عقب اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، باتت تنقّلات المدنيين من مناطق سيطرة كلّ طرف بالغة الصعوبة، إذ يُنظر إليهم بارتياب، وغالباً ما يُحقَّق مع المواطنين الذين لم يكن لديهم خيار سوى البقاء. وقد نَشرت صفحات على وسائط التواصل الاجتماعي وقنوات «تليقرام» صوراً وأسماء شخصيات اتُّهِمت بأنها تعاملت مع الدعم السريع إبان سيطرتها على الخرطوم والجزيرة.
وأفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بأنّ السلطات السودانية، أعلنت أنّ لجنة التحقيق في جرائم النزاع سجَّلَتْ أكثر من 131,706 قضايا (أو بلاغات) مُتعلّقة بجرائم ارتُكِبت خلال الحرب، بما في ذلك قضايا التعاون أو التخابر مع قوات الدعم السريع، وقد أحيلت آلاف من هذه القضايا إلى المحاكم.
وفي يناير الماضي، أدانت محكمة جنايات ود مدني المؤرّخ والكاتب خالد بحيري، بموجب مواد من القانون الجنائي السوداني، بتقويض النظام الدستوري (المادة 50)، وإثارة الحرب ضد الدولة (المادة 51)، والمادة 24 من جرائم المعلوماتية المتعلقة بنشر أخبار كاذبة، وحكمت عليه بالسجن المؤبّد.
وكان بحيري، الذي أثارت قضيته جدلاً على وسائط التواصل الاجتماعي ودُبِّجَتْ بيانات من منظمات حقوقية مناهضة للحكم عليه؛ قد ورد اسمه في فيديو بُث بصفحة الإدارة المدنية لولاية الجزيرة بوصفه وزيراً للإعلام بها. وأفاد ناشطون تحدَّث معهم مراسلو «أتَـر» بود مدني، أن بحيري قدَّم للناس مساعدات كبيرة أثناء سيطرة الدعم السريع على المدينة، مثل المساعدة في دفن الجثث المتناثرة أو إقامة التكايا.
أُلقيَ القبض على خالد بحيري في أوائل عام 2024، بالتزامن مع دخول الجيش إلى مدينة مدني، على يد الاستخبارات العسكرية. وبعد ستة أشهر من الاعتقال، قُدّم للمحاكمة وحُكم عليه. وفتحت قضية خالد بحيري جدلاً حول تهمة التعاون، وسندها القانوني والإجراءات القانونية والمحاكمات وتنفيذ الأحكام بشأنها، إضافة إلى الحمولة الاجتماعية التي أضحت تُلاحق أناساً فضّلوا لسببٍ أو آخر البقاءَ في مُدُنِهم أثناء سيطرة الدعم السريع عليها.
دفتر يومية 01
التقى عمر بجنديّ كان يسكن في نفس منطقته بأمبدّة، ويعرف أخاه المنضمَّ إلى الدعم السريع. وظل الجندي يستفزه أمام زملائه في العمل، منادياً إياه: «وين يا دعّامي!». حذّره عمر بأنه لا ينتمي إلى الدعم السريع ولا علاقة له بالحرب، بَيد أنّ الجندي لم يستجب لتحذيرات الأخير، حتى تشاجرا ذات يوم. بعد المشاجرة، أبلغ الجنديُّ السلطاتِ زاعماً بأنّ عمر ينتمي إلى الدعم السريع.
محمد عمر (اسم مستعار لدواعٍ أمنية)، ويبلغ من العمر 26 عاماً، كان يسكن في منطقة «أمبدة الـ 19» بأم درمان، والتحقَ شقيقُه الأكبر بقوات الدعم السريع وقُتل في مارس 2025 بقصف مسيّرة تابعة للجيش في سوق ليبيا.
لكلّ ذلك، فضّل عمر الابتعاد عن المتاعب، وقرَّرَ السفر إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، وحصل على وظيفة عامل في مصنع للحلويات؛ غير أنه لم يَسْلم من المضايقات، فقد التقى بجنديّ كان يسكن في نفس منطقته بأمبدّة، ويعرف أخاه المنضمَّ إلى الدعم السريع. يقول عمر في حديثه لمراسلَي «أتَـر»، إنّ الجندي ظلّ يستفزه أمام زملائه في العمل، منادياً إياه: «وين يا دعّامي!». حذّره عمر بأنه لا ينتمي إلى الدعم السريع ولا علاقة له بالحرب، بَيد أنّ الجندي لم يستجب لتحذيرات الأخير، حتى تشاجرا ذات يوم. بعد المشاجرة، أبلغ الجنديُّ السلطاتِ زاعماً بأنّ عمر ينتمي إلى الدعم السريع.
جرى اعتقال محمد عمر، وتعرَّض لضغط شديد أثناء التحقيق لإجباره على الاعتراف بالانتماء إلى الدعم السريع. يقول محمد إنّه ينتمي إلى قبيلة «الرزيقات»، شأنه شأن أغلب سكّان الحارة التي يقطن فيها بمحلية أمبدة، لكنه لم يُشارك قطّ في الحرب أو أي أنشطة غير قانونية. وأضاف أنّ والده الراحل خدم في القوات المسلحة حتى تقاعد برتبة «مساعد». فضلاً عن ذلك، كان الاسم الحقيقي لعمر مثيراً للشكوك بسبب فرادته، فقد ذكر لمراسلَي «أتر»، أنّ والده اختار له اسمه عند ولادته بناءً على رؤيا شاهدها.
بعد شهر كامل من اعتقاله حضرت والدته إلى مدينة عطبرة متفقّدة ابنها المُختفي، وهُناك أُبلِغت باعتقاله من قبل الاستخبارات، وأصدرت المحكمة في عطبرة حكماً بالإعدام عليه، ونُقل إلى سجن الدامر. هناك سُمح لها بلقائه عدة مرات، وقضى فترة بسجن الدامر، رُحّل بعدها إلى سجن بورتسودان.
أوكلت والدة عمر محامياً مُقابل مليوني جنيه سوداني، رغم ظروفها الصعبة للغاية، لاستئناف الحكم. لاحقاً، بُرِّئ من التهم المُوجَّهة إليه وأُطلِقَ سراحه من سجن مدينة بورتسودان. عاد عمر إلى العمل، حاملاً نسخة من حكم البراءة ضمن أوراقه الثبوتية لتفادي الاحتكاكات الأمنية، مُفضّلاً عدم الحديث كثيراً عن الأمر، وانتقل هو وأسرته إلى مقرِّ سكن جديد بعيداً عن منزلهم القديم.
دفتر يومية 02
لماذا يكون الطبيب دائماً في وجه المدفع؟ نحن كوادر طبية، استيقظنا لنجد قوات تحتل المدينة. فهل كان يُفترض بي أنّ أغادر وأترك المرضى؟ أم أجلس وأعالجهم؟ هذا هو السؤال الجوهري. لقد اخترنا البقاء، واخترنا علاج الناس، وهذا واجبنا المهني الذي أقسمنا عليه.
في إحدى مُدُن السودان الكُبرى التي تحوَّلت إلى مدينة أشباح عقب سيطرة الدعم السريع عليها، واجه الدكتور يوسف (اسم مستعار بحسب طلبه)، ويَعمل استشارياً في أحد مستشفيات المدينة، خياراً مصيرياً: إما المغادرة أو البقاء وفاءً لقَسَمه المهني، وليس انحيازاً لأي طرف.
اختار الدكتور يوسف البقاء، خاصةً وأنّ بعض إخوته نزحوا سابقاً من ولاية الخرطوم للإقامة معه؛ غير أنّه لم يكن يُدرِكُ أنّ ثمن هذا الالتزام سيكون سلسلة من الاعتقالات التي لاحقته، بعد استعادة الجيش لمدينته، ومعه أغلب الكوادر الطبية التي كانت تعمل بالمستشفى، بتهمة «التعاون». جاءت هذه التهم لمجرد رفضهم ترك المرضى والمصابين يواجهون الموت بمفردهم، كما يقول يوسف.
في حديثه لمُراسلَي «أتَـر»، يَروي الدكتور يوسف تفاصيل بقائه في المدينة بعد استيلاء الدعم السريع عليها، لمراسل «أتَـر» قائلاً: «فضّلتُ الاختفاء في الأيام الأولى لاجتياح الدعم السريع للمدينة، حفاظاً على سلامتي وسلامة عائلتي، وبعد اشتداد أزمة الناس وحاجتهم إلى العلاج، قرَّرْت الخروج لخدمتهم. أجريتُ اتصالات واستدعيتُ قلَّة من الطاقم الطبي المُتبقّي إلى المستشفى. ورغم نقص المعينات الطبية وانقطاع المياه والكهرباء أحياناً، عملنا على مساعدة أهلنا، وأجرينا عمليات جراحية بمقابل رمزي، بينما كان العلاج مجانياً تماماً لمن لا يملكون المال».
لم يكن العمل آمناً حينها – يقول يوسف – فقد كانت الدعم السريع تقتحم المستشفى للاستيلاء على الوقود المُخصَّص من منظمة دولية لمولدات الكهرباء، أو تُطلق النار عشوائياً داخل أقسام الحوادث. يقول يوسف: «كنتُ أقابل المرضى في الممرّات وأحياناً تحت ظلال الأشجار، مؤمناً أنّ الموت واحد، وحاجة المرضى لا تعترف بالظروف القاسية». ويضيف: «كنا نرى المنشورات والشائعات والوشايات المُضلِّلة تُحاك ضدنا وضد كل من بقي في المدينة، تُصوِّرنا مُتعاونين مع العدو، بل وتُطالب بضرب المكان ومن فيه ببساطة! كان بقاء أيّ شخص في مناطق سيطرة الدعم السريع هو المعيار للشكّ في وطنيته ووجوب التحقّق من أسباب بقائه. لقد كان توفير المياه، والحصول على الوجبات معاناةً يومية، ويُضاف إليها التخوين. هذا الأمر ترك فينا أثراً نفسياً بالغاً للغاية».
بعد استعادة المدينة إلى قبضة الجيش السوداني، انتعشت آمال الجميع بالأمن والفرحة الكبيرة، بَيد أنّ رحلة يوسف وزملائه اتخذت منعطفاً آخر: بعد أسابيع قليلة، وفور فراغه من مُناوبته، لم تكن سيارة الترحيل في انتظاره، إنما سيارة تابعة للخلية الأمنية. عرّف أحد أفرادها بنفسه وأخبره بأنه مطلوب للإجابة عن بعض الأسئلة في مقرّها. يقول يوسف: «اعتُقلتُ أنا ورئيس قسم التمريض والمسؤول المالي واثنان من الاستشاريين ونُقلنا إلى مبانٍ جامعية. والمفارقة المؤلمة هي أننا احتُجزنا داخل كلية الطب. المكان الذي درسنا فيه تحوَّل إلى زنزانة نُسجَنُ فيها».
داخل السجن، لم يتوقف د. يوسف عن تقديم العون، وقدم خدماتٍ طبية للجنود والنزلاء، وتمكَّن بالتعاون مع عدد من الكوادر الطبية المُعتَقلة معه من السيطرة على وباء الإسهال المائي الحاد الذي انتشر في السجن باستخدام إمكانات بسيطة.
خلال التحقيق، واجه يوسف اتهامات مبنية على شائعات مصدرها صفحة على «فيسبوك» يُتابعها الآلاف، ومن بينهم الضابط المُحقِّق نفسه، الذي أقرّ بأنّ الأدلة ضدّه مستقاة من تلك الصفحة. يتساءل يوسف: «كيف لجهة أمنية أنّ تعتمد اتهام أشخاص بناءً على صفحات مجهولة المصدر؟!». ادَّعى الضابط أنّ يوسف كان يتسلَّم راتباً من الدعم السريع، فدافع عن نفسه وقدّم مستندات تُثبت عمله، فهو موظف حكومي يتسلّم راتبه عبر تطبيق «بنكك»، ومتعاقد رسمياً مع «منظمة أطباء بلا حدود» عبر فرعها في بورتسودان. ثم تركّزت الأسئلة حول سير العمل في المستشفى خلال فترة سيطرة الدعم السريع. يقول يوسف للضابط: «لماذا يكون الطبيب دائماً في وجه المدفع؟ نحن كوادر طبية، استيقظنا لنجد قوات تحتل المدينة. فهل كان يُفترض بي أنّ أغادر وأترك المرضى؟ أم أجلس وأعالجهم؟ هذا هو السؤال الجوهري. لقد اخترنا البقاء، واخترنا علاج الناس، وهذا واجبنا المهني الذي أقسمنا عليه. أنّ تتعامل معك الدولة أو المؤسسات الأمنية كأنك عدوّ وأنت تمارس مهنتك، فهذا مؤلم للغاية». لم تشفع الحُجج، وجرى تحويلهم مباشرةً إلى السجن لصعوبة التواصل مع وكيل النيابة بحجة مرضه. يصف د. يوسف الوضع بالمهين، حيث وُضِعَ كلُّ خمسة أشخاص في غرفة صغيرة (2×2 متر) وافترشوا البلاط. وروى تأثره الشديد برؤية زميلة له (طبيبة امتياز) تخضع للتحقيق في فناء السجن في ظروف قاسية.
أُفرج عن يوسف وزملائه بعد مرور 24 ساعة بقرار من ضابط رفيع في السجون لاحظ خلوَّ ملفاتهم من الاشتباه، فعادوا لمباشرة العمل في العيادة المحوّلة في اليوم ذاته، غير أنّه أُعيد اعتقال يوسف مرة أخرى، ليقضي 46 يوماً خلف القضبان، ليُواجِهَ اتهاماتٍ خطيرة بموجب المادتين (50 و51) المتعلقة بالتخابر ضد الدولة، وهي تُهَمٌ قد تَصِلُ عقوبتُها إلى الإعدام أو السجن المُؤبّد.
احتُجز يوسف في عنبر شديد الاكتظاظ يضمّ نحو 300 معتقل في مساحة ضيقة للغاية، ما اضطرّهم للبقاء واقفين أو مفترشين الأرض دون أغطية: «رغم ذلك عاملني أفراد طاقم السجن بطريقة جيدة، إذ خصّصوا لي مكاناً جيِّدَ التهوية، غير أنّ الضابط المسؤول عن التحقيق حضر مرة وأصرّ على وضعي في منتصف العنبر، واصفاً إياي بـالجنجويدي».
داخل السجن، لم يتوقف د. يوسف عن تقديم العون، وقدم خدماتٍ طبية للجنود والنزلاء، وتمكَّن بالتعاون مع عدد من الكوادر الطبية المُعتَقلة معه من السيطرة على وباء الإسهال المائي الحاد الذي انتشر في السجن باستخدام إمكانات بسيطة.
يقول يوسف لمراسل «أتَـر»: «أجدادي وفدوا إلى هذه المدينة منذ عشرات السنين من غرب السودان. لا أعتقد أنّ القبيلة هي السبب الرئيس لاعتقالي، فالمدينة مُتداخلة ومنصهرة، لكن السبب هو خطاب الكراهية والتمييز العرقي المُنتشر في الإعلام، وتخوين كل من بقي في المناطق المحتلة لتصفية حسابات شخصية. وبسبب ذلك، اعتُقل كثيرٌ من الناس بل وتعرّضوا للتعذيب دون أي ذنب».
أخيراً، خرج الدكتور يوسف من معتقله مُحتفظاً دوماً بمستند قضائي يثبت «شطب البلاغ في مواجهته» داخل حقيبته. ورغم الظلم الذي لحق به والعروض التي قُدّمت له للسفر، رفض المغادرة قائلاً: «تخصّصي ملك لمرضى المستشفى لا غير».
دفتر يومية 03
قضيتُ يومين تعرّضت فيهما لتعذيب وحشي، وشاهدتُ بعينيّ عمليات تعذيب لمعتقلين آخرين وهم عراة. كانت التهمة الموجهة لي هي الانتماء إلى الاستخبارات العسكرية، ودافعتُ عن نفسي مؤكّداً أنني أقدم خدمة إنسانية للجميع.
عثمان النور (اسم مستعار لدواعٍ أمنية)، يعمل مساعداً طبياً، ويبلغ من العمر 55 عاماً، له خلفية عسكرية طويلة، إذ خدَم مساعداً طبياً في القوات المسلحة لمدة 18 عاماً، وعمل في مصحة «كوبر» التابعة للشرطة. بعد تقاعده، افتتح عيادة صغيرة في منزله لتقديم خدمات علاجية أولية وتضميد الجروح، كحال أغلب المساعدين الطبيين في السودان. بعد اندلاع الحرب، بقي عثمان في منزله بمنطقة «أم درمان جنوب»، وواصل تقديم خدماته الطبية للمواطنين، خاصةً مع توقّف أغلب المؤسسات الصحية.
لاحقاً، اقتحم أفراد من قوات الدعم السريع العيادة وأجبروه تحت تهديد السلاح على معالجة مرضاهم؛ لكن ذلك لم يشفع له. يقول عثمان لمراسل «أتَـر»، إنه في 7 أغسطس 2024، جرى اعتقاله واقتياده إلى مبنى تجاري داخل الحي تتخذه الدعم السريع سجناً لها: «قضيتُ يومين تعرّضت فيهما لتعذيب وحشي، وشاهدتُ بعينيّ عمليات تعذيب لمعتقلين آخرين وهم عراة. كانت التهمة الموجهة لي هي الانتماء إلى الاستخبارات العسكرية، ودافعتُ عن نفسي مؤكّداً أنني أقدم خدمة إنسانية للجميع».
لاحقاً أُطلق سراحه، غير أنّهم فرضوا حراسة مسلّحة على العيادة وأجبروه على علاج جرحاهم، فصارت العيادة مكاناً مفتوحاً للمدنيين وعناصر الدعم السريع على حد سواء (تحت الإكراه). وكان منزله قد استُهدف بقذيفة هاون من قِبل الجيش في 23 أكتوبر 2023، ويُرجَّح أنّ القصف كان محدّداً بإحداثيات العيادة: «للأسف، كانت والدتي حينها موجودة معي، فتهدَّم جزء من المنزل فوقها وتُوفّيت على الفور. ودفنتُها بمساعدة الجيران، وقرّرتُ المغادرة إلى أهلي في ولاية النيل الأبيض».
لجأ عثمان للحصول على «خطاب مرور» من الدعم السريع المُسيطر على منطقته حينئذ، لكن عند وصوله إلى منطقة «الشاتاوي» بولاية النيل الأبيض، اعتدَتْ قوة تابعة للدعم السريع بقيادة المدعو «أبو البشر»، واعتقلته ومن ثمّ حكمت عليه بالإعدام بتهمة التبعيّة للجيش. يقول عثمان: «لم يُنقذني من الموت إلا مريض سابق (مُدمن) كنت قد أشرفْتُ على تمريضه في مصحة كوبر، حين تعرَّف عليّ وتدخَّل لإطلاق سراحي».
عاد عثمان إلى أم درمان بعد خروج الدعم السريع منها، ليجد منزله مدمّراً بالكامل وعيادته منهوبة. كان في انتظاره ما هو أكثر من ذلك؛ ففي ليلة 20 مارس 2025، داهمَتْ قُوَّةٌ من استخبارات الجيش مكوّنة من ثلاث عربات قتالية منزله واقتادته إلى منطقة «سركاب» شمال أم درمان. وهناك، تعرَّض للضرب والتعذيب بتهمة معالجة أفراد من قوات الدعم السريع. يقول: «كان ردّي عليهم واضحاً: أنا رجل مهني، أعمل منذ عشرين سنة، وقد عالجتُ الجميع؛ أما أفراد الدعم السريع، فقد خدمتُهم تحت الإكراه والتعذيب. وذكّرت الضابط بمسؤوليتهم الأخلاقية والقانونية تجاه الأسرى، مُستشهداً بخبرتي في «حرب الجنوب» حين كُنَّا نُعالج الأسرى».
أُطلق سراح عثمان أخيراً دون محاكمة، وبشهادة ضابط في القوات المسلحة. بعدها طُلب منه الانضمام إلى «الاستنفار» والعودة إلى الخدمة. يقول: «رفضتُ بشدة، مؤكداً أنني أديت واجبي العسكري سابقاً، ولن أعود إلى الخدمة العسكرية مرة أخرى بعد كُلِّ ما مرَرْتُ به».
المُحاكمات وإجراءات الاتهام
متحدثاً لمُراسلَي «أتَـر»، يقول مصدر شُرطي في إصلاحية سوبا، إنّ السجن يضُمّ ما يقارب 223 قاصراً متهمين من ولايات مختلفة في قضايا متنوّعة، إضافةً إلى أعداد كبيرة أخرى مُتّهمة بالتعاون مع الدعم السريع، منهم 36 قيد المُحاكمة. وتتولى وحدة نسائية تابعة لشرطة السجون الإشراف على أربع فتيات.
في حديثه لمراسلَي «أتَـر»، قال مصدرٌ في محكمة الأوسط بأم درمان، إنّ البلاغات المُتعلّقة بالمُتعاونين أسفرت عن قرابة 14 حكماً بالإعدام، وبعضها في مرحلة الاستئناف. وتَنتقل القضايا من «منطقة سركاب» عبر نموذج خاص (استمارة) إلى الخلية الأمنية التي تُجري التحري الأوَّلي. وتُقيَّدُ أغلبُ البلاغات بواسطة الخلية الأمنية نفسها في قسم الحتّانة، ويُجرى تحرٍّ خاصٌّ من قِبَلِ الشرطة، ثم تُحال إلى نيابة محلية كرري في الثورة، الحارة العاشرة.
يقول المصدر إنّ المحكمة تركّز بنحوٍ أساسيٍّ على تحرّيات الشرطة لأنها تُقدّم شهوداً ومستندات اتهام، ويكون المتهم حاضراً أثناء التحقيق ومعه المُبلِّغ، وتستمع المحكمة إليهم جميعاً؛ وتُخاطب المحكمة إدارة العون القانوني لمساعدة من لا يستطيع توكيل محامٍ. ويضيف أنّ المُحاكمات علنية ويُسمح لأي شخص بالحضور، وهناك محاكمات غيابية تُجرى في بورتسودان لمُتّهمين، بَيد أنّ ذلك لم يحدث في أم درمان. وبحسب المصدر، لم تُنفَّذ أيُّ أحكام إعدام حتى الآن؛ لعدم تعيين قضاة للمحكمة الدستورية بعد، إذ إنّ رئيس مجلس السيادة هو مَنْ يصادق على هذه الإجراءات.
| الولاية | الإعدام | السجن المؤبد | السجن لسنوات |
|---|---|---|---|
| الخرطوم | 14 | 0 | 8 |
| الجزيرة | 12 | 2 | 2 |
| سنار | 17 | 0 | 6 |
| كسلا | 5 | 0 | 9 |
| النيل الأبيض | 4 | 3 | 2 |
| الشمالية | 2 | 9 | 1 |
| نهر النيل | 3 | 0 | 3 |
| جنوب كردفان | 0 | 0 | 3 |
| الإجمالي | 55 | 14 | 34 |
الأحكام الصادرة بالإعدام والمؤبّد (حسب تقارير وكالة سونا للأنباء)
متحدثاً لمُراسلَي «أتَـر»، يقول مصدر شُرطي في إصلاحية سوبا، إنّ السجن يضُمّ ما يقارب 223 قاصراً متهمين من ولايات مختلفة في قضايا متنوّعة، إضافةً إلى أعداد كبيرة أخرى مُتّهمة بالتعاون مع الدعم السريع، منهم 36 قيد المُحاكمة. وتتولى وحدة نسائية تابعة لشرطة السجون الإشراف على أربع فتيات.
وبحسب قوله، يُؤكّد العديد من المتهمين أنهم تعرّضوا للضغط للعمل مع الدعم السريع؛ وذكر بعضهم أنهم تعرّضوا لتهديدات باغتصاب أخواتهم، بينما كان آخرون يعملون في بيع «مسروقات» جنود الدعم السريع مقابل نِسَبٍ مُحدَّدة من الأرباح. ويضيف المصدر أنّ النزلاء في الإصلاحية يُقسَّمون إلى فئتين: الفتيان (من 15 إلى 18 سنة) والأشبال (من 11 إلى 15 سنة)، ويُسمح لأهاليهم بزيارتهم مجاناً «من غير شراء تذاكر دخول» والجلوس معهم مباشرة دون حواجز، خلافاً للسجن الكبير.
وذكر المصدر أنّ الإصلاحية تضُمّ باحثين اجتماعيين، ويُقدَّم تقرير كلّ ثلاثة أشهر عن المحكومين، وقد يُطلَق سراحهم قبل انتهاء مدة الحكم وفقاً لشروط سلوكية محدّدة داخل الإصلاحية. ويواصل: «تختلف أماكن الإقامة داخل الإصلاحية، حيث يقيم المحكومون في قسم خاص، بينما يقيم المنتظرون في مكان آخر». ويضيف أنّ منظمات أجنبية كانت قد تعهّدت بتقديم مساعدات للإصلاحية، بَيد أنّها لم تبدأ بعد. وأبلغ مُراسلَي «أتَـر» أنّ عدد النزلاء في السجن الكبير بسوبا يبلغ حوالي 4000، منهم ألفَا متّهم بالتعاون مع الدعم السريع.
لا سند قانونياً لـ«التعاون»
متحدّثاً لـ«أتَـر»، يَقول المحامي زاهر موسى، إنه لا وجود لمادة تُسمّى «المتعاونون» في القانون الجنائي، فالمبدأ القانوني هو «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنصّ تشريعي»، ولا يجوز للقاضي أنّ يستنبط تجريم شخص دون سند قانوني واضح. ويضيف أنّ مصطلح «متعاون» هو محض وصف دَرَج الناس على استخدامه لوصف من تعاوَن مع «قوات الدعم السريع»، ولا يمثل هذا الوصف سنداً قانونياً بحدّ ذاته. وبدلاً من ذلك، يَمْثُل المتهمون للمحاكمة بناءً على مواد مُحدَّدة، مثل المادة 50 المتعلقة بتقويض النظام الدستوري، أو المادة 51 المتعلقة بإثارة الحرب ضد الدولة.
ويقول: «عندما نتحدّث عن جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، فنحن أمام جرائم بالغة الخطورة، ما يستلزم ألا يَمثُل المتهم وحيداً أمام المحكمة. يجب أن تُتاح له جميع ضمانات المحاكمة العادلة، وأنّ يترافع عنه محامٍ، وفي حال عدم قدرته المادية، فمن واجب الدولة توفير محامٍ له عبر إدارة العون القانوني».
ويضيف زاهر: «للأسف، درَجَت السلطة في السودان – منذ بداية تحريك الإجراءات – على اعتقال المُتهمين بغتةً، وانتزاع الاعترافات منهم أحياناً تحت التهديد والتعذيب، ثم تُحال البلاغات إلى المحكمة بإجراءات مُبتَسرة ومُختصرة ليصدر الحكم. وهذا، في رأيي، مخالف لجميع الأعراف والتقاليد القانونية المعمول بها. إنّ الحق في المحاكمة العادلة هو حقّ أساسي لا يجوز إهدارُه حتى في ظلّ حالة الطوارئ، وهي حقوق نصّت عليها الوثيقة الدستورية وجميع الدساتير السودانية السابقة، بدءاً من دستور الحكم الذاتي لعام 1953، والدستور الانتقالي لعام 1956 وتعديلاته، وصولاً إلى دستور 2005 الانتقالي الذي أوردَ لأول مرة الحقوق المدنية والاجتماعية في وثيقة واحدة سُمّيت (وثيقة الحقوق أو العقد الاجتماعي)، وشكَّلت نقلة نوعية من حيث الصياغة، أما من حيث التطبيق، فمن المعروف أنّ الإشكالية تكمن دائماً في التنفيذ».
تفتقر الجرائم المتعلقة بـ«المتعاونين»، بحسب زاهر، إلى أبسط مبادئ العدالة الجنائية، وأهمها افتراض البراءة حتى تثبت الإدانة، وضرورة أن يُثبت الادعاء الجريمة «بما يزيل الشك المعقول». ويضيف: «لكن الواقع يُظهر أنّ معظم الشهود والمدّعين هم من أفراد الشرطة، وقد لا تُعدُّ أقوالهم دائماً بيّنةً مُحايدة، ما يؤدي إلى توجيه التهمة للمتهم ومحاكمته بسرعة. ونظراً لخطورة هذه الجريمة، يُفترض بالمحكمة أن تتَّسم بالاتساع في التعامل معها، باعتبارها من المُحاكمات غير الإيجازية».
ويوضح القانوني زاهر موسى لمراسل «أتَـر» أنّ قانون الإجراءات الجنائية قد حَدّد نوعين من المُحاكمات (إيجازية وغير إيجازية)، وتُعرَف المُحاكمة غير الإيجازية بأنها مُطوَّلة، وتستمع فيها المحكمة إلى جميع الأطراف والشهود، وتفحص المستندات، حتى تطمئنّ تماماً إلى أنّ تأسيس الإدانة يجري وفقاً للقانون. ويرى أنه يتعيَّن على القانونيين توخّي مزيدٍ من الحرص على سلامة الإجراءات؛ لأن الإجراء المتسرّع لا يعكس العدالة، وهدف الإجراءات هو الوصول إلى الحق.
أما في ما يخصّ قضية الكوادر الطبية، فيؤكّد زاهر أن أخلاقيات مهنة الطبيب تُلزمه بتقديم الخدمة الطبية لجميع أطراف الحرب، بما في ذلك مُعالجة الجرحى والمتضررين من الحرب دون أن يُعرِّضه ذلك للخطر. وفي القانون الدولي الإنساني، يتمتع الطبيب بوضع خاص، وأي اعتداء على العاملين في المجال الطبي يُعدُّ جريمة حرب.
ويرى زاهر أن المشكلة الأساسية في السودان تنبعُ من إشكالات وصفها بالبنيوية والهيكلية، وتُشكِّل الأنظمة الديكتاتورية عقبة رئيسة أمام إيجاد الحلول، ما يؤدّي إلى غياب سيادة حكم القانون. ولذلك، يبقى السؤال الجوهري: ما هي الدولة القادرة على حفظ حقوق الأفراد؟ يجيب زاهر: إنها بلا شكّ تلك التي تقوم على التعدّدية ومبدأ الفصل بين السلطات: التشريعية والتنفيذية والقضائية.



