منذ انطلاقتها، رفعَت المصارف الإسلامية شعار المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، استناداً إلى مبادئ الشريعة الإسلامية التي تُقوِّم تقاسم المخاطر، وربط التمويل بالنشاط والإنتاج الحقيقي، لا بالربح النقدي المُجرّد. وقد راهنت هذه المصارف على الاستثمار طويل الأجل، وصيغ المُشاركة والمُضاربة، الصيغ الأقرب للتمويل الاسلامي، باعتبارها أدواتٍ رئيسةً لتعبئة الموارد وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، بما يُعزِّزُ النموَّ المُستدام ويُحقّق التكافلَ الاجتماعي.
غير أنّ الواقعَ العملي كشَف، بمرور الوقت، عن انحراف عن هذا المسار، إذ إنّ غالبية المصارف الإسلامية انتقلت من التمويل التنموي طويل الأجل إلى النشاط التجاري والخدمي قصير الأجل، ولو على حساب الأدوار التنموية والاجتماعية التي شكّلت جوهرَ الخطاب التأسيسي للمصرفية الإسلامية، مدفوعةً بتغليب منطق السوق على منطق المقاصد، وباعتبارات السيولة وسرعة تعظيم الأرباح وتقليل المخاطر. وفي السودان رغم التجربة الإسلامية الكاملة في النظام المصرفي، هيمنت صيغ البيوع الآجلة على حساب المشاركة والمضاربة، ما حَدَّ من دَور المصارف في خلق قيمة إنتاجية حقيقية، وأبقى علاقتها بالاقتصاد في خانة المُموِّل للتجارة والاستهلاك أكثر من كونها شريكاً في الإنتاج. وبرزت المُرابحة بديلاً شكلياً للفائدة، وإن اختلفت في صورتها القانونية. فقد تحوَّلَتْ من أداة استثنائية ومُكمِّلة إلى أداة رئيسة شبه وحيدة.
في المقابل، لم تَعمل المصارف الإسلامية بصيغ الشراكات لعدَّة أسباب مُتداخلة، أبرزها ارتفاع المخاطر المُرتبطة بتقاسم الربح والخسارة وصعوبة التنبؤ بالعوائد، وضعف الحوكمة والشفافية لدى الشركاء، لا سيما في المشاريع الصغيرة ومُتناهية الصغر، وارتفاع تكاليف المُتابعة والرّقابة التشغيلية والمحاسبية مُقارنةً بالمُرابحة. كما أن قصَر آجال موارد المصارف لا ينسجم مع طبيعة الشراكات التي تتطلَّب تمويلاً طويل الأجل، فضلاً عن أن الأطر التنظيمية والرقابية المصرفية التي صُمِّمَتْ أساساً للإقراض لا للاستثمار التشاركي، ويضاف إلى ذلك تفضيل العملاء والمُوْدِعين لعوائد واضحة ومُحدَّدة بدل العوائد المُتقلّبة، وسهولة تطبيق المُرابحة مُقارنة بالشراكات، وضعف البيئة القانونية في بعض الدول لتسوية نزاعات الشراكة وإنفاذ عقودها.
وفي جانب الموارد هيمنت الودائع الجارية قصيرة الأجل على هيكل الموارد، ما دفع المصارف الإسلامية إلى تفضيل التمويل قصير الأجل وقليل المخاطر، تبعاً لالتزاماتها المالية، الأمر الذي جعل أداءها مُشابِهاً لنمط المصارف التجارية التقليدية في سلوكها الاستثماري وفي إدارتها للمخاطر والسيولة، مع اختلاف شكليّ في العقود. وتعمَّق هذا الاتجاه بلجوء بعض المصارف إلى صيغ التورُّق المنظّم، الذي يُعدّ تحايلاً فقهياً لتوليد النقد مقابل التزام مؤجّل، بما يُعيد إنتاج منطق الإقراض بفائدة في قالب إسلامي صوري.
كانت المُحصّلة تراجُع الدّور الاجتماعي والتنموي، ولا سيما في مجالات التمويل الأصغر والصغير والشمول المالي. وإذا ما وُجِدَ هذا الدور في بعض الحالات، فقد ظلَّت محدودة الحجم والتأثير مُقارنةً بحجم محافظها الكلية؛ وغالباً ما يأتي استجابةً لتوجيهات الجهات التنظيمية والرقابية أو لضغوط السمعة والمسؤولية المجتمعية، لا باعتباره خياراً استراتيجياً نابعاً من قناعة مصرفية راسخة.
هنالك تساؤلات جوهرية حول هوية المصارف الإسلامية المعاصرة: هل هي مؤسّسات مالية ذات رسالة تنموية بمرجعية إسلامية؟ أم هي محض مصارف تجارية تستخدم أدوات مُتوافقة شكلياً مع الشريعة دون التزام حقيقي بمقاصدها الاقتصادية والاجتماعية؟ إنّ إيجاد الدَّور التنموي للمصارف الإسلامية لا يمكن أن يتحقَّق بمجرد تعديل الصيغ القانونية لعقود الإقراض واستبدال مسميات التمويل، إنما تتطلب تحولاً استراتيجياً في نماذج الأعمال، لإعادة تعريف وظيفة المصرف الإسلامي، من وسيط مالي تجاري إلى فاعل تنموي وشريك في الإنتاج الحقيقي. ويشمل هذا التحول جملة من المرتكزات المُهمَّة:
أولاً: إعادة توجيه المَحافظ التمويلية نحو الاقتصاد الحقيقي عبر تقليص الاعتماد المُفرَط على صيغ البيوع قصيرة الأجل، وزيادة وزن صيغ المشاركة والمضاربة والاستصناع والسَّلَم، بما يسمح بتمويل المشاريع الإنتاجية والصناعية والزراعية، وربط العائد المصرفي بالأداء الفعلي للاقتصاد، لا بمجرد تداول الديون.
ثانياً: تطوير إدارة المخاطر بما يتلاءم مع صيغ المُشارَكة، إذ لا يمكن توسيع الشراكات دون بناء أطر مُتقدّمة لتقييم المشاريع، ومتابعتها، وتقاسُم المخاطر مع العملاء بدل نقلها بالكامل إليهم.
ثالثاً: دمج الشمول المالي والتمويل متناهي الصغر والتمويل المناخي في صلب الاستراتيجية المصرفية، لا بوصفه نشاطاً هامشياً أو استجابة تنظيمية، لكن باعتباره أحد محركات النمو المستدام. فتمويل الفئات المُهمّشة والأضرار المناخية ليس عبئاً، إنه فرصة استثمارية لتوسيع قاعدته السوقية وتعزيز أثره الاجتماعي والاقتصادي والتنموي في آن واحد.
رابعاً: التحوّل من منطق الربحية السريعة إلى منطق القيمة طويلة الأجل، بإعادة تعريف النجاح المصرفي ليشمل أهدافاً مثل خلق فرص العمل، ودعم سلاسل القيمة المحلية، وليس فقط تعظيم العائد على حقوق المساهمين في الأجل القصير. وهذا يستدعي إعادة النظر في مؤشرات الأداء المُعتَمَدة داخل المصارف الإسلامية لتشمل مؤشرات الأثر التنموي والاجتماعي إلى جانب المؤشرات المالية التقليدية.
خامساً: إعادة بناء العلاقة مع الجهات التنظيمية والرّقابية على أساس تشجيع الابتكار التنموي، بحوافز رأسمالية وتنظيمية لصيغ المشاركة والاستثمار طويل الأجل.
سادساً: تفعيل دَور هيئات الرقابة الشرعية، ليتعدّى إجازة الصيغ شكلياً، وليَشمل تقييم مدى اتساق نماذج الأعمال مع مقاصد الشريعة في التنمية والعدالة وتقاسم المخاطر، بما يَحُول دون الانزلاق إلى الحيل الفقهية التي تفرغ الصيغ الإسلامية من مضمونها، وتجعلها محض نسخة شرعية من النظام الربوي.
ختاماً، إن مستقبل المصارف الإسلامية مرهون بقدرتها على تجاوز منطق البديل الشكلي للفائدة والعودة إلى روح الشريعة ومقاصدها الاقتصادية، بحيث تصبح بالفعل رافعة للتنمية وعدالة التوزيع، لا مجرد نسخة مختلفة في الشكل عن المصارف التقليدية.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم
الرئيس التنفيذي لشركة الإبداع للتمويل متناهي الصغر بمملكة البحرين، والمحافظ الأسبق لبنك السودان المركزي