أتر

دفتر أحوال السودان 112: من المالحة والنهود

المالحة: تصاعُد الإصابات بحمّيات مجهولة

مراسل أتر

أعلن مجلس تنسيق غرف طوارئ محلية المالحة بولاية شمال دارفور، انتشار حمّيات مجهولة، مُطلِقاً نداءَ استغاثة. وقال في بيان، إنّ عدد المتردّدين على المراكز الصحية خلال الأسبوع الثاني من فبراير الجاري، بلغ ألف حالة، مع توقّعات بتجاوز عدد الإصابات للأرقام الحالية في الأيام القليلة المُقبلة.

وكشف مصدر طبي بمركز صحي «عين بسارو» بالمالحة لمراسل «أتَـر»، أنّ المركز سجّل بين أيام 15، و16، و17 فبراير الجاري، أكثر من 500 حالة إصابة بحميات مجهولة، مُشيراً إلى أن معدل التردُّد اليومي على المركز ما بين 40 و50 حالة، منذ بدء رصد الحالات في 9 فبراير الجاري. وأضاف المصدر الذي فضّل حجب اسمه، أن الأوضاع التي يعايشها المرضى في المركز مأساوية، إذ تبلغ سعة المركز 22 سريراً فقط، بينما رقد مستشفياً بالمركز، حتى مساء الثلاثاء الماضي أكثر من 500 مريض، ما اضطر إدارة المركز لأن تطلب من المرضى ومرافقيهم إحضار أسرَّة من منازلهم. ونوّه المصدر إلى أن المركز به طبيب عمومي واحد، إضافة إلى ثلاثة من الممرضين، ما دفع إدارته للاستعانة بثلاث شابات، كن يَدرسن التمريض بجامعة الفاشر، وقطعت الحرب دراستهن.

ويُعاني المركز من نقص كبير في المحاليل الوريدية وأدوية الملاريا وحمى الضنك. وقال المصدر إنهم تقدّموا بطلب أدوية ومعينات طبية، للوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية، التي أسستها قوات الدعم السريع، لكن «بدلاً من دعمنا بدواء، حضر وفد من الوكالة، وأبلغونا بإحضار معينات طبية وأدوية بعد 15 يوماً، محذّرين من التحدث لأي وسيلة إعلامية أو غرف الطوارئ، مُضيفين أن هذا أمر سيادي يخص وزارة الصحة بحكومة تأسيس، وأنها ستُعالج الأمر وفق رؤيتها وستتصّل بالمنظمات الدولية بطريقتها الخاصة».

وفي مارس الماضي، اجتاحت قوات الدعم السريع مدينة المالحة، بعد معارك ضارية ضدّ القوات المشتركة والجيش السوداني أسفرت عن خسائر بشرية ومادية فادحة.

وبحسب تقرير مجلس تنسيق غرف طوارئ المالحة، فقد أفاد الأطباء والكوادر الطبية العاملة، بوجود نمط وبائي «استثنائي»، بحميات تشمل أعراضها «حمى شديدة جداً، وآلاماً عظمية ومفصلية حادة، وإعياءً عاماً، ونزلاتٍ معوية». وجاء في التقرير أن الأعراض تتطابق مع حمى الضنك، وأثبتت الفحوصات الأولية انتشاراً واسعاً للملاريا.

وتشهد المراكز الصحية الريفية بمناطق المالحة، وكنانة، وماريقا، وعين بسارو، وأدرور، موجات وبائية غير مسبوقة، وتُعاني من ازدحام يفوق طاقة أسرّتها وكوادرها، مع نفاد المخزون الدوائي المُخصّص للطوارئ. وذكر مُبادر بغرفة طوارئ المالحة لمراسل «أتَـر»، أن أكثر الإصابات في مركز «ماريقا» الصحي، كاشفاً أنّ المركز شأنه شأن المراكز الأخرى بالمحلية، مُصمَّم ليقدم خدماته لما بين 15 و20 مريضاً في اليوم، لكن بات يقصده ما بين 50 و60 مريضاً في اليوم، مُنوِّهاً إلى أنّ المحلية تحتاج إلى شحنات كبيرة من الأدوية والمحاليل الوريدية وأجهزة فحص على نحو عاجل، وطالب المُنظّمات الدولية بسرعة التدخل لإنقاذ الناس الذين يموتون بالعشرات يومياً في المحلية بسبب الأوبئة، على حدِّ قوله.

وحذّر طبيب بأحد المراكز الصحية من الضغط الكبير عليها، وطالب بإنشاء مراكز حجز مؤقتة في القرى ومناطق الرعي، حتى تستوعب الأعداد الكبيرة من المرضى، وقال: «تركيز المراكز الآن على علاج مرضى الحُمّيات الجديدة، يجعل الاهتمام يَنصرِفُ عن مرضى الأمراض المزمنة والنساء الحوامل والأطفال صغار السن»، وطالب بضرورة الانتباه لهذا الأمر.

وقال مصدر بمجلس طوارئ غرف المالحة، إنهم بدأوا رصد أعداد الحالات مطلع هذا الأسبوع، وقد أحصوا حتى وقت حديثه لـ«أتَـر» 2200 حالة، وأضاف: «حتى الآن لم نكمل الحصر بنحو كامل، لكننا نتوقّع أن يتجاوز الرقم حاجز الثلاثة آلاف إصابة». ويتوقّع المصدر تزايد الإصابات نسبة لتردّي الوضع البيئي، إضافة إلى شحّ الأدوية والمعينات الطبية، مضيفاً أنّ الناس يلجأون لاستخدام طرق تقليدية للعلاج، وصفها بأنها قليلة الفاعلية والجدوى.

وترتفع أسعار الأدوية والمحاليل الوريدية في المالحة على نحو بالغ. وأخبر أحد مُرافقي المرضى بمركز صحي «أدرور» الريفي بالمالحة مراسل «أتَـر»، أنه يشتري يومياً محاليل وريدية بمبلغ 200 ألف جنيه، إذ يبلغ سعر الدرب الواحد «56» ألف جنيه في حال توافره، بينما يُباع الشريط الواحد من علاج الملاريا بـ«20» ألف جنيه، والحقن بـ«45» ألف جنيه.

وقال المرافق لمراسل «أتَـر»، إنه يَرقد منذ ثلاثة أيام مع أحد أفراد أسرته بالمركز، ولم يحصل بعدُ على سرير للمريض، ما اضطرّه لشراء جوالات فارغة و«حصيرة» مهترئة، وأنّ الطبيب يزورهم في اليوم مرة، نسبة لكثرة المرضى وقلة الكوادر الطبية. كما أكد المرافق أن الأدوية تأتي من دولة ليبيا، وأن الناس ينتظرونها خارج محلية المالحة، مُشيراً إلى أن جزءاً كبيراً منها تالف، بسبب سوء التخزين أو التعرّض المباشر لأشعة الشمس، ومع ذلك فإن الحصول عليها صعب، وقال: «نحاول إرضاء أنفسنا بها ونعرف أنها أحياناً تضر أكثر مما تنفع».

ورجّح مصدر طبي بوزارة الصحة بولاية شمال دارفور (التابعة للحكومة السودانية)، تزايد أعداد الإصابات بنحوٍ كبيرٍ في محليّة المالحة، مؤكّداً أنّ المحلية تَشهد منذ فترة طويلة أزمة حادة في مياه الشرب، بسبب انعدام الوقود في محطات المياه مع توقف بعضها بسبب الأعطال، ما ألجأ السكان لمصادر مياه غير نظيفة.

وقال المدير الطبي لأحد المراكز الصحية بالمالحة لمراسل «أتَـر»: «نتوقع نوع المرض من خلال الأعراض، ونكتب الدواء للمريض، لكن صيدلية المركز فارغة من أي نوع دواء»، ونصَح بالإكثار من تناول المياه.

النهود: كيف تبدو الحياة اليومية فيها؟

مراسل أتر

يصف حافظ إدريس، اسم مستعار لدواع أمنية، ويقطن مدينة النهود، لمراسل «أتَـر»، الأوضاع في المدينة الواقعة بولاية غرب كردفان، بالهشاشة الأمنية حيث تتعرّض منازل المدنيين لعمليات نهب من أفراد الدعم السريع واللصوص في آن واحد، كاشفاً أنّ وجود السكان داخل المدينة بات محدوداً، وأن كثيرين آثروا النزوح إلى مناطق أكثر أمناً، ما جعلها شبه خالية خاصة عند حلول الليل.

ومنذ مايو 2025، تُسيطر قوات الدعم السريع على مدينة النهود. ورغم انحسار العمليات العسكرية عنها في الآونة الأخيرة، إلا أنّ الهدوء النسبيّ لم ينعكس على نحو مُباشر على أوضاع المدنيّين المعيشية والأمنية، حيث لا تزال المناطق الواقعة على أطراف المدينة تشهد حوادث نهب وانتهاكات مُتفرّقة.

وقالت غرفة طوارئ النهود المركزية في بيان لها، إنّ مناطق ريفي المدينة تعرّضت لعميات إفقار ممنهج ونهب مسلح، مُتَّهمةً مجموعات مسلحة تتبع لقوات الدعم السريع بتنفيذها، وحمّلت الإدارة المدنية المُعيّنة من قبل تحالف تأسيس المسؤولية الكاملة عما يحدث للأهالي في المنطقة من انتهاكات واعتداءات متكررة.

وأفاد مصدر من الإدارة المدنية التابعة لتحالف تأسيس، فضّل عدم ذكر اسمه، أنّ الوضع الأمني داخل المدينة أكثر استقراراً، موضحاً أنّ حالات الانفلات والسرقات تراجعت بنحوٍ ملحوظٍ خلال الفترات الأخيرة، وقال إنه بإمكان المواطنين فتح بلاغات قانونية حتى ضد أفراد من قوات الدعم السريع في حال وجود قضايا، مؤكداً عدم تسجيل تفلت أمني كبير منذ نحو شهر مضى، فضلاً عن عودة الحركة إلى الطريق الغربي جزئياً. ويقول المصدر الحكومي، إنّ عودة الحركة بالطريق الغربي، أسهمت في إدخال بعض السلع، وإنْ ظلت أسعارها مرتفعة مقارنة بما مضى، مشيراً إلى أن السكان يعتمدون في تسوقهم على أسواق خارج المدينة، في ظل ضعف الإمدادات المحلية.

لكن يرسم إدريس صورة قاتمة لحركة الأسواق في المدينة، إذ يقول إن النشاط التجاري شبه متوقف بسبب غياب السيولة النقدية، وتقتصر السلع المُتوافرة على أصناف محدودة لا تكفي لإعالة قرية، فضلاً عن تلاشي مظاهر التجارة التقليدية، إذ إن حركة المدنيين نفسها حذرة، خشية التعرض للمضايقات وحتى السرقات.

وتكتسب مدينة النهود أهمية استراتيجية، لكونها مركزاً تجارياً وزراعياً حيوياً يربط بين إقليمي كردفان ودارفور عبر طريق الصادرات القومي، وتُعَدُّ من أبرز مناطق إنتاج الصمغ العربي والمحاصيل النقدية مثل الفول السوداني، لكن تراجع دورها الاقتصادي على نحو ملحوظ، منذ سقوطها بيد الدعم السريع وتوقف سوق محصولاتها.

عاد مستشفيان للعمل بالنهود مؤخراً، على الرغم من النقص الكبير في الكوادر الطبية. ويقول مصدر محلي لمراسل «أتَـر»، إن الخدمات الطبية بالمدينة شبه غائبة، وما يقدّم منها يظل محدوداً، ولا يُلبّي احتياجات السكان، لافتاً إلى معاناة المرضى من المدنيين في الحصول على العلاج، خاصة في الحالات الطارئة، عازياً ذلك إلى نقص الكوادر المؤهلة والأدوية الأساسية.

Scroll to Top