فجّرَت حربُ 15 أبريل 2023، قضايا جديدة وأرجأت أخرى، بينما ألقت بأخرى في قارعة النسيان. ولم تكن انتخاباتُ جسمٍ يمثّل مُزارعي مشروع الجزيرة والمناقل، بمنأىً عن ما تركته الحرب من تأثير، كما لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُجرَى فيها انتخابات بالمشروع، لكنها الأولى منذ بدء الحرب.
زار رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس، مشروع الجزيرة في أغسطس الماضي، مُتحدّثاً أمام عددٍ من المزارعين في رئاسة المشروع ببركات، عن مختلف القضايا والمواضيع، وخاطبه الطيب الإمام جودة، أمير قبيلة الكواهلة النفيدية بولاية الجزيرة، وأحد رموز المقاومة الشعبية فيها، قائلاً إنّ المشروع لا يُعاني أيَّ نوع من المشكلات، ويَنقصه فقط التنظيم الذي يجمع المزارعين ويُدافع عنهم. وأصدر رئيس الوزراء في الجلسة ذاتها قراراً ببدء تكوين جمعيات المزارعين.
قاد جودة في أكتوبر 2025، مجموعة من المُزارعين وتوجَّه نحو ود مدني مُطالباً بتسريع قيام الجمعيات، وصرّح حينها بأن جهوده تأتي في إطار السعي لإنفاذ قرار رئيس الوزراء بتكوين جسم يمثل المزارعين، مُستفسراً مسجِّل عام تنظيمات مهن الإنتاج الزراعي والحيواني عن أسباب التأخير في تنفيذ قرار رئيس الوزراء، مُعتبراً أن تنفيذه يحقق غايةً طالما سعى إليها المزارعون بإيجاد جسمٍ يُمثّلهم.
وكان مسجّل عام تنظيمات مهن الإنتاج الزراعي والحيواني قد أصدر قراراً ببدء تكوين الجمعيات القاعدية على مستوى أقسام مشروع الجزيرة وامتداد المناقل، اعتباراً من شهري مارس وأبريل المُقبلَيْن، داعياً لسداد الرسوم المُقرَّرة لاستلام شهادتَي التأسيس ومجلس الإدارة. وكانت الكشوفات المبدئية للنّاخبين، قد نُشرت في الفترة من 16 حتى 22 نوفمبر الماضي، وعقبها فُتِح باب الطعون وتصحيح البيانات.
ويَحتدم صراعٌ بين الطيب جودة، الحليف للجيش السوداني منذ بدء الحرب، وأعضاء في المكتب التنفيذي لحركة العدل والمساواة، الحليف الآخر للجيش، بولاية الجزيرة، على رأسهم سفيان الباشا والشامي بدر. والأخير كان الرئيس السابق لجمعيات مهن الإنتاج الزراعي، التي ينعقد الصراع حولها الآن، وقد كان خصماً عنيداً لجودة، الذي يَسعى حالياً لوراثة الموقع الذي غادره الشامي بدر، إبان سيطرة الدعم السريع على ولاية الجزيرة.
نال المزارعون بمشروع الجزيرة ولاحقاً امتداد المناقل، حقَّ تكوين اتحاد يُدافع عنهم منذ 1954، ومن قبلها شهد المشروع صراعاً اجتماعياً وسياسياً، بين كبار المزارعين وصغارهم والعمال الزراعيين لاحقاً. وطوال هذه الفترة أُنشئت واختفت جمعيات وهيئات واتحادات، مع التغيّرات السياسية العامة.
![]()
تقسيمات مشروع الجزيرة وامتداد المناقل
نظراً إلى أنه من أكبر المشاريع الزراعية المَرْوية في العالم، يعتمد التنظيم الإداري والفني لمشروع الجزيرة على تقسيمات دقيقة تضمن وصول المياه إلى كلّ حقل «حوّاشة» وإدارة العمليات الزراعية بكفاءة:
- الأقسام (Divisions): القسم هو أكبر وحدة إدارية وفنية في المشروع، وهو بمثابة إدارة عليا لمساحة شاسعة. ينقسم المشروع وامتداده إلى 18 قسماً؛ 10 منها في مشروع الجزيرة وهي: الأوسط والمَسلّمية والحوش ووادي شعير وود حبّوبة والشمالي والشمالي الغربي وأبوقوتة والجنوبي والقسم الشرقي. و8 أقسام في امتداد المناقل وهي: الهدى ومعتوق والمنسي والتحاميد والماطوري والمكاشفي والجاموسي والشوّال. يتولّى إدارة القسم مفتش زراعي أول، كما كان يُسمّى سابقاً، لكن بعد قانون مشروع الجزيرة 2005 صار يُسمّى «مدير القسم»، ويكون مسؤولاً عن التخطيط الكلي للدورة الزراعية وتوفير المدخلات (البذور والأسمدة) والإشراف على المكاتب التابعة له، ويعاونه مشرفون على المكاتب. وكلّ قسم يتكون من 4 إلى 8 مكاتب «تفاتيش».
- المكاتب (Blocks): المكتب هو الوحدة التنفيذية المباشرة التي تتعامل ميدانياً مع المزارعين. يقود المكتب مشرف (وكان يسمّى سابقاً مفتش مكتب أو باشمفتش، يعاونه عدد من المساعدين «الصُّمُد، وواحدهم صَمَد»). المكتب هو المسؤول عن تسجيل المساحات المزروعة ومتابعة حالة المحاصيل وتوزيع التقاوي وضمان التزام المزارعين بالدورة الزراعية. ويفوق عدد المكاتب في المشروع 120 مكتباً.
- التُّرَع (Canals): هذا التقسيم هندسي مائي وليس إدارياً صرفاً، وهو شريان الحياة في المشروع. يعتمد الري في الجزيرة على «الانسياب الطبيعي»، وتنقسم الترع إلى درجات: الترع الرئيسية مثل كنار 10 وكنار 57 التي تأخذ مياهها مباشرة من خزّان سنار، والترع الفرعية التي تتفرّع من الرئيسية لتغذّي مناطق معينة، والترع الكبيرة (Major Canals) التي تغذّي مجموعة من المكاتب، والترع الصغيرة (Minor Canals)، وهي التي يراها المزارع مباشرة بجانب حقله، ومنها تُسحب المياه عبر جداول «أبو عشرين» لتسقي المحاصيل.
العلاقة بين هذه التقسيمات تكاملية؛ فالمفتش (أو المشرف) في المكتب يحدّد كمية المياه المطلوبة بناءً على نوع المحصول والمساحة، ثمّ يطلب هذه الكمية من مهندسي الري المسؤولين عن التُّرع.
مُطالبات بالتأجيل
قال أحد المزارعين الذين ذهبوا إلى رئاسة المشروع احتجاجاً على استمرار الانتخابات لـ«أتر» إنّ انتشار السلاح وسط المُستنفَرين والاحتقان في القِسم، ورفض القواعد للطريقة التي طَرَحَ بها بعضُ المُرشّحين أنفسهم، يجعلان من استمرار الانتخابات بداية لانهيار السلم الاجتماعي بالمنطقة.
تصاعَد الجدل في مكتب النعمة بقسم المنسي بمشروع الجزيرة، نظراً إلى أنّ سفيان الباشا يعمل مزارعاً بالمكتب، وهو المكان الذي يجب أن تبدأ فيه خطوات تصعيده إلى مواقع عليا في تكوين الجمعيات. وقد كان سفيان قاب قوسين أو أدنى من تبوّؤ موقع متقدّم بالمكتب، بَيد أن المزارعين بالقِسْم ذهبوا إلى رئاسة المشروع في بركات في يناير الماضي، وقابلوا مسجّل تنظيمات المهن الزراعية بالجزيرة، مؤكّدين على أن استمرار الانتخابات في هذا المناخ المشحون قد يقود إلى انفلات أمني خطير، بحسب ما قاله أحد أعضاء الوفد لمراسل «أتَـر». وقال العضو الذي فضّل حجب اسمه، إنّ انتشار السلاح وسط المُستنفَرين والاحتقان في القِسم، ورفض القواعد للطريقة التي طَرَحَ بها بعضُ المُرشّحين أنفسهم، يجعلان من استمرار الانتخابات بداية لانهيار السلم الاجتماعي بالمنطقة.
وكشف عضو الوفد عن تقدُّمهم ببلاغات للجهات الأمنية بعاصمة الولاية ود مدني، تتعلَّقُ بتجاوزاتٍ واضحة في بعض مكاتب القِسْم، تمثّلت في إدخال أفراد لا صلة لهم بالزراعة في العملية الانتخابية، وسط تساهلٍ مُقلقٍ من بعض الجهات التنفيذية، الأمر الذي يَضرب مبدأ العدالة والنزاهة في الصميم، على حدّ قوله. وكان المزارعون قد طالبوا بتأجيل أو إلغاء انتخابات جمعيات مهن الإنتاج الزراعي بالقسم فوراً، وضرورة تدخّل الأجهزة الأمنية على نحو مباشر وحاسم، كما طلبوا تنسيقاً عاجلاً مع مسجّل تنظيمات مهن الإنتاج الزراعي والحيواني لضبط العملية.
وأعاد مُسجّل عام تنظيمات مهن الإنتاج الزراعي والحيواني، كشوفات المزارعين بقسم المنسي إلى المكاتب الزراعية للتصحيح والمراجعة، تمهيداً لإعادة الانتخابات في القسم. وليس ببعيد في قسم الهدى المجاور، الواقع فيه مكتب سرحان الذي يُعَدُّ معقلاً للطيب الإمام جودة، يُخبر المزارع والمحامي صلاح عبد الله المهل مراسل «أتَـر»، أنّ انتخابات الجمعيات الزراعية بالقسم أجريت بحضور عدد قليل من المزارعين، مُعتبراً ما حدث بمثابة سرقة مُكتملة الأركان للفكرة والحقّ معاً، وكشف عن أنه من بين 11 ألف مزارع هم مزارعو القسم، شارك في الانتخابات 30 مزارعاً فقط، يُناصِرون سفيان الباشا.
اجتمع مزارعو قسم الهدى لاحقاً، وقرّروا عدم اعترافهم بشرعية العملية التي جرت، داعين إلى إعادة تكوين الجمعيات من القواعد، بقوائم تضمُّ أصحابَ المصلحة الحقيقيين وهم المزارعون، ولجاناً مستقلة للانتخابات، وشفافية كاملة في العضوية والتمويل، وتمثيلاً حقيقياً للكنابي والعمال الزراعيّين. وكشف أحد المُزارعين بالقسم عن اتجاههم لتقديم شكاوى قانونية وطعون إدارية ضد ما حدث.
وأشار سفيان الباشا في منشور له على الفيسبوك، إلى أنه أحد مُلّاك الأراضي، وأن ما يُثار حول قضية الأراضي بمشروع الجزيرة ينطوي على خلطٍ متعمّد للأوراق، منوّهاً إلى أنّ الاتهامات له ولحركته لا تستقيم، لافتاً إلى أنه مزارع قبل أن يكون عضواً في أي تنظيم.
يقرّ سفيان الباشا، في حديثه لمراسل «أتَـر»، بما وصل إليه حال مشروع الجزيرة من تدمير ممنهج. وينبّه إلى أنّ العمل في مشروع الجزيرة اقتصاديّ، وعودته إلى دائرة الإنتاج تقتضي عناءً وجهداً من شركاء العملية الإنتاجية، قائلاً: «يقع الدور الأكبر على كاهل المنتجين، لذلك يجب أن يتّحدوا وينبذوا الخلاف، وهو ما يجري هذه الأيام عبر تكوين تنظيمات المنتجين بالمشروع، لتسخير الموارد المتاحة والمساهمة على نحو أكثر فاعلية في حلّ المشكلات، في جوانب عملية إدارة مياه الري وتوظيفها، وتوفير التمويل من الجهات المختلفة، وتنظيم الزراعة وترتيبها وزيادة الإنتاج». ويُنتظر من الجمعيات، وفقاً للباشا، بحث سبل الاستفادة من القيمة المضافة لمنتجاتهم، لتعزيز فوائدهم وتحسين الدخول في شراكات مع جهات استثمارية لها قدرات فنية ومالية، وغيرها من البرامج.
ويرى الباشا، أنه لا سبب لجعل عملية تكوين الجمعيات ميزاناً للصراع، «بل يجب الاستفادة منها كمتنفّس لإيجاد برامج أكثر نجاحاً للتطوير والتنمية. وإذا عجزت جهة ما، أو شخص ما، عن تقديم برنامج تنظيمي وطرحٍ بنّاء وأفكار نيّرة لإدارة العمل الزراعي بالمشروع، ولجأت إلى خلق صراع معنا، فإننا نعتبر ذلك «معركة من غير معترك»، وهي دليل واضح على عجزهم وفشلهم في مخاطبة قضايا المزارعين. وبعض الذين حاولوا المنافسة في تنظيمات المزارعين تجاوَزهم اختيار المزارعين وسقطوا في ترعة، وبعضهم سوف يسقط على مستوى المكاتب، وأغلبهم ليسوا مزارعين بمشروع الجزيرة، ما يؤكّد أنهم يعملون لمصلحة جهة سياسية تريد أن تستفرد بقياده تنظيم المزارعين ليسهل عليها تدمير ما تبقى من المشروع، حتى يمكِّنوا لأنفسهم سياسياً واقتصادياً على حساب المزارع»، بحسب الباشا.
وفي شأن الخدمات التي تقدّمها الجهات المختصة للمواطنين تصديقاً وتنفيذاً، يرى الباشا أنّ على قيادات المجتمع مطالبة الجهات الرسمية بتوفير تلك الخدمات، ويقول معلّلاً: «لا سيما وأنّ الجزيرة خرجت من عملية احتلال غاشمة خرّبت كثيراً من المرافق الخدمية، ومن الطبيعي أن يبحث الناس عن الخدمات التي يمكن توفيرها. لذا فإنّ أي شخص يتحدّث عن طريقة أخرى لتوفير الخدمات غير التي تكون عبر الجهات الرسمية، أعتقد أنه جاهل بالأمر وغير ملمّ بالطريقة التي تنفّذ بها الخدمات، ومثل هذا الشخص تجد أن موقفه سالب باستمرار».
يقرّ الباشا، بتلقّيه دعماً من وزير المالية إبان السيول التي اجتاحت أقساماً في المشروع في 2020، قائلاً إنه قد كان على رأس لجنة كُوّنت من قيادة المزارعين، وفّرت حوالي 40 ألف جوال من سماد اليوريا، إضافة إلى 20 ألف جوال من تقاوي القمح، والأخيرة عبر ديوان الزكاة، وقد أشرف على هذه المنح كلّ من إدارة مشروع الجزيرة، والأمن الاقتصادي بالمشروع وديوان الزكاة.
إلى أين تنحاز قيادة الجيش؟
قال عبد الساوي لمراسل «أتَـر»، إنّ هذه الزيارة بَيَّنَت بنحوٍ واضحٍ انحياز القيادة العليا للجيش السوداني إلى الطيب الإمام جودة في صراعه ضدّ ممثلي حركة العدل والمساواة.
يربط التوم الخير عبد الساوي، المهتم بقضايا مشروع الجزيرة، بين زيارة قائد الجيش الفريق البرهان في فبراير الجاري (إلى مناطق أب حراز ومسيد طيبة الشيخ عبد الباقي «مسيد شيخ أزرق طيبة»، وسرحان بولاية الجزيرة)، وما حدث في منطقة سرحان تحديداً، إذ جرى توقيع وإعلان ما سُمِّي «نداء المزارع»، وبحضور الطيب الإمام جودة. وقد وقّعت عليه قيادات سياسية واجتماعية مع شيخ السجّادة القادرية العركية، الريَّح الشيخ عبد الله أزرق طيبة، وقد نصّ على قيام جمعيات إنتاج زراعي وحيواني، والحفاظ على الأرض. وقال عبد الساوي لمراسل «أتَـر»، إنّ هذه الزيارة بَيَّنَت بنحوٍ واضحٍ انحياز القيادة العليا للجيش السوداني إلى الطيب الإمام جودة في صراعه ضدّ ممثلي حركة العدل والمساواة.
ويتّهم مزارعون وزير المالية جبريل وحركته بالتدخّل في شؤون مشروع الجزيرة، والسعي للسيطرة عليه، عبر تمكين كوادر الحركة بالولاية منه واستغلال أموال خاصة بوزارة المالية في الصراع الدائر حالياً، لترجيح كفّة جناح سفيان الباشا والشامي بدر؛ رغم أن وزارة المالية قد أعلنت في الخامس من فبراير الجاري عدم تبعية المشروع لها، موضحة أنّ مشروع الجزيرة مشروع خاصّ ولا يقع ضمن المؤسسات والهيئات الزراعية الحكومية، وأكّدت استقلالية المشروع عن الحكومة وعدم تبعيته مالياً لها، إذ ينصّ قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005 (تعديل 2014)، على أنّه قومي اقتصادي اجتماعي ذو نشاط متنوّع، وله شخصية اعتباريّة مستقلة إدارياً ومالياً وفنياً.
متحدثاً لـ«أتَـر»، يقول المُهتم بقضايا العمال الزراعيين وسكان الكنابي، محمد علي مهلة، إنّ الصراع الذي يدور حالياً، وداخل دائرة حلفاء الحكومة بالجزيرة يرجع إلى الحرب وما خلّفته من ظروف انقسام واستقطاب اجتماعي بالسودان ككل، وأشار إلى سعي حركة العدل والمساواة لبناء قواعد سياسية واجتماعية داخل مجتمعات المزارعين، وصراعها الحالي خاص بالمزارعين ولا علاقة للعمّال الزراعيّين به، وقال إنّ الاتهامات التي تُساق ضد العمال الزراعيين وسكان الكنابي قديمة، وتاريخياً كانت موجودة في سياق الصراع الاجتماعي بمشروع الجزيرة، مشيراً إلى أنّ خطاب الهجوم ضد تجمّعات العمال الزراعيين يُستدعَى في كل مرة حسب الظروف، وذلك لمحاصرة ومعاقبة هذه المجتمعات وهضم حقوقها في المواطنة المُتساوية وقضايا العمل والسكن وعلاقات الإنتاج، وفرص التطور المُتساوي بين السودانيين، واعتبر ذلك بمثابة هروب من استحقاقات هذه المكونات.
ماذا يقول تحالف المزارعين؟
يُعلِّق القيادي بتحالف مزارعي الجزيرة والمناقل محسن النعمة لمراسل «أتَـر» على ما يدور من صراع، بأنّ موقف التحالف ثابت وضد جمعيات الإنتاج الزراعي والحيواني، وأشار إلى أنّ التحالف يعتبرها أداةً لتفتيت وحدة المزارعين والاستيلاء عبرها على أراضيهم ونهب الأصول.
ويقول النعمة إنهم يرون ألا بديل لاتحاد المزارعين سوى اتحاد ينبع من قواعد المزارعين منبراً نقابياً ممثلاً لهم ومدافعاً عنهم، مشيراً إلى أنهم ينظرون إلى الصراع الذي يدور حالياً، بين طرفي جودة والباشا، باعتباره صراعاً ذا أبعاد استراتيجية بعيدة المدى، فبينما يحمل جودة هموماً قبَلية واجتماعية ومناطقية وصفها النعمة بـ«الضيقة»، ويبحث عن «الزعامة» خاصة بعد بروز نجمه أثناء وبعد حرب 15 أبريل بالجزيرة، ويهدف للاستيلاء على القيادة دون أن تكون له رؤية إصلاحية واضحة لمشروع الجزيرة، ولا برنامج محدد المعالم؛ فإنّ سفيان الباشا «يبرز في المقابل باعتباره جزءاً من مُخطَّط يهدف لتحقيق أطماع جهات داخلية وخارجية، والسيطرة على أراضي المشروع».
وأشار النعمة إلى أنه بعد سيطرة قوات الدعم السريع على إقليم دارفور، لم يعد لحركة العدل والمساواة ذات الوضعية القديمة التي كانت تجدها في السابق، لذلك تبحث عن مناطق نفوذ بعيداً من أماكن نفوذها التقليدية، وفي الوقت ذاته يبرز جبريل إبراهيم، وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة، ليحقق مكاسب سياسية لحركته. ويتهم النعمة، الباشا، بشراء وحدات طاقة شمسية للقرى من الأموال التي تأتي إليه عبر وزارة المالية، وعدّ ذلك «تبديداً للمال العام».
وردّد جودة اتهامات النعمة ذاتها على نحو ضمنيّ، في تصريح صحفي له عقب لقائه بأزرق طيبة، محذراً ممّا سماه المحاولات الناعمة التي تتسلّل عبر شراء الذمم، وتطويع القوانين وتسييس الرزق والتلاعب بإرادة المزارعين، وقال: «نُحذّر بوضوح من استغلال ملف منظومات الطاقة الشمسية وتحويله من خدمة عامة إلى أداة سياسية، فهذه المنظومات مال عام، تابعة للهيئة القومية للمياه، ومموّلة من وزارة المالية لتشغيل آبار المياه وخدمة القرى المحتاجة، وليست ملكاً لأشخاص ولا أحزاب».
سياسي بامتياز
هذه التكتلات تُحرّكها المصالح الذاتية الضيقة، وهم يتنازعون حول من يتقدّم المزارعين، في وقتٍ لا علاقة فيه للمُتقدِّمين بالمزارعين أصلاً، ولا بقضاياهم ولا بأوجاعهم اليومية.
المُزارع الخير موسى، قال لمراسل «أتَـر»، إنّ ما يجري الآن في جمعيات الإنتاج الزراعي بمشروع الجزيرة ليس حراكاً نابعاً من وجدان المزارعين، ولا تعبيراً صادقاً عن قضاياهم الحقيقية، ووصفه بأنه شدٌّ وجذبٌ تقوده مُزايدات رخيصة تُمارسها جهات مُسلّحة وسياسية وأفراد نصّبوا أنفسهم أوصياء على الجزيرة، وكأنهم يمثّلونها بأكملها.
ويضيف الخير قائلاً: «هذا الصراع الذي يُقدَّم للرأي العام على أنه صراع مزارعين، هو في حقيقته صراع سياسي بامتياز، استُخدم فيه المزارع أداة، واستُغِلّت معاناته واجهةً، بينما الأهداف بعيدة كلّ البعد عن مشروع الجزيرة أو إنسانه». وأبدَى أسفه لكون التكتّلات التي ظهرت على الساحة، من الجانبين لم ولن تقدّم أي مشروع حقيقي يخدم الزراعة أو يعيد الاعتبار للمزارع، وزاد: «تُحرّكها المصالح الذاتية الضيقة، وهم يتنازعون حول من يتقدّم المزارعين، في وقتٍ لا علاقة فيه للمُتقدِّمين بالمزارعين أصلاً، ولا بقضاياهم ولا بأوجاعهم اليومية».
ويمضي الخير متسائلاً: «مَن مِن هؤلاء يتحدّث الآن عن مشكلات الري والصيانة؟ ومَن ناقَش نقص المياه؟ ومَن وَضَع حلولاً حقيقية للعروة الشتوية؟ ومن قدّم طرحاً واضحاً حول الأسعار المُجْزية للمحاصيل؟». وقطع بألّا أحد منهم يهمه أمر المشروع والزراعة. وأضاف قائلاً: «لأنّ هذه ليست ضمن أجندتهم وأن ما يهمهم هو مواقعهم، ومكاسبهم، ونفوذهم».
ويرى المزارع بقسم الهدى، محمد أحمد همتك، متفقاً مع الخير، أنّ الصراع الدائر الآن حول قيادة الجمعيات ليس مستغرباً، إذ إن محرّكه هو السيطرة والامتلاك. ويقول «همتك» لمراسل «أتَـر»: «الصراع داخل مكوّنات السلطة أدى إلى حرب، لذلك حين يكون الهدف مصلحة ذاتية، فإن الصراع قد يَنشأ حتى داخل المنزل الواحد».
وعزا همتك كل ذلك إلى ما سمّاه الطبيعة المعقدة لعلاقات الإنتاج داخل المشروع، خاصة بين الحكومة والمزارعين والعمّال الزراعيين، ودعا إلى علاقات إنتاج أرقى، تجعل للعمّال الزراعيين جسماً نقابياً يدافع عنهم، بدلاً من أن يُستمالوا إلى طرف ضدّ الآخر في صراعٍ مثل الذي يدور حالياً.
محمد عبد القادر جابر، المزارع بمكتب المَسَلميّة، قال لمراسل «أتَـر»، إنّ الصراع بين الطيب جودة وسفيان الباشا على رئاسة جمعيات الإنتاج، بالنسبة لهم هو صراع «فوق»، وأنّ مشكلة المزارع الحقيقية «تحت» في الأرض. وأشار إلى أنّ المشروع يعاني من تدهور قنوات الري، قائلاً: «المويه ما واصلة لـ«ضَنَب الترعة»، إضافة إلى المعاناة من غياب التمويل ومشكلات السماد وغياب السعر التأشيري المُجزي للمحاصيل كالقمح والقطن».



