أتر

نوتة من علم الكونكا 33

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية الفنانة مروة الدولية

عاش الدكتور أشيل مبيمبي «ما بعد الاستعمار» من موقع التعليم الرفيع والكفاءة الدينية في بِلاده الكاميرون. وُلد في بلدة أوتيلي في أسرة كاثوليكية ونشأ في مدرسة داخلية لرهبان دومينيكان. وتستحقّ عقيدة المبشّرين الدومينيكان بعض الاعتبار، مما قد يُيِّسر على القارئة مصادر مبيمبي وبعض استعداده. وتعُود هذه الطريقة، إذا جازت العبارة، إلى مُبشِّر مفرد، دومينيك زول كاليروغا، مُجدِّد ديني كاثوليكي بدأ نشاطه الدعوي في جنوب فرنسا، وهو المهاجر من إسبانيا، في حوالي العام 1206. اتَّقى هذا القديس النعمةَ كطريقةٍ للتحلُّل من الدنيا الزائلة وإحسان التوكُّل على الله، وعاش على هذه السُّنّة أبكارُ المبشّرين من طريقته، سلوكُهم التّرحال والدعوة والتقشُّف حدّ العوز، يقتاتون على ما يجمعون من صَدقات المؤمنين في سياحتهم.

لكنْ، لهذه القضية أكثر من معنى. يؤرِّخ مؤرّخون للكنيسة الكاثوليكية نشأةَ هذا الضرب من التبشير في حوالي العام 1100، بوصفها حركة تصحيح ديني ساح أقطابها في الأقاليم الفرنسية: «عُراة الأقدام يُبشّرون بدعوة الله في القرى والقلاع والمدن، ويَستنقذون الناس من آثام الحياة. حطّموا جدران الكُفر والضّلال كأنهم كباشٌ حربيّةٌ من خلفهم قوّة الإرادة المقدّسة. صحيح أنهم لم يَبعثوا الموتى، لكنهم حقّقوا ما هو أعظم، بعثوا الحياة في النفوس التي ماتت بالذنوب فاقترنت وقد تجدَّدَت حيَّةً بإله الحياة الحقة». (أوغسطين تومسون، أصول جماعات التسوّل الدينية في العصور الوسطى الأوروبية؛ ضمن دونالد س. برودلو (محرِّر)، أصول وتطوّر وتزكية جماعات التسوّل الدينية في العصور الوسطى، دار نشر بريل، بوسطن 2011، ص 6).

قامت كلٌّ من الحركتين الرئيستَيْن للتسوُّل الديني تحت عصمةٍ كاثوليكيةٍ في القرون الوسطى الأوروبية، رهبانية الفرنسيسكان ورهبانية الدومينيكان، كإخوانية: الأولى «الإخوة الأصاغر» والثانية «الإخوة المبشّرون»، من الدعاة السائحين بغير رباط بدَيرٍ بعينه أو موقع، كما عادة الرهبان من قَبلهم. اعتمد دومينيك زول كاليروغا السؤالَ مصدراً مُفضّلاً لرزق الإخوان في طريقته وحرَّم عليهم ادّخار الطعام ولو ليوم واحد، العهد الذي لم تتحلّل منه الطريقة حتى العام 1239، حين انعقد رأيُهم على إجازة ادّخار طعام وكساء العام. واستقرّ عهد الدومينيكان على هاتين المسألتين: التقشّف والسياحة كجماعة من الدُّعاة الحُفاة الذين يُناظرون مهرطِقِين ضالِّين بحجةٍ وبيانٍ ولكن في فقر مدقع. 

لكنْ من هم هؤلاء الضالُّون؟ واجهَت الكنيسة الكاثوليكية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر حركات احتجاج على سلطانها الزماني والروحي واحتكارها الإيمان بعقائد غيرية، عدّتها الكنيسة هرطقة وتجديفاً. وكان من أشدّها وقعاً وأخطرها على العقيدة الصحيحة كما تراها الكنيسة «الكاثار» أو «المسيحيون الطيبون» في جنوب فرنسا، حيث نشأت الدومينيكانية أول أمرها. اعتقد هؤلاء في إلهين، إله شرير للعالم المادّي وإله طيب للعالم الروحي، ومنبعُ هذه الثنائية اعتقادُهم بأنّ العالم المادي بما فيه شرٌّ محض، فرفضوا سلطان الكنيسة الكاثوليكية ومراتبها وطقوسها ورموزها بما في ذلك الصليب المقدّس، باعتبار كلّ ذلك من رجس العالم المُعاش، وبشَّروا بحياة من الإمساك، فحرَّم أئمّتُهم على أنفسِهم اللحمَ والألبانَ والجنسَ وانقطعوا لمعاش من العبادة.

لاقى أئمّة الكاثار بمثالهم نجاحاً شديداً، فاجتمع حولهم الناس، واستحسنوا ما هم فيه، وتعاظَمَتْ أعدادُ أتباعِهم بالذات في لونغيدوك، جنوب فرنسا، التي صارَتْ لهم عاصمة، حيث آواهم ريموند السادس، كونت تولوز (1156-1222)، الحاكم الشاعر، وعمَّت دعوتُهم بلاداً واسعةً فبلغت شمال فرنسا وشمال إيطاليا وأقاليم الراين. لم تَقبل الكنيسة بهذا التمرّد الشعبي، فانقضّت على الكاثار بحملةٍ حربيةٍ واسعة، الحملة الصليبية الألبيجينية بأمر البابا إينونست الثالث، بعد أن أبعدت الكنيسة الكونت ريموند من صفوفها، وأعلنت الكاثار كفّاراً كفراً ظاهراً. امتدَّت هذه الحملة الدموية قتلاً وسحلاً وسجناً وتشريداً من العام 1209 حتى حوالي 1229، فاستحقَّت عند بعض المؤرّخين عنوان «الإبادة الجماعية» (كولاكوسكي، الإبادة والأيديولوجيا؛ ضمن لايمان ليغترز (محرِّر)، «المجتمع الغربي بعد الهولوكوست»، روتلدج، نيويورك، 1984). وكانت حصيلتها السياسية استيعاب إقليم تولوز تحت التاج الفرنسي. لكنْ، حقَّ للكنيسة الكاثوليكية أن تخشى على سلطانها من هذه الطريقة الدينية واسعة الشعبية. فضَحَ الكاثار بمثالهم ما أحاط بالكنيسة من زينة الحياة الدنيا، وصادَقَتْ دعواهم الصورة الكاريكاتيرية للقسيس الكاثوليكي، كما عرفه الناس في حياتهم اليومية: «كوز كبير»، يرفل في رغد من العيش، يأكل ويشرب ما لذَّ وطاب بفضل العوائد الكنسية، فهو رجل ضريبة في المقام الأول، بينما يتقلَّب مَن حوله مِن المؤمنين من مسغبةٍ إلى أُخرى، ويَحتفظ بخليلة وأخرى يدسُّها عن الأعين، حيلتُه الرياء بعقيدة الكنيسة، وسلطانُه على الناس نافذ ما دام حياً. هذا بينما استقبل سواد الناس أئمّة الكاثار كمؤمنين غامضين نعم، لكنهم صالحون، يُسعفون النفوس الكئيبة، استنكفوا المباهج والملذَّات وطلَّقوا العالم المشهود.

مرَّ دومينيك زول كاليروغا بديار الكاثار جنوب فرنسا في حوالي العام 1207، هو وتلميذه المُقرَّب دييغو، مطرانُ أوسما الأندلسية المُسلمة حتى عهد قريب. والرواية أنّ كليهما ذُهِل للمفارقة ما بين منظر أئمّة الكاثار المُتواضعين والرَّغد الذي كان فيه الرهبان السيسترسية من رجال الكنيسة الكاثوليكية. والعبرة أنّ دومينيك وتلميذه أخذَا بطريقة الكاثار في التقشُّف صدَّاً للفتنة على أمل استعادة الثقة الشعبية في الدِّين القويم. وانتشر أتباعُه في القرى والبلدات، حفاةً يطلبون الصّدقة، أعطوهم الناس أو منعوهم، ويواجهون أئمّة الكاثار في مُناظرات على الملأ نصرةً للدِّين. حاول دومينيك زول كاليروغا إذن، وأتباعه أن يبزُّوا الكاثار في كاثاريتهم. تولّى دييغو مطرانُ أوسما هذه الحملة الأيديولوجية في وجه مُقاومة شديدة من الرهبان السيسترسية ورجال الكنيسة المحليّين الذين ضرَّهم التخلِّي عن ميزاتهم؛ بينما كان رأيُه أنّ الانتصار على الكاثار في حرب على الأفئدة لا يكون إلا بمثال يقارعهم تقوى بتقوى، بل إنّ أئمة الكاثار واجهوا دييغو نفسه بما هو فيه من نعمة كنسية، فكشفوا تناقضاته ما اضطرّه إلى محاكاتهم.

على كُلِّ حال، يعود إلى المطران دييغو مثالُ المبشّر الدومينيكان السائح والفقير إلى الله، وهو مثال «تكتيكي» بامتياز للفوز على الكاثار في الميدان الذي أجادوا تضاريسه. تخلَّلَتْ سياحة المطران دييغو حافي الأقدام إجازات مُمتدَّة عاد فيها إلى مقرِّه في دَيْر عظيم في برويل وسط ديار الكاثار، أول دير للراهبات الدومينيكان، وجنَّدهن دييغو وأنصاره من الفتيات اللواتي دفعتهن الحاجة إلى الخدمة في بيوت الكاثار، ثمّ التائبات من دِين الكاثار على قِلّتهن. صار هذا الدير إذن، مقراً لوجستياً للتبشير الأصولي وسط الكاثار. واستطاع المطران دييغو، بحيلةٍ شديدةٍ، أن يَخترع طريقاً لمُقارعة الكاثار؛ باتّباع سُنَنهم التقشّفية ظاهراً، وتمويل حملة دعائية ضدّ عقيدتهم بمال الكنيسة ومقدّراتها، وكان هذا سرّ نجاحه. كان فقر الدومينيكان وتسوّلهم بدرجة من الدرجات تُقية دعائية لكسر شوكة الكاثارية واستيعاب مثالها ضمن الكنيسة الكاثوليكية (آنتوني جون لابين، من أوسما إلى بولونا، من الكهنوت إلى الأخوية، من التبشير إلى المبشرين: طريق الدومينيكان نحو التسوّل؛ ضمن دونالد س. برودلو (محرِّر)، أصول وتطور وتزكية جماعات التسول الدينية في العصور الوسطى، دار نشر بريل، بوسطن، 2011، ص 37).

انتبه برنادر زول كليرفو، الخصمُ اللَّدودٌ للكاثار الذي ابتعثته الكنيسة لصدّ دعواهم في 1145 ما قبل الحيلة الدومينيكانية، إلى أنّ للكاثار نفوذاً عظيماً وسط النسّاجين الذين يجوبون القرى بحثاً عن العمل، ووسطهم انتشرت هذه الضلالة أكثر من غيرهم (آن برادفور تاونسند، كاثار لانغيدوك الزنادقة من وجهة نظر خمسة دارسين معاصرين، رسالة دكتوراة، جامعة سنسناتي، أوهايو، 2007، ص 28). تُظهر سجلّات محاكم التفتيش الكنسية التي استهدفت الكاثار في بولونا الإيطالية على سبيل المثال، وهي من أكمل السجلّات وأكثرها بياناً، غلبةَ الحرفيّين وصغار التجّار وسط أنصار الكاثارية، التي كانت بهذا التصوّر، بدرجة من الدرجات، اختلاجاً أيديولوجياً لبثِّ احتجاجِ فئاتٍ حضرية جديدة على ضريبة العشور الكنسية، وكذلك تحريم الربا الكاثوليكي، ولا باب أمام تاجر صغير محدود رأس المال خلا سعي هذه القروض المُحرَّمة، وحُرمَتها أنها كثيرة الربا.

رسمت الكاثارية إذن صورةً لعالَم آخر، يتطهَّر فيه المؤمن من جميع هذه الأغراض ويمتثل لله. وظلّت حيّة في نفوس الطبقة الوسطى الحضرية من حرفيّين وصغار مُلاك ونبلاء مُتواضعين في جهات لونغيدوك حتى بعد الإبادة الصليبية لأتباعها. وتركّزت جاذبيتها في مناطق التطوّر الحضري والتبادل التجاري الكثيف، الذي تفاقم فيه التناقض بين مثال الزهد الديني على سُنّة المجتمع المسيحي الأول وواقع البذخ الكنسي كمؤسّسة دنيوية تجمع المال وتستثمر فيه، وتُنفق في الأحلاف السياسية وتخوض الحروب، بل تتآمر لإخضاع مثل ريموند السادس، كونت تولوز، الذي حاول جهدَه الحفاظَ على استقلال إقليمه من سلطان التاج الفرنسي المُباشر وأطاح بضريبة «الدقنية» الكنسية على كلّ رأس. استقبل أئمة الكاثار أنصارَهم، بخاصة اليافعين منهم، في شبكة من البيوت الآمنة، خصَّصوها للدعوة ولتعليم الحِرَف كذلك؛ يتخرَّج اليافع من هذه المَعاهد مؤمناً وصاحب صنعة. عرّفت وثائق محاكم التفتيش الكنسية هذه البيوت بعبارة «بيوت الزندقة»، وتميّزت عن الدير الكنسي المعلوم والمُغلَق على نفسه بأنها كانت مفتوحة على الشارع إذا صحّ التقدير، فهي محلُّ اجتماع وتبادل وإطعام وفوق ذلك موقع إنتاج، يعمل فيها نسّاجون وإسكافيون وفرويُّون (من الفرو)، ويغشاها الناس لشراء حاجياتهم، بل إنّ بعض أئمّة الكاثار كانوا تجّاراً معتبرين في مجال الجلود، وتطوَّرت في بيئة الكاثارية شبكةٌ من الحرفيّين والتجّار والعاملين بأجر، يومية وبالشهر، ساكنين وسائحين، نساءً ورجالاً (لوتز كالبر، من نسّاجين إلى زنادقة؟ التنظيم الاجتماعي للكاثارية في بواكير القرن الثالث عشر من منظور مقارن، مجلة تاريخ العلوم الاجتماعية، م 21، ع 1، دار جامعة كمبردج، 1997، 111 – 137).

في المقابل، نمَت رهبانية الدومينيكان قطباً مُضادّاً لمثل هذه الزندقة، وقام أنصار دومينيك زول كاليروغا، الذي صار بالإعلان البابوي القديس دومينيك، بدَوْر قضاة التفتيش في المحاكم الكنسية الرهيبة التي وقف أمامها هذا الإسكافي وهذه الخادمة. قامت فعالية محاكم الدومينيكان على التشهير؛ تشهير الجار بجاره والابن بأبيه، على الإرهاب والتعذيب وسيلةً للتحقيق، وعلى مُصادَرة الملكيات والأموال لمصلحة الكنيسة ورجالها. ولم يترك الدومينيكان حتى التائبين في حالهم وفرضوا على من فضَّل التوبة عن زندقة الكاثارية، على الموت بضرام النار؛ وسيلة القتل الجماعي التي قالت بها هذه المحاكم لإزالة رجس الزندقة بالكلية، أن يرتدي صليباً أصفرَ على ردائه من أمام ومن خلف علامة على ذلّته.

تعلَّم الدكتور مبيمبي في مدرسة للإخوان الدومينيكان، سلفيّة عصرهم، وخاضَ بالضرورة في بعض هذا التراث، وانضمّ يافعاً بدافع التبشير الدومينيكاني في هذه السكّة إلى حركة الطلاب الكاثوليك الشباب، وكانت تستمدُّ بعض حماسِها من أفكار لاهوت التحرير ضمن التراث الدومينيكاني في التبشير والخدمة وسط الفقراء. لكنْ، لم يَعتلق الدكتور مبيمبي بالصراع الطبقي، وعَدَّهُ في تناغمٍ مع خطة المطران دييغو في القرن الثالث عشر من «الماركسية»، التي قال إنها أنقذته منها الكاثوليكية، كاثوليكية الإخوان الدومينيكان. وإنْ لم يكن الصراع الطبقي يا دكتور مبيمبي، فأي صراع إذن؟

يُتبع…

Scroll to Top