أتر

تذكرة: دومة ود حامد، الطيب صالح (1929 – 2009)

تمرّ علينا هذه الأيام، الذكرى السابعة عشرة لرحيل أديبنا العظيم الطيب صالح، وسماء السودان ما عادت صافيةً وقد حجبتها سنواتٌ ثلاثٌ حربية بزوابع وتوابع ما زالت تتناسل. ننشر ههنا قصّته «دومة ود حامد» لعلنا نجد في استدعائها وتأمّلها في هذا العدد ما قد «يهدّي السر»، كما يُقال في التعبير الشعبي، أو ما يَهدينا إلى سواء السبيل. هذه تحية إلى روحه.

لو جئتَ بلدَنا سائحاً، فأغلبُ الظنِّ يا بُنيّ، أنّك لن تمكث فيها طويلاً. تجيئنا شتاءً، وقتَ لقاحِ النخل، فتَرَى سحابةً داكنةً ربضت على البلد. ليس هذا يا بنيّ غباراً، ولا هو بالضباب الذي يَثور بعد وقوع المطر. هذا سربٌ واحدٌ من أسراب «النِّمِتِّة»، التي تَربط على الداخلين إلينا أفواه الطرق. لعلَّك رأيتَ هذه الآفَّة من قبل. لكنّ هذا النوع منها أحلفُ أنّكَ ما رأيتَه قطّ. هاك يا بني هذه الشبكة من «التلِّ» فضعها على رأسك. إنها لن تَقيكَ هذه الشياطين، ولكنها تُقوِّيك على احتمالهم. أذكر صاحباً لابني يُزامله في المدرسة، استضافه عندنا قبلَ عام، في مثل هذا الوقت. أهلُه من البندر، بات عندنا ليلةً وأصبح مُتورِّم الوجه محموماً مزكوماً. وحَلَف لا يبيت ليلة أخرى عندنا.

وتجيئنا صيفاً، فتجد عندنا ذباب البقر – ذباب كحملان الخريف، كما نقول بلهجتنا. ومن هذا البلاء أهون عليك «النِّمتِّة» ألف مرة. إنه يا بنيّ ذباب مُتمرِّس، يعضُّ ويلسعُ ويطنُّ ويزن، وعنده حُبٌّ عظيم لبني آدم، إذا شمَّ رائحتهم لازَمَهم مُلازمةً. هُشَّ عنكَ يا بني – قاتل الله «النِّمتِّة».

وتجيئنا في وقت ليس صيفاً ولا شتاءً فلا تجد شيئاً. أنتَ ولا شكّ يا بني تقرأ الجرائد كلّ يوم، وتسمع الإذاعات وتزور السينما مرة أو مرتين في الأسبوع، وإذا مرضتَ فمن حقِّكَ أن تُعالَج في المستشفى، وإذا كان لك ابن فمن حقّه أن يتعلم في المدرسة. أنا أعرف يا بنيّ أنك تكره الطرقات المُظلمة، وتُحِبُّ أن ترى ضوء الكهرباء يتوهّج ليلاً. وأنت لستَ شغوفاً بالمشي، وركوب الحمير يُحدِث ندوباً في مقعدك. يا ليت يا بنيّ يا ليت… الطرقات المرصوفة في المدن، المواصلات الحديثة، العربات الجميلة المريحة… ليس عندنا من كلّ هذا شيء… نحن قوم نعيش على السَّتر.

سترحل عن بلدنا غداً، وأنا واثقٌ من ذلك، وحسناً تفعل، مالكَ ولهذا العناء؟ نحن قومٌ جلودنا ثخينة، ليست كجلود الناس. لقد اعتدنا هذه الحياة الخشنة، بل نحن في الواقع نُحبُّها، لكننا لا نطلب من أحدٍ أن يجشّم نفسه مشقّة الحياة عندنا. سترحل في غدٍ يا بنيّ – إني أعلم ذلك – ولكن قبل أن ترحل دعني أريك شيئاً واحداً قل إننا نعتزّ به. عندكم في المدن المتاحف – أماكن تحفظ تاريخ القطر والأجيال السالفة. هذا الذي أحبّ أن أريكه، قل إنه متحف. شيء واحد نُصِرُّ أن يراه زوّارنا.

مرةً جاءنا واعظ أرسلته إلينا الحكومة ليقيم عندنا شهراً. وحلّ علينا في موسم لم يرَ ذباب البقر أسمنَ منه في ذلك الموسم. تورَّم وجه الرجل في اليوم الأول. وتصبَّر وصلَّى بنا صلاة العشاء في الليلة الثانية، وحدَّثَنا بعد الصلاة عن مباهج الحياة في الفِطرة. وفي اليوم الثالث أصابته حمّى الملاريا، وأصابته الدسنتاريا وانسدّت عيناه تماماً. زُرتُه في عصر ذلك اليوم، فوجدتُه طريح الفراش. يقفُ على رأسه غلام يهشُّ الذباب، قلت له: «يا شيخ، ليس في بلدنا شيء نريكه، ولكنني أحبّ أن ترى دومة ود حامد». لم يسألني ما دومة ودحامد – وإن كنتُ أرجِّح أنه سمع بأمرها، فمن ذا الذي لم يسمع بها؟ – ولكنه رفع إليَّ وجهاً كأنه رئة بقرة ذبيح، وكانت عيناه كما قلت لك مُغلقتَيْن، ولكنني كنتُ أعلم أن وراء أهدابهما مرارة، وقال لي:

«والله لو كانت دومتكم هذه دومة الجندل، وكنتم المسلمين تُقاتلون مع علي ومعاوية، وكنت أنا حَكَماً بينكم في يديّ هاتين مصائركم ما تحرَّكتُ من مكاني هذا شبراً». وبصَقَ على الأرض كأنه يشتمني، وأشاح عني بوجهه. وسمعنا بعدها أن الشيخ أرسل برقية إلى مُرسليه يقول لهم فيها:

«ذباب البقر أكَلَ رقبتي، والملاريا خرقت جلدي، والدسنتاريا غرست أسنانها في أحشائي. أقيلوا عثرتي يرحمكم الله. هؤلاء قوم لا حاجة لهم بي ولا بوعظ غيري». ورحل الرجل ولم ترسل لنا الحكومة واعظاً بعده. لكن قريتنا يا بُنيَّ شهدت والله رجالاً كباراً ذوي حوْلٍ وطوْلٍ وأسماء في البلد مثل الطبول، وما ظنَنَّا يوماً مُجرَّد ظن أنهم سيأتون إلى هنا – جاءوا والله أفواجاً أفواجاً.

ها قد وصلنا.. تصبَّر يا بُني – ما هي إلا ساعة وتهبّ نسمة العصر، فتُخفِّف من تكالب هذه الآفة على وجهك. ها هي ذي.. دومة ود حامد. انظر إليها شامخة برأسها إلى السماء. انظر إليها ضاربة بعروقها في الأرض. انظر إلى جذعها المكتنز الممتلئ كقامة المرأة البدينة، وإلى الجريد في أعلاها كأنه عُرْف المهرة الجامحة. حين تميلُ الشّمسُ وقتَ العصر، تُرسل الدومة ظلّها في هذه الربوة العالية عبر النهر، ويستظلُّ به الجالس على الضفّة الأخرى. وحين تصعدُ الشمس وقت الضحى، يمتدُّ ظلُّ الدومة فوق الأرض المزروعة والبيوت حتى يصل إلى المقبرة. أتراها عُقاباً خرافياً باسطاً على البلد بكلّ ما فيها؟ قرّرت الحكومة مرّة قَطْعها عندما أرادوا أن ينظّموا مشروعاً زراعياً، وقالوا إنّ موضع الدومة هذا هو خير موضع لإقامة مكنة الماء. أهل بلدنا – كما تراهم – مُنصرفون كلّ إلى همِّ يومه، ولا أذكر أنهم ثاروا على شيء قط. ولكنَّهم لمَّا سمعوا بأمر قطع الدومة، هبُّوا عن آخرهم هبَّة رجل، وسدُّوا على مُفتّش المركز السبل. كان ذلك في عهد الحكم الأجنبي. أعانهم الذباب أيضاً، ذباب البقر. وعلا اللغط من حول الرجل يقولون له إذا قطعتم الدومة، فإننا سنحارب الحكومة حتى نموت عن آخرنا. وفَعَل الذباب فِعْله في وجه الرجل. فشتَّت أوراقه في الماء وسمعناه يصيح: «خـلاص… في دومة… مافيش مشروع». ولم تأتِ مكنة ماء ولم يأتِ مشروع… ولكن بقيت لنا دومتنا.

هيا يا بنيّ إلى البيت فليس هذا وقت الحديث خارج البيوت، هذا الوقت قبل المغيب بقليل، وقت يتَّسع فيه نشاط جيش «النِّمتّة» قبل أن ينام. وفي هذا الوقت لا يقوى على لسعه إلا من عاشره عشْرة طويلة، وثخن جلده مثلنا. انظر إليها يا بنيّ – إلى الدومة – شامخة آنفة مُتكبّرة، كأنها صنمٌ قديم. أينما كنتَ في هذه البلدة تراها.. بل إنك لتراها وأنت في رابع بلدة من هنا.

سترحل عن بلدنا غداً، ما في ذلك شكّ، هذي آثار الجولة الصغيرة التي قُمنا بها بادية على وجهك ورقبتك ويديك أيضاً. لكن قبل أن ترحل سأُتِمُّ لك قصة الدومة، دومة ود حامد. تفضّل يا بني. البيت بيتك.

تقول مَن زرع الدومة؟

ما مِن أحدٍ زرعها يا بنيّ. وهل الأرض التي نبتت فيها أرض زراعية؟ ألم ترَ أنها حجريَّةٌ مسطّحةٌ مُرتفعةٌ ارتفاعاً بيّناً على ضفة النهر، كأنها قاعدة تمثال، والنهر يتلوَّى تحتها كأنه ثعبانٌ مُقدَّس من آلهة المصريين القديمة. لا يا بنيّ، ما مِن أحدٍ زَرَعها. اشرب الشاي يا بنيّ، فأنت مُحتاجٌ إليه بعد المِحنة التي تعرَّضتَ لها… أغلب الظن أنها نمَتْ وحدها. ولكن ما من أحدٍ يذكر أنه رآها على غير حالتها التي رأيتها عليها الآن. أبناؤنا فتحوا أعينهم فوجدوها تُشرِفُ على البلد. ونحن حين ترتدُّ بنا ذكريات الطفولة إلى الوراء، إلى ذلك الحدِّ الفاصل الذي لا نذكر بعده شيئاً، نجد دومة عملاقة تقف على شطّ عقولنا، كلّ ما بعده طلاسم، فكأنها الحدّ بين الليل والنهار.

كأنها ذلك الضوء الباهت الذي ليس بالفجر، ولكنَّه يَسبقُ طلوعَ الفجر. أتراك يا بني تُتابع ما أقول؟ هل تلمس هذا الشعور الذي أحسّه في ذهني ولا أقوى على التعبير عنه؟ كلُّ جيلٍ يجد الدومة كأنها وُلِدَتْ مع مولده ونمَت معه. اجلس إلى أهل هذا البلد واستمع إليهم يقصّون أحلامهم، يصحو الرجل من نومه فيقصّ على جاره أنه رأى نفسه في أرض رملية واسعة رملها أبيض كلجين الفضّة. مشى فيها فكانت رجلاه تغوصان فيقتلعهما بصعوبة. ومشى ومشى حتى لحقه الظمأ وبلغ منه الجوع، والرمل لا ينتهي عند حدّ. ثم صعد تلّاً، فلما بلغ قمّته رأى غابة كثة من الدوم في وسطها دومة – دومة طويلة، بقية الدوم بالنسبة إليها كقطيع الماعز بينهن بعير. وانحدر الرجل من التلّ وبعدها وجد كأن الأرض تُطوى له. فما هي إلا خطوة وخطوة وخطوة، حتى وجد نفسه تحت دومة ودحامد. ووجد إناءً فيه لبنٌ رغوتُه معقودةٌ عليه كأنه حُلِبَ لساعته، فشربَ منه حتى ارتوى ولم ينقص منه شيء. فيقول له: «أبشر بالفرج بعد الشدة».

وتسمع المرأة منهن تحكي لصاحبتها: «كأنني في مركب سائر في مضيق في البحر، فإذا مدَدَتُ يدي مسَستُ الشاطئ من كلا الجانبين. وكنتُ أرى نفسي على قمَّة موجة هوجاء تحملني حتى أكاد أمس السحاب، ثم تهوي بي في قاع سحيق مُظلم، فخفتُ وأخذتُ أصرخ وكأنّ صوتي قد انحبس في حلقي. وفجأةً وجدتُ مجرى النيل يتّسع قليلاً. ونظرتُ فإذا على الشاطئين شجرٌ أسودُ خالٍ من الورق له شوك ذو رؤوس كأنها رؤوس الصقور. ورأيت الشاطئين ينسدّان علي، وهذا الشجر كأنه يمشي نحوي، فتملّكني الذعر، وصحتُ بأعلى صوتي: «يا ود حامد». ونظرتُ فإذا رجل صبوح الوجه له لحية بيضاء غزيرة قد غطّت صدره، رداؤه أبيض ناصع، وفي يده سبحة من الكهرمان. فوضع يده على جبهتي قائلاً: «لا تخافي». فهدأ روعي. ونظرت فإذا الشاطئ مُتّسعٌ والماء يسيل هادئاً ونظرتُ إلى يميني، فإذا حقولُ قمحٍ ناضجة، وسَواقٍ دائرة وبقر يرعى. ورأيتُ على الشاطئ دومة ود حامد. ووقف القارب تحت الدومة. وخرج منه الرجل قبلي، فربط القارب ومدّ لي يده فأخرجني. ثمّ ضربني برفق على كتفي، والتقط من الأرض دومة وضعها في يدي. والتفتُّ إليه فلم أجده». وتقول لها صاحبتها: «هذا ود حامد… تمرضين مرضاً تُشرفين منه على الموت. لكنك تشفين منه. تلزمك الكرامة لود حامد تحت الدومة».

وهكذا يا بنيّ. ما من رجل أو امرأة، طفل أو شيخ، يحلم في ليلة إلا ويرى دومة ود حامد في موضع من حلمه.

تسألني لِمَ سُمّيت بدومة ود حامد؟ صبراً يا بني.. هاك كوباً آخر من الشاي.

في أوّل العهد الوطني جاءنا موظّف في الحكومة، وقال لنا إنّ الحكومة تنوي أن تُنشئ محطة تقف عندها الباخرة. وقال لنا إنّ الحكومة الوطنية تُحِبُّ أن تساعدنا وتُطوِّرَنا، وكان مُتحمّساً يتحدَّث ووجهه مُتهلِّل. ونظر فإذا الوجوه التي حوله لا تستجيب لشيء مما يقول. نحن يا بنيّ لا نسافر كثيراً، ولكننا إذا أردنا السفر لأمر مهمّ – كتسجيل أرض، أو النظر في قضية طلاق – فإننا نركب حميرنا ضحىً كاملاً، ثم نأخذ الباخرة من المحطة في البلدة المجاورة. لقد اعتِدْنا يا بنيَّ على ذلك، بل نحن من أجل هذا نريد الحمير. فلا غرو أن الموظف لم يجد على وجوه القوم ما يدلّ على أنهم سعدوا للنبأ.

وفتر حماس الموظّف وأُسقِط في يده، وتلعثم في كلامه. وبعد فترة من الصمت سأله أحدهم: «أين تكون المحطة؟». وقال الموظّف: إنه لا يوجد غير مكان واحد يصلح للمحطة – عند الدومة. ولو أنك في تلك اللحظة جئتَ بامرأةٍ وأوقفتها عاريةً كما ولدتْها أمُّها وسط أولئك الرجال، لما أثرتَ دهشتهم أكثر مما فَعَلَتْ تلك الجملة. سارع أحدهم وقال للموظف: «الباخرة تمرّ عادة هنا يوم الأربعاء، فإذا عملتم محطة هنا فإنها ستقف عندنا عصر الأربعاء»، فقال الموظف إنّ الموعد الذي سيحدَّد لوقوف الباخرة في محطتهم سيكون في الرابعة بعد الظهر من يوم الأربعاء. فردّ عليه الرجل: «لكن هذا هو الوقت الذي نزور فيه ضريح ود حامد عند الدومة. ونأخذ نساءنا وأطفالنا، ونذبح نذورنا – نفعل ذلك كلّ أسبوع». فردّ الموظف ضاحكاً: «إذاً غيّروا يوم الزيارة». ولو أنّ ذلك الموظف قال لأولئك الرجال في تلك اللحظة إنّ كلاً منهم ابن حرام لما أغضبهم كما أغضبَتْهم عبارتُه تلك. فهبّوا لتوِّهم هبَّة رجلٍ واحد، وعصفوا بالرجل وكادوا يفتكون به، لولا أني تدخّلتُ فانتزعته من براثنهم، وأركبته حماراً وقلتُ له انجُ بنفسك. وهكذا ظلّت الباخرة لا تقف عندنا. وما نزال إذ اضطرّنا الأمر وأردنا السفر، نركب حميرنا ضحىً كاملاً ونأخذ الباخرة من البلد المجاورة، لكن حسبنا أننا نزور ضريح ود حامد ومعنا نساؤنا وأطفالنا، نذبح نذورنا كلّ يوم أربعاء، كما فعل آباؤنا وآباء آبائنا من قبل.

أمهِلْني يا بنيّ ريثما أصلّي صلاة المغرب… يقولون إن المغرب غريب، إذا لم تدركه في وقته فاتك… «عباد الله الصالحين.. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. السلام عليكم ورحمة الله.. السلام عليكم ورحمة الله».

وي. وي. هذا الظهر يُوجعني منذ أسبوع. ماذا تظنّه يا بني؟ ولكنني أعرف أنه الكُبُر… ألا ليت الشباب… كنتُ في شبــابي آكل نصف الخروف في إفطاري، وأتعشَّى بلبن خمس بقرات، وأرفع كيس التمر بيد واحدة. وكذّاب من قال إنه صارَعنَي فصَرَعني. كانوا يسمّونني التمساح. مرّة عُمت النيل أدفع بصدري مركباً موسوقة قمحاً إلى الشاطئ الآخر… ليلاً. وكان على الشاطئ الآخر رجال على سواقيهم فلما رأوني أدفع المركب نحوهم ألقوا ثيابهم وفزعوا وفرّوا. فناديتهم: «يا قوم مالكم قبَّحكم الله؟ ألا تعرفونني؟ أنا التمساح. أنتم والله الشياطين من خلقتكم القبيحة».

هل قلتَ لي يا بني ماذا نفعل حين نمرض؟

إنني أضحك لأنني أعلم ما يدور في رأسك… أنتم في البنادر تسارعون إلى المستشفيات لأدنى سبب. إذا جُرِح إصبع واحد منكم هرع به إلى الحكيم فلفَّه له في عصابة وعلَّقه على رقبته أياماً، وهو مع هذا لا يطيب. مرَّةً كنتُ أعمل في حقلي فعضَّ شيء إصبعي، هذا الإصبع الخنصر. فانتصبتُ قائماً وتلفّت أبحثُ عن العشب. فإذا ثعبان لابِد. أحلف لك أنه في طول ذراعي هذا. فمسكته من رأسه وسحقته بين إصبعي. ثم عضضتُ إصبعي الملدوغ ومصَصْتُ منه الدم وأخذت حفنة من التراب فدلكته بها، بَيد أن مثل هذا الأمر طفيف. ماذا نفعل في المُلِمَّات؟

جارتنا هذه… ذات مرة تورَّم حلقها فأقعدها طريحة الفراش شهرين. وذات ليلة تكاثرت عليها الحمى، فنهضت من فراشها سحَراً وتحامَلَتْ على نفسها حتى أتت… أجل يا بني… أتت دومة ود حامد. وتروي المرأة ما حدث فتقول: «وقفتُ تحت الدومة وأنا لا أكاد أقوى على الوقوف. وناديتُ بأعلى صوتي: يا ود حامد جئتك مستجيرة وبك لائذة. سأرقد هنا عند ضريحك، وتحت دومتك، فإما أمتّني وإما أحييتني. ولن أبرح مكاني هذا إلا على إحدى الحالتين».

وتستمرّ المرأة في قصتها فتقول: «وتقلّصت على نفسي وأنا أستشعر الخوف، وسرعان ما أخذتني النومة. وبينما أنا بين النائمة واليقظة، إذا أصوات ترتّل القرآن، وإذا نورٌ حادٌّ كأنه شفرة السكين قد سطع حتى عقد بين الشاطئين فرأيتُ الدومة وقد خرَّت ساجدة. وهلع قلبي ووجب وجيباً ظننتُه سيخرج من فمي. ورأيتُ شيخاً مهيباً أبيض اللحية ناصع الرداء، يتقدَّمُ نحوي على وجهه ابتسامة. وضربني بسبحته على رأسي وانتهرني قائلاً «قُومي». وقسماً أنني قمتُ وما أدري «أنني قمتُ»، وجئت إلى بيتي ولا أعلم كيف جئت. ووصلت عند الفجر فأيقظتُ زوجي وولدي وبناتي. وقلت لزوجي أوقد النار وضع عليها وعاء الشاي. وقلت لبناتي زغردن. فانكبّت علينا البلد. وقسماً ما خفت بعدها، ولا مرضت بعدها».

نعم يا بنيّ، نحن قوم لا نعرف دروب المستشفيات. في الأمور الصغيرة كلدغات العقارب والحمى والفكك والكسر، نلزم الأسرّة حتى نشفى، وفي المعضلات الكبيرة نذهب إلى الدومة.

هل أقصّ عليك يا بني قصّة ود حامد؟ أم أنك تريد أن تنام؟ أهل البندر لا ينامون إلا في أخريات الليل – ذلك ما أعلمه عنهم. أما نحن فننام في حين يسكن الطير، ويمتنع الذباب عن مشاكسة البقر، وتستقرّ أوراق الشجر على حال واحد، وتضمّ الدجاج أجنحتها على صغارها، وترقد الماعز على جنوبها تجترّ ما جمعته في يومها من علف. نحن وحيواناتنا سواء بسواء، نصحو حين تصحو، وننام حين تنام، وأنفاسنا جميعاً تتصاعد بتدبير واحد.

حدّثني أبي نقلاً عن جدي قال: «كان ود حامد في الزمن السالف مملوكاً لرجل فاسق، وكان من أولــياء الله الصالحين. يتكتّم إيمانه ولا يجرؤ على الصلاة جهاراً حتى لا يفتك به سيده الفاسق. ولما ضاق ذرعاً بحياته مع ذلك الكافر، دعا الله أن ينقذه منه. فهتف به هاتف أن أفرش مصلاتك على الماء، فإذا وقفَت بك على الشاطئ فانزل. وقفَت به المصلاة عند موضع الدومة الآن، وكان ذلك مكاناً خراباً. فأقام الرجل وحده يصلّي نهاره، فإذا جاء الليل أتاه أمرؤٌ ما بصحاف الطعام، فيأكل ويواصل العبادة حتى يطلع عليه الفجر. كان هذا قبل أن تعمر البلد. وكأنّما هذه البلدة بأهلها وسواقيها وعمارها قد انشقّت عنها الأرض. كذّاب من يقول لك إنه يعرف تاريخ نشأتها. البلاد الأخرى تبدأ صغيرة ثم تكبر. ولكن بلدنا هذا قام دفعة واحدة. أهله لا يزيد عددهم ولا ينتقص، وهيأته لا تتغيّر. ومنذ كانت بلدتنا كانت دومة ود حامد. يُحكى أن أحداً لا يذكر كيف قامت ونمت، كذلك لا يذكر أحد كيف قامت الدومة في أرض حجرية ترتفع على الشاطئ، وتقوم فوقه كالديدبان».

حين أخذتُك لزيارتها، هل تذكر يا بنيّ السور الحديدي حولها؟ وهل تذكر اللوح الرخامي القائم على نصب من الحجر، وقد كتب عليها «دومة ود حامد»؟ وهل تذكر القبة ذات الأهلة المذهبة فوق الضريح؟ هذا هو الشيء الوحيد الذي جَدَّ على بلدنا منذ أن أنبتها الله. وقصّة ذلك كله أقصُّها عليك الآن.

حين ترحل عنا غداً – وأنت لا شكّ راحل: متورّم الوجه، متوهّج العينين – فأحرى بك يا بنيّ ألا تلعننا، بل ظُنّ بنا خيراً وفَكِّرْ فيما قصصتُه عليك الليلة، فلعلّك واجدٌ أن زيارتك لنا لم تكن شراً كلها.

أنت تذكر أنه كان لنا قبل أعوامٍ نوّابٌ وأحزاب، وضوضاء كبيرة، وما كنا نعرف أوّلها من آخرها. كانت الدروب تسوق إلينا أحياناً غرباء تُلقِيهم على أبوابنا، كما يُلقِي موج البحر بالحشائش الغريبة. ما منهم من أحدٍ زادَ على ليلة واحدة عندنا: ولكنهم كانوا ينقلون إلينا أنباء الضجة الكبيرة في العاصمة. حدّثونا يومها أنّ الحكومة التي طردت الاستعمار قد استُبدلت بحكومة أخرى أكثر ضجّة ونواباً. وكنا نسألهم: من الذي غيّرها؟ فلا يردّون علينا جواباً. ونحن منذ أبَينا أن تقوم المحطة عند الدومة، لم يعد يعكّر علينا صفوَنا أحدٌ، وانقضى عامان ونحن لا نعرف شكل الحكومة، سوداء هي أو بيضاء، ورُسلها يمرّون ببلدنا ولا يقفون فيه، ونحن نحمد الله أنْ كفانا مؤونة استقبالهم. حتى كان قبل أربعة أعوام، حين حلّت حكومة جديدة محلّ الحكومة الأولى – وكأنّ هذه السلطة الجديدة شاءت أن تُشعِرنا بوجودها. صحونا ذات يوم، فإذا موظف ذو قبعة ضخمة ورأس صغير، ومعه جنديان وهم عند الدومة يقيسون ويحسبون. سألناهم: ما الخبر؟ فقالوا: إنّ الحكومة تريد أن تبني محطة تقف عندها الباخرة تحت الدومة. قلنا لهم: «ولكننا ردَدْنا عليكم ذلك من قبل فلماذا تظنّون أننا سنقبله اليوم؟». قالوا: «الحكومة التي سكتت عنكم كانت حكومة ضعيفة، ولكن الحال قد تغيّر الآن». ولا أطيل عليك، فقد أخذنا بنواصيهم وألقيناهم في الماء، وانصرفنا إلى أعمالنا. وما هو إلا أسبوع حتى أتتنا كوكبة من الجند، وعلى رأسهم ذلك الموظف الصغير الرأس ذو القبعة الكبيرة. فنادى بهم أن خذوا هذا وخذوا هذا وخذوا هذا، حتى أخذوا عشرين رجلاً منّا كنتُ أنا بينهم. وحمَلونا إلى السجن. ومضى علينا شهرٌ، وذات يوم جاء الجند أنفسُهم الذين سجنونا ففتحوا علينا الأبواب. وسألناهم: ما الخبر؟ فلم يكلّمنا أحد. ولكنّنا وجدنا حشداً كبيراً خارج السجن – أوّل ما رأونا هتفوا ونادونا وعانقنا أناسٌ نظيفو الثياب، تلمع على معاصمهم ساعات مُذهّبة وتفوح نواصيهم برائحة العطر. وحملونا في موكب كبير إلى أن أتينا أهلنا. فوجَدْنا خلقاً كبيراً لا أول له ولا آخر، وعرباتٍ واقفةً وخيولاً وجمالاً. وقال بعضنا لبعض: «إنّ ضوضاء العاصمة قد وصلت عندنا». وأوقفونا نحن الرجال العشرين صفّاً يمرّ علينا الناس يصافحون أيدينا.. رئيس الوزراء.. رئيس مجلس النواب.. رئيس مجلس الشيوخ.. نائب دائرة كذا.. نائب دائرة كذا. ونظر بعضنا إلى بعض دون أن نفهم ما يدور حولنا، إلا أنّ سواعدَنا كلّت من طول ما صافحت من أولئك الرؤساء والنواب، ثمّ أخذونا في حشد عظيم إلى حيث الدومة والضريح. ووضَع رئيس الوزراء الحجر الأساسي للنصب الذي رأيته، والقبة التي رأيتها والسور الذي رأيته. وكما يهبّ الإعصار برهة ثم يذهب، اختفى ذلك الحشدُ كما جاء فلم يَبِت ليلةً عندنا… وأحسبه ذباب البقر. فقد كان عامها سميناً بديناً يطنّ ويزنّ كالعام الذي جاءنا فيه الواعظ.

وقد روَى لنا أحدُ هؤلاء الغرباء الذين تُلقيهم الدروب عندنا قصة تلك الضجة فيما بعد فقال: «لم يكن الناس راضين عن تلك الحكومة منذ أن جاءت، وهم يعلمون أنها لم تأتِ إلا بشراء عدد من النواب. وظلوا يتربّصون لها الفرص. كانت المعارضة تبحث عن شرارة توقد بها النار. فلما حدث حادث الدومة معكم أخذوكم وألقوا بكم في السجن، نشرت الصحف النبأ، وخطب رئيس الحكومة المُقالة في البرلمان خطبة داوية قال فيها: «لقد بلغ من طغيان هذه الحكومة المُقالة أنها أصبحت تتدخَّل في معتقدات الناس، في أقدس الأشياء المقدّسة عندهم».  ووقف الخطيب وقفة ذات أثر ثم قال وصوته يتهدج بالعاطفة: «اسألوا رئيس وزرائنا الموقر عن دومة ود حامد. اسألوه كيف أباح لنفسه أن يرسل جنده وأعوانه فيدنّسوا ذلك المكان الطاهر المقدس»، وحمل الناس الصيحة. واستجابت أفئدة الناس في سائر القطر لحادث الدومة، كما لم تستجب لحادث من قبل، لعل السبب أنّ في كلّ بلد من بلدان هذا القطر عَلماً كدومة ود حامد يراه الناس في أحلامهم. وبعد شهر من الضوضاء والصراخ والشعور المُلتهب، اضطرّ خمسون من نواب الحكومة أن يسحبوا تأييدهم منها. فقد أنذرتهم دوائرهم أنهم إما أن يعلنوا ذلك، وإلا فهذه الدوائر التي انتخبتهم تنفض أيديها منهم.

وهكذا سقطت الحكومة وعادت الحكومة الأولى إلى الحكم. وكتبت الصحيفة الأولى في القطر تقول: «إنّ دومة ود حامد أصبحت رمزاً ليقظة الشعب».

ومن يومها ونحن لا نحسّ للحكومة الجديدة وجوداً، من يومها لم يزرنا أحد من القوم العمالقة الذين زارونا وحمدنا الله أنه كفانا مشقَّة مُصافحتهم. عادت حياتنا إلى سيرتها الأولى، لا مكنة ماء، ولا مشروع زراعة، ولا محطة باخرة، وبقيت لنا دومتنا تلقي ظلها على الشاطئ القِبلي عصراً، ويمتدُّ ظلُّها وقت الضحى فوق الحقول والبيوت حتى يصل إلى المقبرة. والنهر يجري تحتها كأنه أفعى مقدّسة من أفاعي الأساطير. بَيْد أنّ بلدنا قد زاد نصباً رخامياً وسوراً حديدياً وقبةً ذات أهِلّة مُذهّبة.

ولما فرغ الرجل من كلامه، نظر إليّ وعلى وجهه ابتسامة غامضة ترفرف على جانبي فمه كضوء المصباح الخافت. فقلت له: «ومتى تُقيمون طلمبة الماء والمشروع الزراعي ومحطة الباخرة؟»، فأطرق برهة ثم أجابني: «حين ينام الناس فلا يرون الدومة في أحلامهم». قلت له: «ومتى يكون هذا؟»، فقال: «ذكرتُ لك أن ابني في البندر يدرس في مدرسة. إنني لم أُلحِقه بها. ولكنه هرب. سعى إليها بنفسه، إنني أدعو أن يبقى حيث هو فلا يعود. حين يتخرّج ابن ابني من المدرسة ويكثر بيننا الفتيان الغرباء الروح، فلعلنا حينئذٍ نقيم مكنة الماء والمشروع الزراعي… ولعلّ الباخرة حينئذٍ تقف عندنا… تحت دومة ود حامد».

فقلت له: «وهل تظنّ أن الدومة سُتقطع يوماً؟»، فنظر إليّ ملياً، وكأنه يريد أن ينقل إليَّ خلال عينيه المتعبتين الباهتتين ما لا تقوى على نقله الكلمات: «لن تكون ثمة ضرورة لقطع الدومة. ليس ثمة داع لإزالة الضريح. الأمر الذي فات على هؤلاء الناس جميعاً أنّ المكان يتّسع لكل هذه الأشياء – يتّسع للدومة والضريح ومكنة الماء ومحطة الباخرة».

وبعد أن صمَتَ برهةً نظر إليَّ نظرةً لا أدري كيف أصفها، ولكنها أثارت في نفسي شعوراً بالحزن – الحزن على أمر مبهم لا أستطيع تحديده – ثم قال: «أنت لا شكّ راحلٌ عنا غداً. فإذا وصلتَ إلى حيث تقصد، فاذكرنا بالخير ولا تقسُ في حكمك علينا».

Scroll to Top