لم تبرح معضلة توفير مياه الشرب بولاية الخرطوم مكانها كثيراً على الرغم من كثرة الحديث عنها، والجهود التي بُذلت لاستعادة هذه الخدمة المحوريّة مع الدعوات المُتكرّرة لعودة المواطنين إلى العاصمة. ولحقت بمحطات إنتاج وتوزيع المياه بولاية الخرطوم أضرارٌ بالغة خلال فترة الحرب في الخرطوم ما بين أبريل 2023 ومايو 2025 حين انتهت العمليات الحربية المباشرة بأجزاء واسعة من الولاية.
تقع مكاتبُ هيئة مياه ولاية الخرطوم حالياً في شارع الأربعين بأم درمان، وقد قدم أحد مُراسلَي «أتَر» أسئلةً مكتوبةً لمسؤول الإعلام بالهيئة، ولم يتلقَّ رداً أو إفادة؛ بحجة أن المدير يعاني من وعكة صحية. وحسب المعلومات المتوفرة في صفحة الهيئة في «فيسبوك»، فإن عمال ومهندسي الشبكة بالهيئة مستمرون في أعمال صيانة الخطوط الناقلة التي بدأت منذ استعادة الخرطوم إلى سيطرة الجيش، بما في ذلك التأكد من خلو الشبكات من الانسدادات.
ووفقاً لإفادات سابقة للمهندس هشام الأمير، مدير عام هيئة مياه الشرب والصرف الصحي بوزارة الري والموارد المائية بالسودان، فإن محطات إنتاج المياه بولاية الخرطوم البالغ عددها 13 محطة، تأثرت جميعها بصورة أو بأخرى بالحرب، وخرجت جميعاً من الخدمة في أوقات مختلفة، مثلما حدث لمحطة بحري التي تُنتج 320 ألف متر مُكعّب يومياً، وتُغذّي مناطق واسعة من محلية بحري والخرطوم، بما فيها أحياء الصحافة جنوب الخرطوم، وقد توقَّفت هذه المحطَّة في اليوم الثاني للحرب ولحقت بها أضرار بالغة، بينما توقفت محطة المقرن التي تغذي وسط وشرق الخرطوم وأجزاء من أم درمان في الشهر الرابع للحرب. وكانت الأخيرة ولعدة أشهر خط مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع. وبجانب محطات الإنتاج، فإن بولاية الخرطوم 7 محطات لإعادة الضخ.
تقول مصادر في هيئة المياه إن الزيارات المتكررة والإصرار على تشغيل محطة مياه المقرن، يرجع إلى أنها تغذي خط الوزارات والمؤسسات السيادية وعدداً من الجامعات بوسط الخرطوم.
وتركزت أغلب محاولات صيانة محطات المياه على محطة المُقرن التي أعلنت هيئة مياه ولاية الخرطوم، في 17 يوليو الماضي عن تشغيلها، مشيرة في بيانها إلى أن فرق الهيئة الهندسية نجحت في تشغيل المحطة وضخ المياه للمناطق المستهدفة في محليتي الخرطوم وأم درمان، دون أن يرافق الإعلانَ ضخٌّ كافٍ للمياه بحسب إفادات السكان. وفي 17 يناير الماضي زار رئيس الوزراء كامل إدريس رفقة والي الخرطوم محطة المُقرن للتأكد من عملها بصورة تغطي احتياجات المواطنين في الأحياء المستهدفة، لكن سكان هذه الأحياء الذين تحدثوا مع مراسل «أتَر» يقولون إن ضخ المياه غير كافٍ.
وتقول مصادر في هيئة المياه إن الزيارات المتكررة والإصرار على تشغيل محطة مياه المقرن، يرجع إلى أنها تغذي خط الوزارات والمؤسسات السيادية وعدداً من الجامعات بوسط الخرطوم.
ورغم جهود هيئة مياه الشرب والصرف الصحي، اضطرَّ عددٌ من المُواطنين الذين عادوا من النزوح إلى منازلهم بالخرطوم غرب ووسط وشرق للبحث عن خيارات بديلة للسكن لعدم توفر المياه في المنطقة. تحدث مراسل «أتَر» مع مواطن من وسط الخرطوم كان نازحاً بولاية الجزيرة، وعند عودته للخرطوم اضطرَّ للسكن في ود البخيت بمحلية كرري، لعدم توفر مياه الشرب في منطقته. وقال المواطن الذي فضل حجب اسمه، وكان يسكن قبل نشوب الحرب، في المنطقة الواقعة بين شارع المك نمر وشارع القصر بالخرطوم لـمراسل «أتَر»: «لا توجد مياه في المنطقة البتة، وهو ما جعل عشرات الأسر تُفضِّلُ عدم العودة ومن عاد منهم لجأ للبحث عن سكن في مناطق بديلة».
محطة توتي تعمل بالجازولين لعدم توفر الكهرباء التي وصلت إلى مناطق محدودة من مساحة أحياء الجريف غرب.
بدورها تعمل محطة مياه توتي بنحوٍ أفضل من غيرها لعدم تعرّضها للتخريب مثلما جرى لبقية محطات المياه وفقاً لإفادات السكان. كما تعمل محطة الجريف غرب، والتي تُنتج حوالي 15 ألف متر مكعب يومياً، ساعات محدودة خلال اليوم، ولكنها وفقاً لأحد سكان المنطقة تكفي لوصول المياه لجميع منازل المواطنين في المنطقة. ويتابع المواطن لـ«أتَر»: «محطة توتي تعمل بالجازولين لعدم توفر الكهرباء التي وصلت إلى مناطق محدودة من مساحة أحياء الجريف غرب».
وقد زار وزير الزراعة والري عصمت قرشي عبد الله، في 24 يناير، محطة جبل أولياء رفقة لمدير العام للهيئة مهندس محمد أحمد عوض للوقوف على عملها. ووفقاً لمسؤول في هيئة المياه، فضل حجب اسمه، فإن محطتي مياه الشجرة وجبل أولياء أقل تضرراً إذا ما قورنتا بمحطة مياه المُقرن. بيد أن ما يَعوق وصول المياه لجنوب الخرطوم، هو تدمير الخطوط الناقلة وسرقة بعض المحولات الكهربائية وخراطيم التوصيل.
حتى لو توفَّرت الكهرباء، فإن الخطوط نفسها غير مُؤهَّلة لنقل المياه لأحياء جنوب الخرطوم، التي تبدأ من الشجرة وحتى الكلاكلة ومايو، إذ ينبغي صيانة الخطوط قبل ضخ المياه وإلا أصبحت العملية برمتها إهداراً للمياه وللجهد وللطاقة الكهربائية على قلتها.
يقول سيف الدين علي، أحد سكان الكلاكلة لـ«أتَر»: «تعرضت معظم خطوط نقل المياه للتلف بسبب الدانات التي كانت تُدمّرها، كما سُرق عدد كبير من الخطوط». ويؤكد سيف الدين أن ضعف الكهرباء أثر كثيراً على إنتاج وتوزيع المياه، ويتابع قائلاً: «حتى لو توفَّرت الكهرباء، فإن الخطوط نفسها غير مُؤهَّلة لنقل المياه لأحياء جنوب الخرطوم، التي تبدأ من الشجرة وحتى الكلاكلة ومايو، إذ ينبغي صيانة الخطوط قبل ضخ المياه وإلا أصبحت العملية برمتها إهداراً للمياه وللجهد وللطاقة الكهربائية على قلتها».
أما الكهرباء، فتكاد تكون قاصمة الظهر في إعادة تأهيل مدينة الخرطوم التي تضرَّرت أكثر من غيرها بسبب الاشتباكات خلال الحرب، إذ إن أجزاء واسعة منها أضحت خارج سلطة الدولة والقانون منذ 15 أبريل 2023. ولحق بقطاع الكهرباء دمارٌ هائلٌ، فقد سُرقت الكوابل والخطوط الناقلة الموزعة في الشوارع وفي المباني والمرافق الحكومية في الخرطوم.
وفي عمليات مُتقَنة ودقيقة فُككت الكوابل والمحولات من جميع أجزاء مدينة الخرطوم. ويقول يوسف عمر وهو محامٍ يعمل بوسط الخرطوم لـ«أتَر»، إن أسلاك التوصيل والمحولات في المبنى الذي يوجد فيه مكتبه، والمكون من خمسة طوابق، أزيلت تماماً، وحتى الأسلاك المدفونة تحت الأرض نُبشت ونُهبت. وتابع يوسف، الذي زار مكتبه في السوق العربي ليرى ما حدث بالمنطقة بعد انقضاء الاشتباكات: «رَصدتُ ست عمارات في وسط الخرطوم انتزعت منها جميع توصيلات الكهرباء والمحولات، ولا يمكن أن يعود التيار الكهربائي إلى تلك المنطقة إلا بإعادة التوصيل من الجديد ويشمل ذلك الخطوط والمحولات والأعمدة التي تضررت بالقصف».
بينما يصف مواطن آخر من الخرطوم شرق قضية انقطاع الكهرباء بأنها «مُعضلة تعوق تأهيل الخرطوم لعودة سكانها». ويقول المواطن، الذي طلب عدم كشف اسمه، لـ«أتَر»، إن «الدعوة لعودة الناس يجب أن تُقابل بتأهيل المرافق وتوفير الخدمات، والتي تأتي الكهرباء على رأسها. فبدونها لن تتوفر المياه والخدمات الأخرى، ولا يمكن للمواطن أن يعيش في منزل انقطعت الكهرباء عنه منذ ثلاث سنوات».
وفي مناطق الكلاكلة وجبرة، تتأرجح الكهرباء بين الانقطاع التام والعودة الفاترة، بحسب وصف عدد من السكان. وقال سليمان مبارك من حي جبرة لـ«أتَر»، إن الكهرباء في الغالب تنقطع لساعات في الأسبوع، وعندما تعود تكون ضعيفة للغاية لدرجة أنها لا تمكنهم من تشغيل المراوح وموتورات المياه، ولذا لا يستطيع أحد القول بأن الكهرباء أصبحت متوفرة في جميع أحياء جنوب الخرطوم حتى جبل أولياء».
أفاد مصدر من إدارة الكهرباء بأن صعوبة عودة التيار لجميع أحياء الخرطوم تُعزى لأنها تحتاج، بجانب المحولات، إلى التوصيلات الأرضية والكوابل التي نُهبت تماماً وأن الجهود الحالية لا تزال تنحصر في توفير المحولات.
ويشكو سكان حي الجريف غرب، من عدم توفر الكهرباء. ويقول عدد من السكان لـ«أتَر» إن «الكهرباء متوفرة في مناطق محدودة داخل الحي»، بينما تمتد أحياء الجريف في مساحة شاسعة ما بين كوبري المنشية وحتى قريباً من كوبري سوبا. أما في شرق الخرطوم فقد جرى تركيب محولات في بُرّي وامتداد ناصر. وأفاد مصدر من إدارة الكهرباء بأن صعوبة عودة التيار لجميع أحياء الخرطوم تُعزى لأنها تحتاج، بجانب المحولات، إلى التوصيلات الأرضية والكوابل التي نُهبت تماماً وأن الجهود الحالية لا تزال تنحصر في توفير المحولات.
وشرعت سلطات الكهرباء في تأهيل محطة مقابر فاروق التحويلية بالعمارات، التي تغذي المناطق الواقعة جنوب السكة حديد وأحياء العمارات والصحافات والديوم، كما تجري أعمال صيانة في محطة الخرطوم شرق التحويلية التي تُغذي وسط الخرطوم، بما فيه أجزاء من السوق العربي.
لكن الجهود الرسمية لا تزال شحيحة مقارنة بحجم الخراب والتدمير الذي لحق بقطاع الكهرباء، الذي كاد أن يفقد بنيته التحتية بكل من الخرطوم وجبل أولياء. ووصف مصدر حكومي في محلية الخرطوم عمليات السرقة والتخريب التي طالت الكهرباء بأنها مُدبَّرة ومُرتَّبة. وقال المصدر الحكومي لـ«أتَر» إن «الكوابل والخطوط فُكَّكت من جميع الأحياء والمَرافق، وما يُثير الاستغراب أن الأسلاك والكوابل بطول شارع الهوا، بجنوب الخرطوم حُفرت من باطن الأرض وسُرقت».
وبحسب ناشطين في لجان طوارئ شرق الخرطوم، عاد التيار إلى أحياء الصحافة وسجلت قنوات تلفزيونية فرحة المواطنين بعودته في مربع 29 قبل أيام، بينما لا تزال مناطق الرياض والطائف مُظلمة حتى اليوم، وجميع هذه المناطق تُعاني من خراب كبير في المحولات، ونهب تام للكوابل الكهربائية، بينما عادت الخدمة جزئياً فقط لأنحاء من شارع الستين. كما يستمر العمل في وسط الخرطوم «السوق العربي» لاستعادة النشاط التجاري والمصرفي.
وبخصوص شكاوى بعض المواطنين، من أنه جرى تجاوز مناطقهم في توزيع المحولات، أكد مصدر فني بالكهرباء الفنية أن تركيب المحولات مرتبط بسلامة الشبكات الأرضية أولاً لتفادي حدوث تماس كهربائي يؤدي إلى تلف المحولات الجديدة.
ورصد مراسل «أتر» تقريراً من لجنة تهيئة العودة ولاية الخرطوم برئاسة الفريق إبراهيم جابر التي أفادت بحاجة الولاية إلى 14 ألف محول وأن جملة الخسائر تبلغ حوالي 468 مليون دولار في قطاع الكهرباء. وأفادت المنصة الإلكترونية لولاية الخرطوم بوصول حوالي 400 محول بسعات مختلفة للولاية. ولم يتمكن مراسل «أتَر» من الحصول على إجابات من مسؤولي الإعلام بالهيئة. وذكر د. منتصر عبد القادر مدير الإعلام أنه حوَّل الأسئلة إلى شركة كهرباء السودان للرد عليها، ولم يصل حتى كتابة هذا التقرير.
ورغم استمرار انقطاع الكهرباء في أجزاء واسعة من ولاية الخرطوم بأكملها، لاحظ مراسل «أتر» عودة مكاتب المبيعات للعمل، مع نشاط إعلامي توعوي عبر «مسرح متجول» للتحذير من أخطار التوصيل العشوائي (الجبادات)، وفرض غرامات تصل إلى 300 ألف جنيه للمخالفين.



