أتر

منتدى أتر الثالث: إعادة التفكير في تشكّل الدولة في أفريقيا

نظّمَ مركز فاكتس للصحافة يوم الثلاثاء الماضي 17 فبراير 2026، منتداه الثالث وعُقد بمبنى مدرسة الدراسات العليا للإعلام والاتصال (GSMC)، بجامعة آغا خان، في العاصمة الكينية نيروبي، بعنوان «إعادة التفكير في تشكّل الدولة في أفريقيا: المليشيات، السلطة، وأزمة السيادة»، ودعا إليه مجموعة من المؤسّسات والفاعلين. كذلك حوى برنامج المنتدى معرضاً فنياً لأعمال مختارة نُشرت في مجلة «أتَـر» للفنانَين عبادة جابر ومحمد عثمان «قاكي»، وعدداً مطبوعاً من المجلة، ومطبوعات أخرى ستُعرض لاحقاً في «دكّان أتَـر» على موقعنا الإلكتروني.

ضمّ المنتدى ثلاثة متحدّثين، من السودان، الكاتب مجدي الجزولي، وهو باحث مُختصّ في الشأن السوداني، يكتب أسبوعياً في مجلة «أتَـر»، وتشمل اهتماماته الاقتصاد السياسي، والتاريخ الفكري، وأحاجي الحبُّوبات. ومن جنوب السودان، مجاك أقوت، وهو باحث في مركز القيادة الأفريقية بكلية الدراسات العامة والعلوم الاجتماعية King’s College London، وتركز اهتماماته البحثية على إدارة المخاطر والحروب غير المتكافئة والاستخبارات والعلاقات المدنية-العسكرية. ومن الصومال، المُحلّل والباحث راشد عبدي، مدير القرن الأفريقي والشرق الأوسط في مركز صحن للبحوث. وحضر كلّ من مجدي الجزولي ومجاك أقوت عبر تطبيق زووم.

أدار المنتدى خالد محمد علي، وهو مُتخصّص في التحول الرقمي وتنمية القطاع الخاص، يركز حالياً على مبادرات التعافي المبكر بقيادة المجتمعات المحلية في السودان. وتناولت وقائع الحوار تجارب السودان وجنوب السودان والصومال في القرن الإفريقي وكشفها عن مفارقاتٍ عميقة بين السيادة الشكّلية، والشرعية الفعلية.

استهلّ الندوة الصحافي عارف الصاوي، مؤسّس ومدير مركز سودان فاكتس، ورئيس تحرير مجلة «أتَـر»، قائلاً: «تهدف الندوة إلى الاحتفاء بالصحافة والدفاع عنها. وبينما يعيش السودان واحدةً من أحلكِ اللحظات في تاريخه الحديث؛ إذ شرَّدت الحرب الملايين، ودَمَّرت المؤسسات، وأَسكتت الأصوات، وزَيَّفت الحقائق، لا تُعدّ الصحافة ترفاً، إنما شريان حياة. والصحافة المستقلّة هي وسيلة المجتمعات لمواجهة محاولات طمس الحقائق، والمنبر الذي يتيح للضحايا الظهور، وأداةَ الذاكرة لمقاومة النسيان، ووسيلة المواطنين لاستعادة حقّهم في المعرفة»؛ مؤكّداً أنّ «سرد القَصص يُعدّ شكلاً من أشكال المقاومة، وأنّ الصحافةَ منفعة عامة لا يجوز اختزالها في كونها سلعةً للنخب أو أداةً للدعاية أو امتيازاً للدول المستقرة». وقال الصاوي: «يعمل العديد من الصحافيين السودانيين اليوم في المنفى أو في ظروف التخفّي، محرومين من الرواتب، والأمان، والحماية. فقَدَ بعضُهم مكاتبهم وزملاءهم ومنازلهم، لكنهم ظلّوا متمسّكين بالتزامهم بالحقيقة. وعليه، يصبح دعم الإعلام المستقلّ ضرورةً، واستثماراً في المُساءلة، والديمقراطية ومستقبل السودان؛ مستقبل تُبنى فيه القرارات على المعلومات والحقائق».

يقول الصاوي إنّ شبكة «أتَـر» قد أُسِّست على مبدأ أساسي: أنّ السودان يستحقّ صحافة تتّسم بالحرية، والأخلاق، والشجاعة، والاستقلالية؛ صحافة مسؤولة أمام الجمهور وحده، لا تتبع لأي حزب سياسي، وغير مموّلة من اقتصادات الحرب، ولا تخنع للمخاوف أو الرقابة.

في وقتٍ تحافظ فيه دول السودان، وجنوب السودان، والصومال على الاعتراف الدولي بحدودها في المحافل الدبلوماسية، تتآكل أسُس سلطتها داخلياً نتيجة تفكّك مؤسّساتها، وعسكرة اقتصادها.

وختم الصاوي حديثه قائلاً: «إنّ دعم الصحافة المستقلة، ودعم الصحفيين السودانيين، ودعم الحقيقة في خضمّ الحرب، هو ضمانٌ لبقاء المجتمع، وهو ما يجعل المستقبل ممكناً عندما ينتصر الحقّ».

من ثمّ ابتدر المُحاور خالد محمد علي، وقائع الندوة قائلاً: «في وقتٍ تحافظ فيه دول السودان، وجنوب السودان، والصومال على الاعتراف الدولي بحدودها في المحافل الدبلوماسية، تتآكل أسُس سلطتها داخلياً نتيجة تفكّك مؤسّساتها، وعسكرة اقتصادها. لا تمثل الميليشيات في هذه الدول مشاريع سياسية بديلة، بقدر ما هِيَ أعراضٌ لانهيار التسوية السياسية والحكم المُختَلط (المدني– العسكري) والإدماج الاقتصادي. ويؤكّد هذا الواقع أنّ السيادة لا تُبنَى بالاعتراف الخارجي فحسب، إنما تُستَمدّ من قبول المواطنين ورضاهم. وتتطلّب إعادة بناء الشرعية: تسويات سياسية شاملة، وإصلاحات أمنية واقتصادية تُقلّل من جاذبية العسكرة، وانخراطاً إقليمياً ودولياً يهدف إلى تعزيز سيادة تتمحور حول المواطن بدلاً عن النظام».

قدّم مجدي الجزولي رؤية نقدية لمستقبل السودان والقرن الأفريقي، معتمداً على قراءة تاريخ الدولة السودانية، مُستعيداً لغة الجبهة المعادية للاستعمار التي نشطت في السودان خلال الأربعينيات والخمسينيات، والتي دعت إلى بناء دولة جديدة مستقلّة عن الإرث الاستعماري؛ موضحاً أنّ الأمل في بناء الدولة معقود بأشكال سياسية جديدة تنبع من الناس أنفسهم، مشيراً إلى أنّ ثورة ديسمبر 2018-2019 كانت مثالاً حياً على هذا الإبداع، حين ابتكر السودانيون أشكالاً تنظيمية لم تكن قائمةً من قبل، خارج منطق الأحزاب التقليدية أو الميليشيات أو علاقات الزبائنية. ورغم أنّ ثورة ديسمبر واجهت ثورة مضادة وهزائم، غير أنّ فكرة ضرورة ابتكار شكل سياسي جديد ترسّخت في الوعي الشعبي، وأنّ هذا الأمل لا يأتي من الحلول الجاهزة أو من المؤسّسات القديمة، موضحاً أنّ السودان شهد دورات متكرّرة من الديمقراطيات والانقلابات، والانتفاضات الشعبية، وحروباً بين الهامش والمركز، إضافةً إلى تجربة تقرير المصير التي أدّت إلى استقلال جنوب السودان. هذه التجربة الطويلة، وما صاحبها من مكتبةٍ ضخمةٍ لاتفاقيات السلام، تُشكّل رصيداً مهماً في كيفية إدارة الأزمات. وأشار إلى أنّ النظام الذي أُسِّس منذ عام 1956 قد وصل إلى نهايته، بما في ذلك دَور الجيش في السياسة، وتنظيم الأحزاب، وعلاقات الزبائنية. وقال: «لقد بلغت هذه المنظومة ذروتها وتحتاج إلى إعادة ابتكار». مُشدّداً على أنّ الأمل لا ينبع من النظريات أو النماذج الجامدة، إنما من الممارسة اليومية للشعب؛ بدءاً من عودة الناس بعد حرب 15 أبريل، مروراً بإعادة تشغيل الكهرباء، والزراعة، والإعمار. هذه الأفعال الصغيرة هي التي تصنع المستقبل.

وقال مجاك أقوت، إنّ أزمة الدولة في السودان متجذّرة، وذات بُعدٍ تاريخي. موضحاً أنّ الجيش السوداني أُسِّس عام 1925، قبل تشكّل الدولة نفسها، ونشأ من رحم الجيش المصري بعقيدة تخدم المصالح البريطانية. هذا الوضع أوجد خللاً وتساؤلاً جوهرياً: هل نواجه دولة لها جيش، أم جيشاً يملك دولة؟ ومن هنا، نشأت لدى بعض الضبّاط قناعة بأنهم أصحاب البلاد، لأنّ المؤسسة العسكرية سبقت الدولة. قبل الاستقلال، تدخّل الجيش في السياسة مرّتين: ثورة 1924 بقيادة علي عبد اللطيف، وتمرُّد الكتيبة الجنوبية في توريت عام 1956. ومنذ ذلك الحين، دخل السودان في دوامة الانقلابات والحروب الأهلية والتمرّد. هذا النمط جعل من الطبيعي أنْ تتطوّر استجابة الدولة نحو ما نسمّيه اليوم «مكافحة التمرّد»، الأمر الذي عمّق الأزمة بدلاً عن حلّها. لكن يجب أن نتذكر أنّ «التدخّلات الخارجية ليست جديدة؛ فجميع الحروب الأهلية في القرن الإفريقي كانت ذات أبعاد عابرة للحدود. ما قد يكون جديداً هو مستوى وشدة التدخّل، كما نشهده اليوم في السودان بانخراط قوى إقليمية مثل الإمارات». ومع ذلك، فإنّ الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر والخليج، لم تتغيّر كثيراً عبر التاريخ؛ فقد كانت الإمبراطورية العثمانية موجودة هنا، واليوم تُعيد قوى مثل تركيا ومصر وغيرها إنتاج نفوذها.

لا ينبع الأمل من النظريات أو النماذج الجامدة، إنما من الممارسة اليومية للشعب؛ بدءاً من عودة الناس بعد حرب 15 أبريل، مروراً بإعادة تشغيل الكهرباء، والزراعة، والإعمار. هذه الأفعال الصغيرة هي التي تصنع المستقبل.

وقال راشد عبدي، إنه يجب أنّ نتعامل بحذر مع مفهوم الدولة القومية في إفريقيا؛ فالنموذج الذي ورثناه عن أوروبا، أيْ نموذج الدولة الوستفالية، لا يتوافق مع واقعنا. فالحدود التي رسمها الاستعمار كانت محض خطوط على الورق لم تعكس التركيبة المجتمعية الحقيقية، الأمر الذي أدى إلى أزمات مستمرة في بناء الدولة والأمة. في إفريقيا، يتوزع الناس بين رؤيتين: فئة ترى القارة كلّها وطناً واحداً، كالبدو والرعاة الذين يتنقّلون بين غربها وشرقها مُتجاهلين الحدود التي فرضتها الدول الحديثة. وفي المقابل، هناك فئة النخب التي تتمسّك بهذه الحدود وتعتبرها مقدّسة غير قابلة للّمس. هذا التباين في النظرة بين المواطنين يُولّد توترات دائمة، إذ يحاول الجميع فهم الإرث الاستعماري.

ويضيف أن التجارب التي طُبقت، مثل الفيدرالية أو اللامركزية في الصومال وإثيوبيا، لم تُنهِ الصراع، بل غذّت التفكك في بعض الأحيان. «لذلك، يجب أن ندرك أنّ أزمة الدولة ليست خاصة بإفريقيا وحدها، بل هي أزمة عالمية؛ حتى الدول الأوروبية التي نشأت بعد معاهدة وستفاليا لم تصل إلى الاستقرار التام، والدليل هو استمرار الحروب هناك».

في مداخلةٍ، دعا الدبلوماسي نور الدين ساتي إلى إعادة التفكير في مفاهيم السيادة والديمقراطية ضمن سياق عالمي جديد يتجاوز الأطر التقليدية، مؤكّداً على أهمية تأسيس «صيغة جديدة» للعلاقات الداخلية في المجتمع والدولة، وذلك استعداداً لمواجهة التحديات القادمة.

أخيراً، إنّ أزمة الدولة في القرن الأفريقي ليست مقتصرةً على الشأن الأفريقي فحسب، إنما هي جزء من أزمة عالمية تتعلّق بمفهوم السيادة والنظام الدولي. ومع ذلك، فإنّ الأمل في المستقبل ينبع من قدرة الشعوب على تجديد شرعيّتها داخلياً، ومن جهود القيادات في مواجهة التدخّلات الخارجية. المستقبل لن يتشكّل بالنظريات وحدها، بل بالإجراءات اليومية للمُواطنين الذين يُعيدون بناء حياتهم رغم ويلات الحروب.

Scroll to Top