو حماية صغار المُودِعين، فإلزام المصرف بتحمّل أقساط التأمين عن حسابات التوفير يعكس سعي الجهات التنظيمية إلى تفادي تحميل المودعين صغار الأرصدة أعباء إضافية دون علمهم الكامل. ويقول إنّ هذا التأكيد يدلُّ على تقدّم تنظيميّ واعٍ يستهدف ضمان الشفافية وفهم العميل لحقوقه والتزاماته من البداية، بما يتوافق مع أهداف صندوق الضمان في حماية المودعين. لذا، فإن الخلاف القائم هو في جوهره مسألة تفسير قانوني وتنظيمي، فهل تُعدّ حسابات التوفير والتوفير المميز ضمن المَحافظ التي يجب على المصرف تغطية مساهماتها أم أنها تندرج تحت حسابات الاستثمار؟ ويَخْلُص الخبير إلى أنّ المُحاجَجة تبدأ من مدى وضوح التصنيف المتّفق عليه قانونياً وتشريعياً بين الطرفين.
لقد كشفت الأزمة عن حاجة مُلحّة لمراجعة نظم الحوكمة داخل المصارف السودانية، وبخاصة في ما يتعلق بتصميم المنتجات المصرفية الجديدة. إن طرح منتج مثل «حساب التوفير بلس» الذي يجمع بين ميزات التوفير والاستثمار يتطلّب موافقة مسبقة ودقيقة من البنك المركزي ومن الهيئة الشرعية، تتضمّن تحديداً قاطعاً لجهة تحمل الرسوم والخصومات القانونية، إضافة إلى توضيحها للعميل قبل عملية فتح الحساب.
