تتنوّع الكتابات التي ناقشت المظالم والتناقضات الكبيرة في بنية الاقتصاد العالمي، منذ بدايات حقبة التوسّع الأوروبي على قارّات العالم والاصطدام بشعوبها وحتى الآن. لكن، بين كل فترة وأخرى تبرز كتابات ذات إضافة عالية جداً، نوعية أو كمية، في ذلك النقاش. وفي الفترة التاريخية الأخيرة تراكمت براهين وبيانات ربما لم تكن متوفرة بنفس القدر للكتابات الأقدم منها. في هذا السياق نستعرض اليوم مساهمة بحثية، اقتصادية-تاريخية، نعتبرها الأهم من نوعها من بين ما صدر في العام 2025، وربما في مجمل السنوات الماضية، لأسباب سنوضحها.
عنوان الورقة «التبادل غير المتكافئ وعلاقات الشمال-جنوب: براهين من التدفقات التجارية العالمية وميزان المدفوعات العالمي 1800-2025» وهي ورقة عمل للمؤلفَين غاستون نيڤاس وتوماس بيكيتي، ضمن مشروع ضخم في نبش واستجلاء بيانات اقتصادية تاريخية ضخمة، تمتدّ قروناً وتشمل معظم العالم [1]. نقدِّم أدناه ملخّصاً عاماً للورقة، بالنقاط الأساسية والأدلة والحجج المهمة. بعدها نتحدّث عن بعض المضامين والمقتضيات التي تجعلها بالأهمية التي زعمناها.
ملخّص الورقة
تعزّز الورقة أطروحة معروفة سلفاً في أوساط الاقتصاد السياسي وهي أنّ العلاقات الاقتصادية العالمية تميّزت تاريخياً ليس بآليات السوق ذاتية التصحيح، ولكن باختلالات مستمرّة وعلاقات قوة غير متكافئة بين الدول، لا سيما بين الجنوب الاقتصادي العالمي والشمال. وفق برهنة تلك الأطروحة بالبيانات التاريخية وبعض عمليات المحاكاة الافتراضية البديلة، تدعو الورقة إلى ضرورة إنشاء قواعد ومؤسّسات جماعية جديدة في النظام النقدي والتجاري الدولي – مثل اتحاد مقاصّة عالمي (international clearing union)، أو عملة دولية مشتركة – أو القيام بإصلاحات جوهرية في عمل المؤسّسات المالية الدولية الحالية، لخلق نظام اقتصادي عالمي أكثر إنصافاً.
استندت هذه الخلاصات التحليلية، وعمليات المحاكاة الافتراضية، إلى قاعدة بيانات تاريخية جديدة، إذ قام المشروع البحثي ببناء قاعدة بيانات ميزان المدفوعات التاريخية العالمية، وتغطي 57 إقليماً في العالم من العام 1800 إلى 2025. يسمح بناء قاعدة البيانات هذه بإجراء تحليل منهجيّ طويل الأمد للتدفّقات التجارية والدخل والتحويلات والثروة الأجنبية.
تبدأ الورقة باستيضاح حقبتين رئيستين من الاختلال العالمي: الحقبة الأولى بين العامين 1800 و1914 (وتُسمَّى حقبة «السلام البريطاني Pax -Britannica» وتعني عملياً حقبة الهيمنة البريطانية على المشهد العالمي). في هذه الحقبة راكمت القوى الأوروبية (خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا) ثروة أجنبية هائلة دونما تحقيق فوائض تجارية. وقد حصلت هذه المراكمة عبر التحويلات الاستعمارية (مثل الجزيات الضخمة، كالجزية التي فرضتها فرنسا على هايتي عقب استقلالها بالثورة الهايتية، ومثل العائدات الضريبية المتراكمة من المستعمرات) وكذلك عبر تدفّقات كبيرة لدخول الاستثمارات الأجنبية (وهي كذلك مرتبطة بالتوسع الاستعماري الأوروبي وتمركز حركة الأموال والتجارة العالمية في أوروبا وقتها). أما الحقبة الثانية فقد كانت بين العامين 1970 و2025 (وتُسمّى حقبة «السلام الأمريكي Pax -Americana» بنفس المعنى المشروح للحقبة الأولى). في هذه الحقبة راكمت دول شرق آسيا والدول المصدّرة للنفط ثروة أجنبية من خلال الفوائض التجارية (أي بطريقة مفهومة ومشروعة، خلافاً للطريقة التي راكمت بها أوروبا ثروتها في الحقبة السابقة)، وذلك بينما سجّلت الولايات المتحدة حالات عجز تجاري كبيرة (أي ارتفاع الوارد على الصادر)، وعلى عكس أوروبا في القرن التاسع عشر لم تتمكّن من تعويض عجزها التجاري بالكامل من خلال التدفّقات غير المرئية، على الرغم من استفادتها من «الامتياز الباهظ» للدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية رئيسة في هذه الحقبة (ما وفّر لها عوائد أعلى على الأصول الأجنبية).
امتازت هاتان الحقبتان التاريخيتان بوضوح دَور التبادل غير المتكافئ، إذ اشتركتا في نمطٍ تدير فيه القوى الصناعية المسيطرة (أوروبا في القرن التاسع عشر، وشرق آسيا حديثاً) فوائضَ كبيرة في السلع المصنّعة وحالات عجز كبيرة في السلع الأولية، الأمر الذي يسلّط الضوء على الاعتماد الهيكلي في الحقبتين على المواد الخام من الجنوب العالمي.
يضاف إلى ذلك، أجْرَت الورقة عمليات محاكاة افتراضية، لتُظهر أنّ تغييراتٍ نسبيةً محدودةً في شروط الحقبتين (وليست تغييرات جذرية في الأحداث التاريخية) كانت كفيلة بأن تعكس أنماط الثروة العالمية على وتيرة فلكية. مثلاً، تشير عمليات المحاكاة إلى أنّ زيادة أسعار السلع الأولية بنسبة 20%، أو إلغاء التحويلات الاستعمارية فحسب، كافية لأن تجعل الجنوب العالمي دائناً صافياً وأوروبا مديونة بحلول عام 1914. وبالمثل، يمكن أن تؤدّي شروط تبادل أفضل للدول الفقيرة إلى تقارب اقتصادي شبه كامل (أي تقارب في مستويات الأحجام الاقتصادية) بين مناطق العالم.
إجمالاً، استندت الورقة في حججها وبراهينها إلى عدة أدوات وتعليلات منهجية، أهمّها:
- التفكيك الكمّي: حلّلت الدراسة تراكم الثروة الأجنبية لأوروبا (1800–1914) لتُظهر أنه على الرغم من العجز التجاري التراكمي في السلع، فإنّ فوائض الخدمات والدخل الأجنبي، وخاصة التحويلات الاستعمارية، مكَّنت أوروبا من مراكمة ثروة هائلة ما زالت تستمتع بفوائدها حتى الآن. (جدير بالذكر هنا أن أوروبا استخدمت هذه الثروة لتمويل الثورة الصناعية في هذه الحقبة، مثلما استغلّت سيطرتها العسكرية ونفاذها إلى السوق العالمي).
- الاستخراج الاستعماري: استشهدت الورقة بحالات محددة، مثل «دَين العبيد» الذي فرضته فرنسا على هايتي (1825)، ودَين حرب الأفيون على الصين (1842)، والتحويلات الدائمة من الهند إلى بريطانيا، كآليات مباشرة لاستنزاف الثروة من الجنوب العالمي إلى الشمال.
- شروط التبادل والقوة: تجادل الورقة بأنّ انخفاض أسعار السلع الأولية (وهو انخفاض مرتبط بالعمل القسري وعدم تكافؤ القوة التفاوضية لدى العاملين الاقتصاديين في الجنوب) قد أضرّ منهجياً بالجنوب العالمي. ويَظهر ذلك الضرر جلياً عبر تغيير بسيط في المحاكاة الافتراضية، إذ إنّ زيادة أسعار السلع الأساسية بنسبة 20%، وهو – حسب المؤلفين – تقدير متحفّظ لقيمة العمل غير المدفوع، كانت كفيلة بتغيير أنماط الثروة العالمية، بين الشمال والجنوب، بمستوى فلكي. يضيف المؤلِّفان أننا لو حسَبنا أنّ الجنوب العالمي استثمر تلك الزيادة في أسعار السلع الأساسية في تنمية رأس المال البشري (أي في التعليم والصحة والبنية التحتية والإنفاق على البحوث والتطوير) فالنتيجة كانت كفيلة بأن تصبح معدّلات الإنتاجية اليوم (أي المخرجات الإنتاجية مقابل موارد الإنتاج وخاصة العمالة) متساوية إجمالاً بين الشمال والجنوب؛ ما يشير إلى أنّ الفوارق التكنولوجية والمعرفية العالمية، التي نختبرها اليوم، كانت راجحة الزوال.
- الآثار المترتبة على السياسات الهيكلية: يربط المؤلِّفان بين البراهين التاريخية والنقاشات المعاصرة، ويقترحان أنّ إصلاحات هيكلية معاصرة، مثل إنشاء اتحاد مقاصَّة عالمي و/أو عملة دولية مشتركة للتبادل التجاري (وفي هذه المقترحات استعادةٌ لمقترحٍ قدّمه الاقتصادي البريطاني جون كينز في أربعينيات القرن المنصرم لمعالجة مشكلات الاقتصاد العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية، ورُفِض المقترح في مؤتمر بريتون وودز لمصلحة اعتماد نظام مالي عالمي عُمدته الدولار الأمريكي)، أو عمل إصلاحات جوهرية في صندوق النقد الدولي؛ يمكن أن تخفّف من حدّة التبادل غير المتكافئ الحالي وتدعم التقارب بين الشمال والجنوب في مستويات الثروة في الحقبة التاريخية القادمة.
إجمالاً، تقدِّم الورقة أساساً تاريخياً وتجريبياً لفهم عدم المساواة العالمية بحسبانها نتيجة لاختلالات القوة المؤسسية، وتقدِّم حجّة لمصلحة الإصلاحات الهيكلية لتعزيز علاقات اقتصادية دولية أكثر إنصافاً.
وجديرٌ بالذكر أنّ هذه الورقة ليست أولى إصدارات الاقتصادي الفرنسي بيكيتي التي تلفت كثيراً من الأنظار الواسعة من عدة مجالات، ففي العام 2014 أصدر كتاب «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» [2]، ورغم أننا نسبياً في بدايات هذا القرن إلا أنّ صدى الكتاب بلغ مبلغَ أن يصفه بعض النقّاد بأنه أهمّ كتاب اقتصاد في هذا القرن. في كتابه ذلك استغلّ بيكيتي قاعدة بيانات أعلى الدخول في العالم، وهي تجميعٌ غير مسبوق للإقرارات الضريبية وسجلّات التركات والحسابات القومية التي تغطي أكثر من 200 عام في أكثر من 20 دولة. وقد مكّنته قاعدة البيانات الضخمة هذه، والتي تُعدّ تحوّلاً نوعياً عن استطلاعات الثروة قصيرة الأجل والمحصورة على العوائل والمنازل، من تتبُّع نسبة رأس المال إلى الدخل على المدى الطويل وترَكُّز الثروة لدى أعلى 1% و10% من السكّان منذ الثورة الصناعية. وفّر هذا النهج القائم على البيانات الضخمة الأساس التجريبي لأطروحته المركزية في الكتاب، وهي أنّ العائد على الثروة يفوق النموّ الاقتصادي تاريخياً، وأنّ هذا النمط يولّد باستمرار اختلالات ومظالم كبيرة في النظم الاجتماعية والسياسية تحت الاقتصاد الرأسمالي، بحيث تكون عوامل الميراث لا الجدارة هي ما يراكم الثروة الأكبر. وهو أمر يجعل الرأسمالية مولِّدة للأزمات الدورية وتحتاج باستمرار إلى تدخّلات كبيرة من قِبَل السلطات السياسية لاستدراك نمطها ذلك قبل الانهيار الكامل. يوضح الكِتاب أنّ بعض تلك التدخلات الكبيرة لم تكن في صورة سياسات هيكلية لإعادة توزيع للثروة وإنما في صورة حروب ضخمة تضطرّ الحكومات إلى إعادات توزيع كبيرة، مثل الحربين العالميتين، الأمر الذي يمدّد عمر الرأسمالية بتكلفة خطيرة وعالية على المجتمعات، ويؤدّي إلى زعازع واسعة غير محسوبة العواقب (فالحربان العالميتان مثلاً جعلتا أوروبا تتأخّر اقتصادياً بالقدر الذي أفسح المجال لهيمنة قوة عالمية جديدة، أي الولايات المتحدة، رغم أنّ هذه الأخيرة تشعُّبٌ أوروبّي في الأصل). من خلال رقمنة قرون من التاريخ المالي، حوّل بيكيتي الإقرارات الضريبية الجافة إلى سردية عالمية مؤثّرة حول الطبيعة الهيكلية للامساواة. في ذلك الكِتاب ركّز بيكيتي على ديناميكات اللامساواة داخل البلدان، وخاصة أوروبا في القرنين الماضيين، وفي ورقته الأخيرة هذه، مع نيڤاس، انتقل ذلك التركيز إلى اللامساواة على مستوى البلدان والشعوب كوكبياً؛ خاصة بين الشمال والجنوب.
ولعلّ الاستقبال الواسع – من اهتمام ونقد – لخلاصات كتاب «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» هو ما شجّع بيكيتي وباحثين آخرين على الالتفات إلى الاستبصارات الواسعة الكامنة في البيانات الاقتصادية التاريخية الضخمة، التي توضّح الأنماط على مدى عقود وقرون ومساحات جيوسياسية كبيرة. كما نرى أنّ أمراً آخر شجّع هؤلاء الباحثين على الالتفات للاستبصارات الكامنة في تلك البيانات الضخمة، وهو التطوّر التكنولوجي الكبير الذي حصل في علم البيانات والتعلّم الآلي (machine learning)، منذ بدايات هذه الألفية وحتى اليوم. هذا التطوّر نفسه الذي فتح مجالاً لمدارس اقتصادية جديدة كلياً وذات استبصارات وخلاصات مهمّة لم تكن ممكنة عملياً قبل ذلك، مثل مدرسة اقتصاديات التعقيد (economic complexity) التي تعلّل بروزها بأنه كان استجابة لتلاقي التعلم الآلي مع نظريات الإنتاج الاقتصادي الحديث، كنظرية النمو الداخلي (endogenous growth theory)، وكذلك مع عودة السياسات الصناعية إلى منابر النقاش الاقتصادي السياسي والتنموي [3] بعد سنوات من سيادة الخطاب النيوكلاسيكي في المؤسسات المالية الدولية وفي الأكاديميا الغربية، والذي حجّم من جدواها – أي السياسات الصناعية – وحرّض على نسيانها.
مقتضيات الإنصاف لكتابات سابقة
في أوائل السبعينيات أصدر والتر رودني كتاب «كيف قوَّضَت أوروبا نماء أفريقيا»، وكان في سياقه التاريخي مهماً جداً (كان رودني وقتها أستاذاً في جامعة دار السلام، تنزانيا، التي أتاها بعد إكماله للدكتوراة من مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، التي أتاها بدَوره من موطنه غويانا في أمريكا الجنوبية) [4]. وفق ما توفّر له حينها من مادة تاريخية وبيانات، وأدوات فحص منهجي، قدّم رودني أطروحة واضحة: أنّ علاقة أوروبا بأفريقيا، التي بدأت منذ القرن السابع عشر تقريباً واستمرّت حتى القرن العشرين، كانت في مجملها سبباً مباشراً في استنزاف موارد القارة، البشرية والطبيعية، لمصلحة تراكم الثروة الأوروبية، وفوق ذلك فإنّ تلك العلاقة حرَمت الأفارقة لفترة طويلة جداً من اختبار التطوّر التاريخي الاجتماعي المحلي بما يصحبه من حشدٍ لعوامل الإنتاج وديناميكات علاقات الإنتاج – بكلّ إيجابياتها وتناقضاتها – بحيث كانت المحصلة أنْ قوّضَت أوروبا النماء الاقتصادي والاجتماعي لأفريقيا. وعندما يَظنّ البعضُ اليومَ أن هذه الخلاصة بدهية فإننا نعود إلى السياق التاريخي، إذ إنّ سرديات تاريخية مختلفة كانت تتصارع في ذلك الوقت، إحداها هذه التي رافع عنها رودني، لكن كانت هناك سرديات أخرى، ذات حضور وقوة وأكبر، مثل سردية «عبء الرجل الأبيض» التي صوّرت التوسّع الاستعماري الأوروبي مَهمةً حضاريةً أُلقيت على كاهل الرجل الأبيض ليرتفع بشعوب العالم المتخلّفة إلى مراقي مواكبة الحضارة. كانت تلك السردية قوية جداً وقتها لأنها كانت السردية الرسمية للاستعمار الأوروبي، فجرى بذلك تجريعها لطلبة المدارس والمعاهد الاستعمارية لسنوات، ورُسِمت تواريخ الشعوب وفقها، وقد ظلّت قويةً بعد انجلاء الاستعمار المباشر؛ بسبب بقاء الهيمنة «البيضاء» على المشهد العالمي، وبسبب أنّ المؤسسات التعليمية والإعلامية والدولية كانت إجمالاً تتعامل مع هذه السردية باعتبارها منصّة الانطلاق؛ حتى لو سمحت بمساحات للسرديات الأخرى التي تتحدّاها نسبياً أو كلياً – فالسرديات السائدة بقوّة كثيراً ما تكون مطمئنّة لسيادتها بحيث تسمح ببعض التنفيس للسرديات الأخرى لتجنّب الاحتقانات الكبيرة. لكنّ كتاب رودني لم يكن محض تنفيس آخر، إنما أحدث ضجة كبيرة في الأوساط الفكرية داخل القارة وخارجها، وكما هو متوقّع فقد تضمّنت تلك الضجة نقداً وهجوماً مثلما تضمنّت احتفاءً واسعاً.
ورقة نيڤاس وبيكيتي الأخيرة، الملخّصة آنفاً، تُنصِف مرافعة رودني التي سبقتها بخمسة عقود. كذلك تنصف الورقة كتابات أخرى من الفترة ذاتها، مثل كتابات سمير أمين حول جذور التخلف التنموي والاعتمادية في أفريقيا السوداء [5]. وتُنصف أيضاً كتاب نكروما عن النيوكولونيالية. جميع هذه الكتابات، وغيرها، من أفريقيا ومن الجنوب العالمي، دعمت نفس السردية التي تجلّت في ورقة نيڤاس وبيكيتي هذه. لكن تلك الكتابات ظلّت مناط نقاشات وتحديات كبيرة في الأوساط البحثية والسياسية، باعتبار أنّ البراهين التاريخية والبيانات التي كانت متوفرة لم تكن كاملة، لذلك تركت ثغوراً للطعن استغلّها المعارضون. لا يعني ذلك أنّ كتابات هؤلاء كانت مبنيّة على محض تخمينات وإنما على سرديات متماسكة ومتّسقة مع المادة التاريخية والبيانات المتوفرة وقتها. إذن فمِن الإنصاف لورقة نيڤاس وبيكيتي أن نقول إنها إنصاف كبير لتلك الأدبيات الأفريقية والجنوبية السابقة، لكنها ليست فتحاً جديداً أو إبرازاً لسردية لم تكن قائمة سلفاً.
كذلك يمكن أن نقول إنّ في الورقة إنصافاً كبيراً لكتابات من الشمال العالمي ناقدة للنظام الرأسمالي في جذوره، مثل كتابات كارل ماركس ومدرسته، بطبيعة الحال، ومثل كتابات كارل بولاني منذ أربعينيات القرن الماضي، وكتابات فرانسس مور-لابي وأصحاب معهد «الغذاء أولاً» منذ السبعينيات، وآخرين من الذين حاجّوا بأن المجاعات والانحسارات الاقتصادية الكبيرة في الجنوب العالمي إنما هي إجمالاً نتيجة سياسات مختلّة (خارجية وداخلية) وليست في الغالب نتيجة لانحسارات حقيقية في إنتاج الغذاء أو لأسباب «طبيعية».
مضامين تؤكّدها خلاصات البحث
تُبرِز الأدبيات التي انضمّت لها ورقة نيفاس وبيكيتي الأخيرة أنّ النظام الاقتصادي العالمي الراهن مبنيّ على مظالم وظلامات متراكمة، وهي سمات في بنية هذا النظام بحيث تكاد تستعصي معالجتها من داخله، كما يصعب الدفاع عنه من باب المنطق الاقتصادي أو التنموي أو من باب قضايا الحقوق الاجتماعية والتطلّعات المشروعة لشعوب العالم. الأمر الذي يثبت أنّ استمرار هذا النظام كان وما زال متعلقاً بمصالح النخب في استمراره (النخب العالمية أولاً والمحلية ثانياً)، التي صحبها التبرير له بشتى السبل النظرية والإجرائية، مثلما صار أيضاً أوضح هذه الأيام من سابقتها، فدوائر المثقفين وأهل البحوث والأكاديميا لا تخلو من سدنة السلطة. عندما ركّز نعوم تشومسكي على نقد العاملين في مجال الأكاديميا الغربية خَلُص إلى أن الأغلبية منهم، بشتى مجالاتهم، خاضعون ومنصاعون ومروّجون للأوضاع القائمة عموماً، إذ يقتصر طموح تلك الأغلبية على تثبيت وتحسين أوضاعهم الخاصة ضمن تلك الأوضاع العامة. كذلك وصف عيسى شفجي، المفكر التنزاني، أغلبية المتعلّمين والمثقّفين الأفارقة العاملين في مجال المنظمات غير الحكومية في القارّة (وهو مجال واسع أيضاً، يشتمل على أنشطة كثيرة بعضها أكاديمي وبحثي وتدريبي) بأوصاف شبيهة؛ بل لعلّ شفجي يستعمل لغةً أشدّ باعتبار اتهامه لجملة المتعلّمين الأفارقة في تلك الدوائر بأنهم يخدمون أجندة المانحين أكثر من خدمتهم للقضايا المحلية [6].
بَيد أن بعض الحجج التي تتراجع قليلاً أمام هذا الكمّ الهائل من البراهين والفحص المنهجي سرعان ما تحاول درء هذه الأدبيات بمقولة بسيطة: ربما هذه الحجج صحيحة تاريخياً، لكن، على أي حال، كان هذا في الماضي ولا نستطيع تغييره الآن، وهذه التحديات التنموية والإخفاقات التي تتكرّر في مناطق الجنوب العالمي الموبوءة بالفقر والارتباك هي إخفاقات تخصّهم وهم المسؤولون عن أوضاعهم الحالية بالدرجة الأولى. وليس غريباً أنّ عدداً غير قليل من الدارسين لهذه المواضيع يتبنّون هذه المقولة، أو مقولات قريبة لها. نقول إنه ليس غريباً؛ لأن هذه المقولة لا تخلو من جوانب حقّ. فمن الحقّ أنه لا يمكن لأيّ مجموعة من البشر، مهما بلغت المظالم التي لحقت بها، أن ترتفع من ربقة تلك المظالم عبر استجداء فعل خارجي تماماً عنها، فلا بدّ من فعل داخلي قويّ وصميم ومستمر في جميع الأحوال، وهو فعل ينبغي أن يكون مسترشداً بفكر، بطبيعة الحال. لكنْ، رغم وجه الحقّ ذلك، فهذه المقولة سامّة في أصلها، لأنها مع جانب الحقّ الذي فيها تحاول تطفيف حقيقة كبيرة ومحورية: وهي أنّ أوضاع اليوم الظالمة هي امتداد منطقي ومتسلسل لمظالم الأمس، ومن ثمّ فإنّ معالجة أوضاع اليوم تتضمّن بالضرورة مراجعة اختلالات تاريخية لأجل تغيير ما يمكن تغييره الآن كترياق لضررها المستمرّ حتى اليوم.
وورقة نيڤاس وبيكيتي، آنفة الذكر، تساعد في هذا الخط، إذ تنضمّ إلى جملة أدبيات مهمة توضح أنّ كثيراً من المشكلات المستمرّة حتى الآن ذات صلة بمؤسّسات وممارسات معاصرة موروثة من تاريخ علاقات مختلّة. أي أنّ هذه الكتابات البحثية والنقدية ليست محض نقد تاريخي، فالنظام العالمي اليوم يعمل وفق تراكمات ذلك التاريخ ومكتسباته، ويحاول الإبقاء عليها. من أكبر الأدلة على ذلك أنّ برامج الإصلاح الهيكلي التي دفع بها صندوق النقد والبنك الدولي في الثمانينيات والتسعينيات، في أفريقيا، ما زالت آثارها السلبية باقية في تراجع القدرات البشرية المحلّية في أفريقيا بسبب تراجع الإنفاق العام على التعليم والصحة منذ تلك الفترة.
توضح الورقة أن التغيير المعقول في أسعار السلع الأساسية، الذي اقترحه الكاتبان في المحاكاة الافتراضية، كان كفيلاً بأن يغيّر معادلة الثروة والإنتاجية العالمية اليوم تغييراً كاملاً، وبالذات في شأن أفريقيا، لو أنّ قدراً كبيراً من العوائد الجديدة من ذلك الفرق المفترض قد استُثمِر في رأس المال البشري. أي أنّ استمرار الإنفاق العام القوي على التعليم والصحة والبنية التحتية، والبحوث والتطوير، في أفريقيا، كان بمقدوره أن يرفع من إنتاجية المجتمعات الأفريقية كثيراً لو كان مختلفاً عمّا جرى منذ الثمانينيات. وهذه بدورها ليست انتباهة جديدة، فقبل ورقة نيڤاس وبيكيتي هذه نبّهت كتابات أفريقية سابقة، مثل تقرير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا في 1989 الذي طَرح بديلاً أفريقياً لبرامج الإصلاح الهيكلي بقيادة صندوق النقد والبنك الدولي، بعد أن قدّم نقداً قوياً لتلك البرامج، وبرهن على أنها أضرّت وتضرّ بالنماء الأفريقي بدل أن تُعِينه كما زعمت [7] (وجدير بالذكر هنا أنّ أحد المؤلفين الرئيسيين لذلك التقرير كان علي عبد القادر علي، الاقتصادي السوداني الذي ألّف كتاب «من التبعية إلى التبعية: صندوق النقد الدولي والاقتصاد السوداني»، 1990). في نقده ذلك شدّد التقرير على أنّ التراجع في الإنفاق العام على التعليم والصحة وبحوث التطوير التكنولوجي في أفريقيا، في الثمانينيات وبعدها، بسبب برامج الإصلاح الهيكلي، سيكلّف أفريقيا عقوداً في المستقبل بسبب تأخّر قواها الإنتاجية عن قدرة النهوض بالمهام التنموية. وهو ما حدث فعلاً (وضاعفته ظاهرة هجرة العقول). وأشار إلى الأمر ذاته تقرير لجنة الجنوب [8] (التي أنشأتها حركة عدم الانحياز وكان على رأسها نيريري وضمّت 28 خبيراً تنموياً واقتصادياً من شتى بلدان الجنوب العالمي) في 1990، إذ جاء فيه أيضاً استشهادٌ بالارتفاع المؤقّت للقدرات البشرية في أفريقيا بين عقدي الستينيات والسبعينيات ثمّ تراجُعها مرة أخرى في الثمانينيات مع تراجُع الإنفاق العام على التعليم والبحث والتطوير.
تبِعات في مضمار السياسات
تضيف الورقة، عبر خلاصاتها في مضمار السياسات الاقتصادية والتنموية العالمية، إلى تَراكُم موقف فكري مهمّ، وهو أنّ السياسات والقواعد التي تدفع بها المؤسسات المالية الدولية (وبالذات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية) في حاجة إلى مراجعات كبيرة ونقد صارم، وأنّ التعامل مع تلك السياسات والقواعد بحسن النية والانقياد الذي يفترض المعرفة والعلم «المحايدَين» فيها، أصبح سذاجة مكلّفة جداً ولا تغتفر.
قدّمت ورقة نيڤاس وبيكيتي ذخيرة براهين وحججاً أكبر وأكثر للسياسات والقواعد البديلة المطروحة منذ فترة. وينبغي أن تكون هذه الذخيرة مهمة لصنّاع القرار والرأي (من ساسة ومثقفين وأكاديميين وغيرهم)، وبين شعوب الجنوب أكثر من غيرهم؛ ثمّ بالذات من أفريقيا. بعد انجلاء جميع هذه البراهين المتراكمة، يصبح الانخراط في العمل النظري والمُمَارَسي الديناميكي (البراكسس) لإيجاد وتطبيق بدائل للنظام الاقتصادي العالمي الراهن، الداعم للاختلالات والمولّد لها، مسؤوليةً كبيرةً أمام صنّاع القرار والرأي العام، وواجباً أخلاقياً وفكرياً؛ كما يصبح الدفاع عن النظام الراهن، أو محاولات التعايش مع والتملق له، أو توطين مجتمعاتنا على قبوله بحجج مكرّرة، تراجعاً فكرياً وأخلاقياً معاً.
هوامش وإحالات
[1] Gaston Nievas & Thomas Piketty. 2025. ‘Unequal Exchange and North-South Relations: Evidence from Global Trade Flows and the World Balance of Payments 1800-2025’. Working paper 2025/11, World Inequality Lab, Paris School of Economics.
[2] Thomas Piketty. 2014. Capital in the Twenty-first Century. The Belknap Press of Harvard University Press.
[3] César A. Hidalgo. 2021. ‘Economic Complexity Theory and Applications’, Nature Reviews Physics, 3/2: 92–113.
[4] Walter Rodney. 1972. How Europe Underdeveloped Africa. Dar es Salaam: TPH.
[5] Samir Amin. 1972. ‘Underdevelopment and Dependence in Black Africa–Origins and Contemporary Forms.’ The Journal of Modern African Studies, Vol. 10, No. 4, pp. 503-524
[6] قصي همرور، 2025، مراجعات لأدوار المجتمع المدني: من الناشطيّة إلى البراكْسِس، مجلة أتر، العدد 60 (يناير)، صفحات 59-68.
[7] Economic Commission for Africa (UNECA). 1989. African Alternative Framework to Structural Adjustment Programmes for Socio-economic Recovery and Transformation (AAF-SAPs). Addis Ababa.
[8] Nyerere, J. K. & Independent Commission of the South on Development Issues. 1990. The Challenge to the South: The Report of the South Commission. Oxford University Press.



