أتر

أتــر 111

من التحرير: ولا هذي ولا تلك.. تساوي ملتقى النيلين

انطلقت الحرب صباح 15 أبريل من مدينة الخرطوم، ومن ثمّ تحوَّلت أحياؤها السكنية القريبة من قلبها، والبعيدة، وأسواقها، إلى ساحة حرب لا هوادة فيها. عاش مواطنو الخرطوم في ساعات الحرب الأولى أهوالَها ورأوا الدمار، بل والتصميم على الدمار. تعيَّن عليهم اتخاذ قرارات مصيرية انتهت بموجات نزوح مجهولة الوجهة والهدف. شاهد معظم أهل الخرطوم منازلهم ومُمتلكاتهم في مقتطفات فيديو هنا وهناك، وأيقنوا أن كل شيء أصابه الدمار.

انقضَت الاشتباكات التي استمرّت قرابة سنتين حربيّتين، بمدينة الخرطوم، ببَسْط الجيش والقوات المساندة له السيطرة عليها. بعدها داعَبَ الخطابُ الحكوميّ الرسمي أحلامَ العودة لدى ساكنيها ممّن نزحوا ولجأوا وتشرّدوا في الأصقاع، بتشكيل «اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم».

منذ أسابيع، عَقَدْنا العزم على وضع مدينة الخرطوم تحت المجهر بنشر عدد خاصّ عنها. ولم يكن اختيارنا لها، بوصفها مدينة ضمن مدن ثلاث تشكّل ولاية الخرطوم وعاصمة البلاد، ضرباً من العبث، إنما استند اختيارنا إلى مياهٍ كثيفة الحزن جرَت تحت جسر أحداثها، وما أجرَته الحرب فيها من تحوّلات اجتماعية واقتصادية ستؤدي دوراً كبيراً في تشكيل المستقبل.

رأينا في مدينة الخرطوم الواقعة بين نيلين، عينةَ اختبار لكيفية هندسة التخطيط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لأكبر مدينة من حيث السكان. هي أيضاً من أكثر المدن التي أصابها الضَّرر في بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وهي كذلك اختبار لأداء حكومة الحرب التي تُروِّج لبرنامج العودة، ولمدى قدرتها على إصلاح الأمور في عاصمة البلاد.

إن  أبرز ما خرجنا به، إضافةً إلى المعلومات الوافية التي تمكّن مراسلو «أتَـر» من جمعها بجسارة وإصرار ومتابعة لصيقة؛ هو ملاحظة حالة التوجّس الحكومي من أسئلة الصحافة، وهي بالضرورة أسئلة الناس، ما دامت تسعى إلى التعبير عنهم في طيّات الخبر والتقرير والتحقيق وغيرها ممّا تتوسّل به الصحافة للوصول إلى ما ينفع الناس في حلِّهم وترحالهم.

ورغم ما يبدو من اهتمام من قِبل الحكومة بتيسير العودة إلى الخرطوم وتشجيعها، تُريد من الناس أن يعودوا كيفما اتفق، دون أن تُجيب عن أسئلة المعاش والخدمات، ودونها قطعاً لا تقوم حياة. أكثر من مسؤول حكوميّ خلال التقارير المنشورة في هذا العدد، اعتذَر أو تنصَّل عن الرد على قضايا أساسية، مثل توفر المياه والكهرباء والتعليم والصحة وغيرها ممّا تناوله هذا العدد؛ ما يَعكس حالة التعتيم العامّة التي تفرضها السلطات المسؤولة في مدينة الخرطوم، وبطبيعة الحال الولاية بأكملها.

هنا تأتي مسألة مُهمَّة، وهي تعدُّد الجهات الأمنية وتضارب الصلاحيات وتداخل المسؤوليات، ما يعني صعوبة تحديد المسؤولين المُباشرين. حين نضع كل ذلك في الاعتبار، تظهر قدرة الناس على تحسين كل شيء: مبادرات أهلية لبناء المدارس، وإصرار التجار على فتح الأسواق، ورغبة الناس في العودة إلى منازلهم. هذا هو وجه البطولة المُشرق في ما رأيناه.

فريق التحرير

Scroll to Top