أتر

حول قضية إزالة مكتبة البلدية بمدينة عطبرة: قلعة معرفية في موسم البرق والطمع

كانت مكتبة البلدية في عطبرة، أو مكتبة عطبرة المركزية، من أبرز ملامح الاستنارة بالمدينة، وقد أسّستها بلدية عطبرة في عام 1954 أو 1955، واتُّخذت استراحة عامة لمن أراد أن يسترخي ويقرأ، ومن ثمّ يعود لمواصلة نشاطه في السوق أو في المكاتب الحكومية المُجاوِرة. لكنّ الزمن لم يكن رحيماً؛ تدهوَر مبنى المكتبة، وقرّرت السُّلطات المحلية هدمه لإعادة بنائه في العام 2018. وتُظهر صور الأقمار الصناعية، أنّ مبنى المكتبة القديم قد هُدم في الفترة ما بين مارس وأبريل 2020، ثم ظهر أساس لمبنى جديد في أرض المكتبة في أكتوبر 2020، ليَبقى الوضع على حاله.

تعثّر المشروع بسبب اختلاف السُّلطات مع المُقاول، وظلَّ الموقع مُهدَّماً وخالياً، ليَتحَوَّل إلى مكبٍّ للنفايات، قبل أن تتضافَرَ جهود أبناء المدينة، لإنقاذ ما تبقّى من المبنى، بحسب ما أخبر حسن أحمد الشيخ، مراسل «أتَـر»، وهو أحد أقدم روّاد المكتبة وسكرتير سابق لنقابة موظّفي السكة الحديد، ويقع مكتبه قبالة المكتبة.

طوال سنوات، تُقاوم أرض المكتبة للبقاء، خاصة أنّ موقعها الاستراتيجي بوسط المدينة قُبالة مبنى بنك السودان المركزي، يُعزِّز مخاوف روّاد المكتبة من أبناء المدينة، من الأطماع الاستثمارية في مدينة نامية كعطبرة، إذ يَعتقدون أنّ إغلاقها وإيقاف نشاطها ما هو إلا تمهيد لتغيير نشاط المكان، وربما بيع الأرض. وتنبع مخاوفهم من حادثة بيع أرض نادي البجراوية الثقافي المُجاوِر للمكتبة إلى بنك أم درمان الوطني، الذي هدَّمَ النادي وأقام مكانه فرعاً للبنك.

يقول الشيخ، إنّ إغلاق المكتبة قد أضرَّ بقطاعٍ عريضٍ من جمهور القراءة والاطّلاع بعطبرة؛ لكنْ بمجهودات مُثقّفي المدينة وروّاد للمكتبة والفنانين التشكيليين، أُعيد تأهيل جزئي لأرض المكتبة والمسرح،  بما يَسمح بقيام نشاط محدود في الأمسيات حتى يشعر الناس بوجود المكتبة، لكنهم فوجئوا بمجيء ممثلين لوزارة الثقافة الولائية في مارس 2025 كسَروا القفل ووضعوا أقفالاً جديدة، وأخذوا المفاتيح وذهبوا. يقول الشيخ مُعلِّقاً: «بهذه البساطة أغلقوا المكان وتركوا رسالة مفادها: (قولوا للناس الهنا يجوا يشيلوا حاجاتهم)، ولم يتحركوا بعدنا لإقامة نشاط مماثل في المكتبة».  

وحاول مراسل «أتَـر» التواصل مع وزارة الثقافة والإعلام بولاية نهر النيل ونائب الوالي مصطفى الشريف، عدة مرات، لكنّ المراسل لم يتلقَّ ردّاً حتى لحظة نشر هذه القصة.

حين قرّر المستعمر البريطاني عام 1906 نقل رئاسة السكة حديد من وادي حلفا إلى عطبرة، لم يكن يعلم أنه يزرع بذرة مدينة ستنمو على إيقاع العجلات وتزهر بالمعرفة. تقاطر إليها العمال والمهندسون من كلّ فجّ سوداني، وانضمّ إليهم الأجانب من مصريين وشوام وإنقليز وهنود، فصهرتهم هذه المدينة في بوتقة واحدة، وصنعت منهم مجتمعاً متنوّعاً، لكنه متماسك، ومنضبط، ومستنير.

نشأت في المدينة المدارس والمراكز الصحية والنوادي الاجتماعية، لكنها لم تكتفِ بذلك، أرادت أن تقرأ، أن تفهم، أن تُنير. فظهرت المكتبات العامة كأنها امتداد طبيعي للقاطرات.

كانت في عطبرة خمس مكتبات عامة وهي: مكتبة الثقافة العربية والإسلامية بالمسجد الكبير، ومكتبة الكنيسة القبطية، ومكتبة مدرسة عطبرة الثانوية، ومكتبة الخدمات الاجتماعية التي تتبع للمركز الثقافي العمالي للسكة حديد، ثم أخيراً مكتبة البلدية. افتُتحت مكتبة السكة الحديد في 1967 في مبنى الكنيسة الأنجليكانية وأغلقت أبوابها في 1980. ونشأت مكتبة الثقافة الإسلامية في خمسينيات القرن العشرين في فناء المسجد الكبير بعطبرة، لكنها أُغلقت لاحقاً، وحُوِّل مبناها إلى مكاتب لهيئة الأوقاف، فانطفأ بذلك أحد المصابيح التي كانت تضيء دروب عطبرة الثقافية. أما مكتبة عطبرة المركزية فهي القلب الذي ظلّ ينبض لعقود. وبعد إغلاق مكتبة المجلس الثقافي البريطاني بعطبرة، ورثت مكتبة البلدية مجموعتها، ولم تكن محض مكان للقراءة، بل كانت فضاءً للوعي، ومسرحاً للأفكار، ومنبراً للثقافة.

المصدر: معلومات استقاها مراسل «أتَـر» من مقابلة أجراها مع د. وهبي عبد الفتاح عبد الرحمن، نائب عميد كلية المكتبات بجامعة وادي النيل ومدير مركز وادي النيل للتوثيق والدراسات الإثنوغرافية.

يقول الشيخ إنّ رواد المكتبة ابتدعوا مخرجاً آخر لإقامة ندواتهم بعد إغلاق المكتبة: «لم نستسلم وأقمنا جلسات سمّيناها جلسة مؤانسة، وتُقام في مكتبي الخاص بالقرب من المكتبة، ونظّمنا فعاليات مختلفة، ولم نتوقف عن النشاط الثقافي رغم الصعاب. وفي الآونة الأخيرة رُفع الحظر عن النشاط الرياضي وانطلق الدوري الممتاز لكرة القدم في الدامر وعطبرة، لكنّ النشاط الثقافي لا يزال شبه محظور في المدينة».

يرى المتعصّبون ضرورة محاربته خاصة في أزمنة الحرب، لأنّ الحرب هي نتيجة طبيعية لانهيار الاستنارة. ليست لدينا مشكلة شخصية مع المسؤولين، لكن لدينا رأي كبير في طريقة إدارة المشهد الثقافي. يرى البعض أنّ أي نشاط ثقافي هو بالضرورة ضد النظام، وهذا فهم قاصر.

وفي سياق البحث عن أبعاد الصّراع الخفّيِّ حول المكتبة، يرى الكاتب عادل سعد يوسف، في حديثه لمراسل «أتَـر»، وهو من أبناء المدينة، أنّ محاربة الفعل الثقافي والاستناري ليس أمراً جديداً: «يرى المتعصّبون ضرورة محاربته خاصة في أزمنة الحرب، لأنّ الحرب هي نتيجة طبيعية لانهيار الاستنارة. ليست لدينا مشكلة شخصية مع المسؤولين، لكن لدينا رأي كبير في طريقة إدارة المشهد الثقافي. يرى البعض أنّ أي نشاط ثقافي هو بالضرورة ضد النظام، وهذا فهم قاصر. نحن نعمل على بناء المفاهيم ومقاربة التاريخ الثقافي السوداني على أمل خلق خطاب لديه جذور ثقافية لتأسيس مجتمعات مدنية. المنظمات الثقافية لا تتبنى خطوطاً سياسية ولا تسعى للصدام مع الدولة، نحن نُعنى بالإنسان السوداني فقط. إنّ عدم استيعاب مؤسسة الدولة لهذا الدَّور هو ما خلق هذه المعركة. أنا لست معك ولا ضدّك، أنا مع المجموع السوداني».

حاولوا تضليلنا بأن هناك جهة عليا وشركة سيادية ستشتري المكان وستحصل على الطابقين الأرضي والأول، وتمنحنا الطوابق الثاني والثالث والرابع؛ تحريّنا لمعرفة الجهة، وعرفنا اسم شركة حكومية قيل لنا إنها المشتري الجديد، لكنّ الشركة نفت ذلك نفياً قاطعاً عندما سألنا مصدراً قيادياً بها.

يعود الشيخ إلى قضية نادي البجراوية مُستشهداً بها على سلوك الجهات الرسمية في الولاية تجاه المؤسسات الثقافية ونشاطها، ليقول: «كان نادي البجراوية يحتوي على معرض تراثي وصالة للتشكيليين تحت وصاية مجلس الثقافة والفنون، ويُشرف عليه الشاعر عمر العوض وهو من أدباء الدامر، وكانت به مقتنيات قديمة من زمن الإنجليز وصور ووثائق. كلّ هذا فُقد عندما بيعت أرض النادي التي تبلغ مساحتها مساحة 1300 متر مربع في عام 2012 بـ 800 ألف جنيه فقط! ومساحة أرض مكتبة البلدية 950 متراً، ولو بيعت حالياً قد يفوق سعرها مليار جنيه. الموقع جاذب خاصةً بعد هجمة المستثمرين على سوق عطبرة بعد الحرب». ويواصل: «حاولوا تضليلنا بأن هناك جهة عليا وشركة سيادية ستشتري المكان وستحصل على الطابقين الأرضي والأول، وتمنحنا الطوابق الثاني والثالث والرابع؛ تحريّنا لمعرفة الجهة، وعرفنا اسم شركة حكومية قيل لنا إنها المشتري الجديد، لكنّ الشركة نفت ذلك نفياً قاطعاً عندما سألنا مصدراً قيادياً بها». يُفسّر الشيخ ذلك بأن السماسرة يُحاولون باجتهاد بيع الموقع والحصول على درع سيادي لتغطية أطماعهم، خاصة مع ارتفاع أسعار الأراضي كثيراً في عطبرة بعد الحرب، فحتى الشوارع الأبعد قليلاً من وسط السوق، كشارع كسلا، وصلت أسعار قطع الأراضي فيها إلى مليارَي جنيه سوداني.

وحول تاريخ المكتبة يقول الشيخ: «كانت لها فرقة موسيقية تصدح في أيام الأعياد للأطفال وللكبار، وتوزّع نشاطها على ميادين عطبرة. وكانت تقام بها معارض الكتاب، منها أشهر معرض للكتاب وقتها (معرض المليون كتاب المتجوّل) الذي كانت تشرف عليه دار جامعة الخرطوم للنشر، وأقيم في ديسمبر 1990 في ستّ مدن سودانية (الخرطوم، والأبيّض، وعطبرة، وسنار، وكسلا، وبورتسودان)، وحازت عطبرة على المركز الثاني من حيث نسبة شراء الكتب وعدد الزوّار. كما كانت مقراً للاحتفالات بالفرق المسرحية والفنية التي تأتي زائرة إلى عطبرة، وكذلك احتفالات عيد الكتاب ويوم القراءة العالمي. في السنوات العشر الأخيرة كانت تُقام بالمكتبة نشاطات وفعاليات لمنتديات مختلفة منها: منتدى الفكر والحوار، ومنتدى الاثنين الثقافي، ومنتدى وهج، ومنتدى شرافة أم المداين». 

هنا تكمن المفارقة: فبينما انتشرت مكتبات البلديات في مدن سودانية عديدة منتصف القرن العشرين، تآكلت أغلبها مع مرور الزمن، وانطفأت أنوارها تباعاً، إلا أنّ مكتبة البلدية أو مكتبة عطبرة المركزية ظلّت الأكثر صموداً، وكانت آخر قلاع المكتبات إذ قاومت الإغلاق طويلاً، وحملت راية الثقافة حتى آخر لحظة.

متحدّثاً لمراسل «أتَـر»، يقول د. وهبي عبد الفتاح عبد الرحمن، نائب عميد كلية المكتبات بجامعة وادي النيل، إنّ بلدية عطبرة هي التي أنشأت المكتبة، على قلّة مواردها، وكانت وقتها تُخصِّصُ ميزانية للثقافة والتنوير والمعرفة، ومن ثم يضيف: «هنا تكمن المفارقة: فبينما انتشرت مكتبات البلديات في مدن سودانية عديدة منتصف القرن العشرين، تآكلت أغلبها مع مرور الزمن، وانطفأت أنوارها تباعاً، إلا أنّ مكتبة البلدية أو مكتبة عطبرة المركزية ظلّت الأكثر صموداً، وكانت آخر قلاع المكتبات إذ قاومت الإغلاق طويلاً، وحملت راية الثقافة حتى آخر لحظة. اليوم، حين نتأمل حال عطبرة، نشعر أن غياب المكتبات ليس غياب جدران، إنما غيابٌ لصوت المدينة. كانت المكتبات مَقاهي فكرية، ومنابر للنقاش، ومصانع للوعي. كانت جزءاً من هوية عطبرة، بقدر ما كانت السكة الحديد جزءاً من جسدها. عطبرة التي عَرفت المكتبات العامة، وجعلت للقراءة أكثر من منبر، تقف اليوم أمام سؤال وجودي: كيف تستعيد مكتباتها؟ الأمر لا يتعلق فقط بإعادة بناء المباني، بل بإحياء الروح التي جعلت من عطبرة مدينة تقرأ كما تكتب، وتفكر كما تصنع، وتُحاور كما تُشيّد».

يقول الشيخ إن لجنة كُوِّنَتْ أخيراً تضمُّ 13 شخصاً من أهل مدينة عطبرة داخل وخارج السودان لإنقاذ المكتبة، تحت مُسمّى (لجنة داعمي مكتبة عطبرة بدول المهجر)، ويُعدِّد من بين أعضائها: «د. يوسف عيدابي، والكاتب مجذوب عيدروس، ود. هشام محمد عباس عميد كلية الاتصالات بجامعة الشارقة، وبروفيسور حسن محمد علي بكمبالا، ونور الدين ساتي، ولم نطلب منهم سوى استخدام نفوذهم وعلاقاتهم للحفاظ على المكتبة».

Scroll to Top