أتر

كرّاس الجَرورة في رمضان: عندما تتحوَّل المائدة إلى حساب مُؤجَّل

«الحياة أصلاً ماشة بالدين»، هكذا ابتدر المواطن بالولاية الشمالية محجوب سعد الدين حديثه لمراسلة «أتَر»، قائلاً إنّ الدَّيْن أصبح جزءاً من حياته الشهرية، مُشيراً إلى ديونه التي بلغت 600 ألف جنيه لمُجابهة استعدادات رمضان، وقد استطاع أن يُسدِّدَ جزءاً منها بعد مرور خمسة أيام من رمضان، على أن تتحسَّن أوضاعه ويُسدِّد ما تبقى لاحقاً. ويضيف أنه استدان من تاجر أوانٍ وصاحب بقالة وصيدلية، عازياً الأمر إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الدخل الكافي، فضلاً عن أن ظروف النزوح من الخرطوم إلى الشمالية جعلت متطلباتهم أكثر.

قبل يومين من حلول شهر رمضان، ذَهَبَ الموظف الحكومي جعفر عباس من ولاية سنار إلى سوق سنار، لشراء مُستلزمات رمضان لأسرته المُكوَّنة من ستة أفراد، وراتبه لا يبلغ الـ 50 ألف جنيه، ويتلقَّى مُساهمتين من أقربائه بالداخل والخارج لإعالة أسرته. يقول جعفر لمراسلة «أتر» إن الأسعار هذا العام قد التهمت جيبه، إذ لم يَستطع أن يأخذ احتياجاته، ويضيف أنه أجرى حساباً بسيطاً قبل الشراء، فاقتصر على الأساسيات التي لا بد من شرائها نقداً مثل اللحوم والزيوت ومكونات العصائر البلدية والبقوليات. واستغنى عن شراء الأواني المنزلية لأنه يعدها أمراً ثانوياً. وتابع: «في السوق الكبير الدَّيْن مكروه، لذلك أتممتُ ما تبقى من ضروريات رمضان بالاستدانة من بقالة الحي، بحسب المُتَّفق عليه معه، على أن يجري التسديد بعد العيد مباشرة».

وفي سوق سنار، يقول تاجر الأواني المنزلية حمدي يوسف، إن الإقبال على الأواني يزداد في رمضان، لكن هذا العام ارتفعت حركة البيع أكثر مقارنة بالأشهر السابقة، وقدَّرَ نسبة البيع بالدَّيْن بأقلّ من النصف، مُرجعاً أسباب ذلك إلى تغيُّر الظروف الاقتصادية للمُواطنين، وقال إنّ مُتوسّط الدَّيْن للأُسرة الواحدة يَبلغ حوالي 120 ألف جنيه، مؤكداً أنه لا يَضَعُ سقفاً مُحدَّداً للدَّيْن، لكنه لا يَمنحُه إلا للمعارف ومن يثق بهم.

وأضاف أن الديون ألحقت به خسائر من قبْل، لأنه يَجلب بضاعته نقداً، بينما يتأخر السداد. ومع تذبذب الأسعار يَفقد مبلغُ الدَّين جزءاً من قيمته وتنخفضُ قدرتُه الشِّرائية عند السداد، لافتاً إلى أن الأوضاع قد تغيَّرَتْ بعد الحرب، إذ كانت هناك شركات تُسهّل عمليات التوريد سابقاً، أما الآن فالتعامل نقداً وبالحجز المُباشر من مدن مثل عطبرة ومدني.

ويؤكد حمدي أن أكثر السّلع شراءً بالدَّيْن تَشمل الخلاطات، والأواني البلاستيكية، والأطباق الزجاجية، مُشيراً إلى أن وجود النازحين الذين لم يتمكَّنوا من العودة ساهم في زيادة حجم الدِّيون.

في المُقابل، امتنعَ تاجرُ المواد الغذائية بسوق سنار محمد إسماعيل عن البيع بالدين هذا العام، موضحاً أنّ بعضاً من تجار السلع الغذائية اتخذوا القرار نفسه، وأرجع الأسباب إلى تذبذب أسعار الصرف وعدم استقرار الأسعار، إضافةً إلى التزامات الزكاة والصدقات التي يتحمَّلُها التجار، ما يجعل البيع بالدين مخاطرةً قد تُؤدّي إلى خسائر مُباشرة.

يقول وليد صلاح، وهو مُغترب في المملكة العربية السعودية، إن رمضان يفرض عليه واقعاً مالياً مُختلفاً، خاصة فيما يتعلَّق بالتحويلات الشهرية من الخارج عبر التطبيقات البنكية. وأضاف: «الأسرة تُحدِّدُ احتياجاتها شهرياً، لكن في رمضان يختلف الوضع لأن الالتزامات تتضاعف، وهناك مديونيات سابقة بجانب شراء حاجيات الشهر، لذا غالباً ما تكون تحويلات رمضان مُضاعفة مُقارنةً بالشهور العادية».

«أُرْسِلُ الضِّعفَ في شهر رمضان نسبة لزيادة احتياجات الشراء»، يقول وليد في حديثه لمراسلة «أتر»، ومن ثم يضيف أنه مرَّ بتجربة استدانة في بلد الإقامة لتغطية التزامات أسرته: «استدنتُ لأُحوِّل للأسرة، ومن بعدها وضعتُ احتياطات لتفادي الموقف». ويواصل: «الديون غالباً ما تمتدُّ إلى الشهر التالي، لأن ميزانية رمضان مفتوحة، وإذا استقبلت الأسرة ضيوفاً أربع مرات في الشهر فهذا أمر مكلف مادياً، لكننا في الوقت نفسه نسعد بقدوم الضيوف».

في القضارف، يقول التاجر القطاعي محسن أحمد حمد النيل، إن الديون في بداية رمضان كانت عادية تسير بوتيرة ما قبل رمضان ذاتها، لأن المواطنين يكون لديهم بعض المدخرات من رواتبهم الشهرية، لكن بعد مرور خمسة أيام فقط من شهر رمضان بدأت وتيرة الديون في الارتفاع على نحو ملحوظ.

ويضيف أن المدينين عادوا بعد الأيام الأولى ليأخذوا أضعاف ما أخذوه في البداية، مُشيراً إلى أن السُّكّر والزَّيت والكركدي والبن كانت أكثر السلع شراءً بالدَّيْن، بينما يَحرص المواطنون على شراء احتياطي البصل والفحم بالجوال قبل دخول رمضان، لأنها أكثر السلع استهلاكاً وزيادة في الأسعار.

في ولاية الخرطوم، تَروي المواطنة سارة إبراهيم من شرق النيل لـ«أتر»، أن ضعف الشبكة البنكية ونقص السيولة أجبرها على الشراء بالدَّيْن، رغم توفر رصيد في حسابها، بينما تستدين مرَّات قليلة لنفاد ما لديها من كاش، وتوضح أنها تُسدِّد ديونها أسبوعياً أو شهرياً، مُشيرةً إلى أنها ليست وحدها، إذ اضطر عددٌ من المواطنين الذين يُعانون من ضعف الشبكة وانعدام الكاش إلى التعامل بالدَّين، ووصفته بالوضع الاضطراري.

ويُخبر العم إدريس وهو صاحب بقالة مواد غذائية في كسلا مراسلة «أتر»، أن حركة البيع مقارنة بالأشهر السابقة، قد ارتفعت لأكثر من 50% مقارنة بالفترات السابقة، مع طلب عالٍ على السلع اليومية. ويشير إلى أن البيع بالدَّين ليس الأعلى، لكنه زاد كثيراً مقارنة بما قبل رمضان، لافتاً إلى أن أعطال التطبيقات البنكية تتسبب أحياناً في شلل مؤقت للسوق، ما يَدفعهم للبيع بالدَّين الذي لا يكون إلا للزبائن المعروفين، مؤكداً أن السكر وعصائر البدرة والعصائر البلدية والبلح والبصل والدقيق ولبن البدرة من أكثر السلع شراءً بالدَّيْن.

وبينما يُحاوِلُ التّجار، مثل العم إدريس في كسلا، وضْعَ سقفٍ لا يَتجاوز 250 ألف جنيه للدَّيْن حفاظاً على رأس المال؛ يظلُّ غلاف الكراس مفتوحاً للفئات التي «يعلم حالها» كما يقول.

هذا التوازن الهش بين الرحمة والمخاطر، يَعكس واقع السوق الرمضاني، فالتاجر يخشى خسارة ماله، والمواطن يخشى عجز مائدته، وبين الاثنين تتحوَّل دفاتر البقالات من صفحات حساب إلى مساحات تضامنٍ اجتماعي مُؤقّت قد تنتهي بسدادٍ بعد العيد، أو تمتدُّ ديونها إلى أشهر أخرى مستقبلاً.

Scroll to Top