أتر

جريمة صامتة: من قتَل غابة السّنط؟ الحرب أم نحن؟

حينما استولت الدعم السريع على منطقة هجليج ثمّ انسحبت لاحقاً من محيط حقل النفط بتفاهم بينها والقوات المسلحة السودانية وحكومة دولة جنوب السودان، وآلت مسؤولية حماية الحقل إلى جيش الأخيرة، أدرك كثير من المراقبين أنّ الحرب ليست قدراً أعمى على الدوام، وأنّ المصالح تستطيع أن تزيل غشاوة الأبصار عن المتقاتلين والسياسيين على حدّ سواء. ومن هنا جاء التساؤل المؤلم: هل حفظ آبار النفط أحقّ وأعلى قيمة من صون أرواح السودانيين بالوازع البراغماتي ذاته الذي حُكِّم في فضّ هذا النزاع بمنطقة هجليج؟

لم تكن هذه المفارقة الأخلاقية سقطة سياسية فحسب، بل مثّلت مرآةً لأولوياتنا المعطوبة، فنحن نرفع من شأن قضايا ونحطّ من قدر أخرى بحسب تصوّراتنا الضيقة ومكاسبنا السريعة.

وهنا تبرز القضايا البيئية مثالاً بيّناً على هذه التراتبية، إذ إنها تُترك دائماً في ذيل قائمة الاهتمامات، وليس بعيداً أن ينصرف قارئ عن إتمام قراءة هذا المقال، بينما تتقاذفه أمواج التحديات المعيشية والأمنية والسياسية، من منطلق أنّ مثل هذه القضايا لا تخصّه، ولأنه ينظر إلى قضايا البيئة بوصفها ترفاً وحديثَ نُخبٍ وشأناً يخصّ الشمال العالمي، كأنما لا ينبغي للسودانيين أن يلاحقوا شأناً غير الخبز والعلاج!

إنّ ما جرى على غابة السنط قرب مقرن النيلين من تعَدٍّ سافر وقطع جائر، يعيد السؤال من جديد حول ما إذا كان هذا محض تفصيل عابر أم جريمة مكتملة الأركان، فالغابة ليست أشجاراً تُقطع فقط، بل هي ذاكرة مدينة تُقتلع، ورئة تُخنَق، وظلال تنحسر، وتوازن طبيعي يُقوَّض في صمت. إنّ الأخطر من وقائع التعدي ذاتها هو إقدام البعض على التساؤل حول ما إذا كان وجود الغابة مُهمّاً حقاً! وإذا ما كان قطعُها فعلةً كارثيةً بالفعل! وكأنّ الجريمة لا تكون إلا إذا سال الدّم وتعطّلت آبار النفط وتوقّف إنتاج الذهب، وكأنما يغدو الخراب أقلّ فداحة حينما يحدث ببطء.

إنّ البيئة لا تموت دفعة واحدة، وإنما على مهل.

كان لا بدّ من هذه التقدمة الطويلة بعض الشيء لندلف بعدها، ليس لتناول خبر إزالة الغابة الذي راج عبر وسائل الإعلام المختلفة، إنما لمعرفة ماهية الخسارة والضرر الحقيقي.

لم تكن غابة السنط محض مساحة خضراء، إنما كانت رئة طبيعية لعاصمة مزدحمة بالمصانع والسيارات والأتربة والضجيج؛ فالأشجار بطبيعتها لا تمنح منظراً جميلاً فحسب، إنما يمتدّ عطاؤها إلى أدوار طبيعية وصحية أوسع، فهي تمتصُّ الغازات الملوَّثة مثل ثاني أكسيد الكربون وتحتجز الغبار والكربون، وفي المقابل تُنتج الأكسجين، لذا عُرفت الغابات بأنها رئة العالم، إذ إنها تعمل مرشِّحاً «فلتر» طبيعياً ينقّي الهواء الذي يتنفّسه سكّان هذا الكوكب. والقطع الجائر للأشجار لا يَعني فقدان قيمة جمالية ومعنوية فقط، إنما زيادة في نسب التلوّث وما تُؤدّي إليه من زيادة في حالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفّسي وتدهور صحة الأطفال وكبار السنّ في مدينة تعاني من ضعف الخدمات الصحية.

لقد مثّلت غابة السنط مكيفاً طبيعياً يخفف حرارة الخرطوم عبر الظلّ وتقليل انعكاس الشمس وترطيب الجو، وقد خلق وجودها قرب النيل جزيرة تبريد داخل المدينة تحدّ من موجات الحرّ. ومع زوالها ترتفع درجة الحرارة، ويزداد الاختناق والجفاف، وتزيد احتمالية حدوث فيضانات حينما يتمدّد النيل الأبيض، لأنه لن يجد تربة ثابتة بعد زوال أشجار السنط التي كانت تثبتها، ما يجعلها قابلة للانجراف وأقلّ قدرة على الحفاظ على استقرار ضفة النهر خاصة في مواسم الجريان والتغيّرات الهيدرولوجية في فترات الخريف من كل عام (يوليو – أكتوبر).

لكن قبل الانسياق وراء الروايات المُتداولة، كان من الضروري بدءاً تحديد الحجم الحقيقي للضرر الذي لحق بالغابة، والتحقّق ممّا إذا كان التدهور قد بلغ الدرجة التي صوّرتها بعض وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي. والحكم بالنطاق الزمني والمساحيّ للقطع الجائر كان يستدعي رصداً ميدانياً واسعاً ومنظماً، وهو أمر لم يكن متاحاً خلال السنة الأولى من الحرب وما تلاها، إذ كانت المنطقة ساحة عمليات عسكرية مغلقة. ولم يبدأ التقييم الميداني الفعلي إلا بعد عودة المواطنين إلى الخرطوم في النصف الثاني من عام 2025، ولا أحد يعلم بالفعل متى بدأ القطع الجائر وبأي وتيرة.

وفي ظلّ هذا الفراغ الزمني، عمدنا إلى استخدام منهج علمي دقيق يستند إلى تقنيات الاستشعار عن بُعد، وذلك عبر صور الأقمار الصناعية، لتحليل التغيُّرات البيئية التي طرأت على الغابة خلال الفترة السابقة. ومن خلال المقارنة الزمنية وقراءة المؤشرات الطيفية للغطاء النباتي، تمكنَّا من تتبّع مسار التدهور وقياس نسبته كمّياً وموضوعياً. وقد كشفت النتائج عن مفارقات لافتة تستحقّ الوقوف عندها. لقد تتبعنا الغطاء النباتي لغابة السنط على ضفاف النيل باستخدام صور الأقمار الصناعية (Sentinel-2)، التي أشارت بياناتها خلال شهر فبراير للأعوام (2022 – 2026)، داخل نفس منطقة القياس، إلى أنّ غابة السنط كانت في حالة متوسطة إلى جيدة حتى العام 2025، مع تذبذب طبيعي بين السنوات، مع حدوث ذروة خضراء لافتة في العام 2024، حيث ارتفع الغطاء النباتي بنسبة 37% قياساً بفترة ما قبل الحرب، ولعلّ ذلك قد يَرجع إلى نزوح السكّان وانعدام النشاط البشري مع صدمة الحرب خلال عامها الأول. لكن خلال العام 2025، ومع بداية عودة المواطنين واستتباب الأمن نسبياً في العاصمة، بدأت الغابة تشهد تدهوراً ملحوظاً في غطائها النباتي، ازدادت وتيرته في أغسطس من العام 2025، قبل أن تشهد الغابة تحولاً حاداً بانخفاض متسارع في غطائها النباتي بلغ ذروته في فبراير 2026. ولقد ارتكزنا في بحثنا هذا على استخدام مؤشر حيوية الغطاء النباتي المعروف بـ (NDVI)، وذلك عن طريق تقنيات الاستشعار عن بعد، الذي تتراوح قيمته من موجب واحد إلى سالب واحد (من +1 إلى -1).

مؤشر حيوية الغطاء النباتي (NDVI) الدلالــة
0.5 – 1 غطاء نباتي كثيف
0.2 – 0.4 غطاء نباتي متوسط
0 – 0.2 غطاء نباتي ضعيف
أقل من 0 (قيمة سالبة) أرض جرداء

مفتاح قراءة قيمة مؤشر الغطاء النباتي

المصدر

السنة متوسط حيوية الغطاء النباتي (NDVI) ماذا يعني
فبراير 2022 +0.44 غابة ذات حيوية جيدة
فبراير 2023 +0.35 غابة بها بعض المناطق الهشة والضعيفة
فبراير 2024 +0.48 غابة ذات اخضرار عالٍ نسبياً وأكثر تجانساً
فبراير 2025 +0.37 تراجع واضح وعودة مناطق ضعيفة
فبراير 2026 −0.18 انهيار قوي بقيمة سالبة وتدهور لدرجة أن السطح صار غير نباتي

قيمة مؤشّر الغطاء النباتي لغابة السنط خلال أربع سنوات، قبل وأثناء وبعد معارك الخرطوم. وتشير النتائج أعلاه بكل وضوح إلى ازدهار الغطاء النباتي للغابة في أعقاب اندلاع الحرب (فبراير 2024)، إذ ارتفع الغطاء النباتي بنسبة 37%، في إشارة إلى قلة النشاط البشري الذي تزامن مع سيطرة الدعم السريع على الخرطوم. وفي المقابل، وبعد العودة التدريجية للسكّان، بدأ الغطاء النباتي في التدهور على نحو ملحوظ حتى بلغ مرحلة الانهيار الضخم في فبراير 2026، إذ انخفض بنسبة 149% خلال عام واحد فقط! (2025 – 2026)، وتركز هذا الانهيار ما بعد أغسطس 2025، بينما بلغ ذروته في الفترة من ديسمبر 2025 إلى فبراير 2026.

التغيّر الزمني لمؤشر الغطاء النباتي في غابة السنط خلال الفترة من فبراير 2024 إلى فبراير 2026. يوضح المنحنى تراجعاً تدريجياً في كثافة الغطاء النباتي وصولاً إلى انخفاض حادّ في بداية عام 2026.

لقد أظهرت صور الأقمار الصناعية خلال المقارنة الزمنية بين عامي 2024 و2026 حدوث تغيرات بيئية ملحوظة داخل نطاق غابة السنط، تمثّلت في تراجع واضح في المساحات الخضراء وزيادة الرقع ذات التربة الجرداء. كما كشفت التحليلات عن تزايد التباين المكاني داخل الغابة، إذ لم يعد الغطاء النباتي متصلاً ومتجانساً كما كان سابقاً بل ظهرت فجوات متفرّقة ومناطق مكشوفة تتوسّع تدريجياً. وإضافة إلى ذلك لوحظت مؤشرات لوجود مناطق رطبة ومكشوفة قرب ضفة النهر وهو ما قد يعكس اضطراباً في توازن التربة والغطاء النباتي وتغيُّراً في خصائص السطح نتيجة الانكشاف والإزالة.

صور الأقمار الصناعية لغابة السنط (الصورة اليمنى فبراير 2024، والصورة اليسرى فبراير 2026)، واستُخدِم مؤشر التربة المكشوفة من القمر الصناعيSentinel-2 ، ويظهر بوضوح كثافة الغطاء النباتي باللون الأخضر في العام 2024، بينما ينحسر بشدَّة في الصورة اليسرى (فبراير 2026) وتتسع الرقعة القاحلة.

ليست هذه النتائج محض انطباعات بصرية عابرة، إنما هي خلاصة قراءة كمية دقيقة لمؤشّرات الغطاء النباتي، تعكس ما حدث للغابة على الأرض بلا مبالغة ولا تهوين. وهنا تتضح الإجابة عن السؤال الذي طرحناه منذ البداية: هل الخسارة بالقدر الذي نقلته وسائل الإعلام والتفاعل الاجتماعي؟ وهنا تقول البيانات إنّ الحقيقة ربما تكون أفدح مما نظنّ: حين يتحوّل مؤشّر الغطاء النباتي (NDVI) من قيمة موجبة تمثّل حياة نباتية قابلة للنمو إلى قيمة سالبة تعني أنّ السطح لم يعد نباتياً أساساً، فإننا لا نتحدّث عن ضعف اخضرار موسميّ أو جفاف عابر، بل إننا أمام تحوُّل جذري في طبيعة النظام البيئي نفسه، وكأنّ الغابة لم تعد غابةً بل صارت جسداً جرى سلخُه من جلده الأخضر وتُرك عارياً تحت الشمس.

وبحسب الصور أعلاه، أظهَر التحليل الفضائي تراجعاً بائناً في اللون الأخضر وكشَف أيضاً عن نمط واضح لتفكّك الغابة من الداخل؛ فالغطاء النباتيّ لم يتراجع على نحو متجانس، إنما تفتّت إلى جيوب متفرّقة وبقع صغيرة، وظهرت فجوات مكشوفة تمدّدت شهراً بعد شهر. وهذا النوع من التدهور يختلف تماماً عن التراجع الطبيعيّ المرتبط بالمطر أو التغيّرات المناخية التي تتزامن مع موسم الجفاف عادة، أما هذا التراجع الناتج عن القَطْع الجائر فيترك بصمته واضحةً في خطوطٍ ومساحاتٍ منزوعة، وتبايُن مكاني حادّ، وظهور مناطق عارية وسط بقع خضراء متقطعة تماماً مثلما توضح الصور.

ووفقاً لرصد مراسل «أتَـر» حسين صالح، الذي زار موقع غابة السنط والتقط الصور المُرفقة، يتضح أنّ القطع بدأ منذ فترات طويلة جداً من أيام الحرب الأولى ولا يزال مستمراً، لكن الواضح أنّ القطع جرى بطريقة محترفة، ما يؤكّد احتمالية نشوء تجارة احتطاب منظّمة منذ سنوات، ولقد تبقّى جانب قليل من الغابة لم يتعرّض للتعدي وهو شريط محدود بمحاذاة النيل، ويبدو أنّ المياه حفظته من القطع. يقول حسين: «لم ألحظ وجود أثر للطيور في مناطق القطع، بينما تظهر بأعداد محدودة فقط في الشريط النيلي المُتبقّي من الغابة. كما توجد في الغابة بقايا قذائف».

غابة السنط: تصوير حسين صالح

وتكامَل تحليل صور الأقمار الصناعية مع ما قدّمه حسين، وسدَّ فجوةً خافية، هي أنّ الغابة لم تتدهور فوراً مع اندلاع الحرب، إنما ازدهرت بادئ الأمر، وكأنّ الطبيعة حين غاب عنها فعل الإنسان تنفّست. ثمّ بدأ التدهور الحقيقي لاحقاً، متزامناً مع عودة النشاط البشري واشتداد الحاجة إلى الطاقة والوقود في ظل غياب مؤسسات الدولة. وهنا تكمن المفارقة القاسية في أنّ الحرب لم تقتل الغابة، إنما قتلها الإنسان. لقد كان القطع الجائر في جوهره عرَضاً من أعراض غياب الدولة، حين يتحوّل الإنسان المقهور إلى قاطع شجر؛ لا لكونه شريراً بقدر ما هو مُحاصَر بالحاجة.

بزوال غابة السنط، فقدت الخرطوم مخزناً لتنوّعٍ حيويٍّ صامتٍ لا يراه الناس لكنه حاضر في توازن المكان، فالطيور والحشرات الملقِّحة والزواحف الصغيرة والكائنات الدقيقة في التربة والبذور التي تنتظر المطر لتعلن عن دورة حياة جديدة، جميع هذه الكائنات ليست ترفاً ولا إضافات كمالية، إنما هي عناصر في شبكة حياة معقّدة متى تداعت تداعى لها سائر النظام الحيوي.

ليس من المغالاة أنّ للغابة قيمة معنوية إذ كانت تحفظ التوازن بين الأسمنت والطبيعة، وبفقدها تفقد الخرطوم جزءاً من صورتها القديمة التي كانت تمنح الناس أملاً في أن هذه المدينة ما زالت قادرة على الحياة. لكن رغم هذا الخراب فإنّ الأمل يبقى؛ لأن الطبيعة لا تستسلم، ولا سيما أشجار السنط التي تملك قدرة عالية على التجدّد متى توفرت لها الحماية. والغابة اليوم مثل بقية الخرطوم وبناها التحتية، تتعطّش إلى تدخّل واضح وخطة إعادة تأهيل بل وإرادة سياسية قبل أن يتحوّل ما تبقى منها إلى رماد.

Scroll to Top