منذ قرابة اثنتين وعشرين سنة غاب عنا القاصّ والكاتب زهاء الطاهر. يقول عنه رفقاؤه إنه كان نجماً يحبّ الحياةَ والناسَ وفنّاناً مبدعاً، كانت حياته تنضح بالحكايات، وقصصه المنشورة تغوص في ثنايا النفس البشرية، وتختزن الثقافات المحلية في السودان. هذه تذكرة وتحية لروحه.
بذوق، وبكُلِّ رزانة، وبعد أن رَشَفَ من كوب العصير أمامه رشفتَيْن، كعصفور على موعد، وضعَ الكوب على طرف المنضدة. ونظر إليَّ. شَغلتُ نفسي عنه، ومضيتُ ألوك شيئاً ما في فمي وتشاغلتُ، أيضاً، بفكّ رباط حذائي في مَهَل. وما كنتُ أنظر إليه، أو إلى أيِّ شيءٍ غيره. قال لي حاسماً: ستأتي معي. لم أتجاوب مع قوله، ولو بالظاهر. وذهبتُ أحلم، وكنت أجيد ذلك. أذكر أن صديقاً مُتعجرفاً رسمني ذات مرّةٍ مُغمَضَ العينين، ورسَمني مجدوع الأنف. وأثبَتَ رسمي في وقاحةٍ، وفي ركن لوحته الأيسر بيتاً رديئاً من الشعر، قاله القائل بمناسبة خروج الإنقليز من السودان. ستأتي معي. مرة أخرى جاءني صوتُه، نظرتُ إلى كوب العصير أمامه، وأجبتُه بصوتٍ أسيان، ودقيق: كلّا. كنتُ أُعيد ربط رباط حذائي. قام متثاقلاً. ولم يتجرَّع عصيرَه الباقي كما توقَّعت. ولم يقل شيئاً، ولم نتبادل أيَّ نظرة. وبمجرد أن تركني أخي وحدي، بصقتُ ما كنت ألوكُه، وقمت أغلقُ الباب، ورجعت أدراجي. بحثتُ بإلحاح في جيوبي عن شيءٍ صغير أحتفظ به. وأخيراً وجدته، انطلَقَتْ أساريري فوضعتُه بالقُرب من كوب العصير على المنضدة وأنا أنظر إليه. أخذتُ جزءاً يسيراً منه ووضعته على كفّي اليسرى، وبسبابتى اليمني وإبهامي بدأت أفتِّتُ ذلك الجزء من الشيء. ومن تحت الوسادة أخرجتُ علبة سجائري. التقطتُ منها سيجارة، فعرَّيتُها من كسائها الأبيض وجمعتُ ما فيها من تبغ، وطرحتُه على كفّي اليسرى، ثم دهستُه بأوسط أصابع يدي اليمنى، ومزجتُ التبغَ بقليل من ذلك الشيء الذي أخرجتُه من جيبي، ثم كسوتُه بورقة صغيرة، شفَّافة، بيضاء، ووضعتُها على شفتي، وأشعلتُها وبدأت أمجُّ منها في تلذُّذ، والخدر يمشي حَروناً بين أطرافي. ضاقت عيناي، وثقلتا، بردَتْ أطرافي. خفق قلبي في عجلٍ أوَّلَ الأمر. ثم هدأ، وبدأ يعمل في خفوتٍ، ففتحتُ نافذة الحلم. أخي، «السِّر»، جاء من حيث لا أدري ليُنقذني، كما قال. ها، ها، انظر للإخوان المُنقذين، الإخوان الفارغين! يقول بأن عليَّ أن أُقلع عمّا أنا فيه. أمَا يَدعُني لحالي هذا المعتوه؟!
وتجرَّأ، لمّا رآني صامتاً، أن يقول بأني أكبر الأسباب التي تضافرت حتى أودَتْ بأبي. ولأنّ أبي اهتمَّ لأمري، قضَّ هذا مضجعه فاغتمَّ حتى مات. ثم أشار «السِّر» بوضوح ومن غير مواربة، بأن المرأة التي معي هي سبب كلّ شيء. ليعلم «السِّر»، أو غيره، بأني لن أتخلَّى عن «رجبيِّة» حتى لو تخلَّى هذا الكون عن سخفه، لن أتخلّى عنها، وليعلم هذا العَيِيِّ. ثم بربك كيف أتخلّى عنها وهي الآن أمٌّ لطفلي؟! إخوان هذا الزمان مثل آبائهم، وآباء آبائهم، يُثيرون الكثير من الضحك والشفقة أيضاً. آه، لو أنه رآها معي، كيف يجدها؟! سيجدها مُلتصقةً بي كجلدي، تمدُّ لي من حين لآخر لُفافتي التي تتساقط من بين أصابعي. سيجدها كمهر وفرس. وهي أحياناً تُقاسمني دخاني، فتمجّ، وتمجّ حتى تستحيل إلى صهيل، وما أجملها ساعتئذٍ! تركض عيناها ورائي حتى ترى أحلامي. أسألها كيف ترينها؟! تهزُّ رأسها يميناً وشمالاً، وتهيم في الملكوت على أرجوحة اللّذة. «السِّر» لا يعرف ذلك، ولا أبي الذي قال إنه مات. بدائرة عملي حين قالوا إنني غير متجاوب حتى لحدٍّ أدنى، تركتُ لهم العمل، كما أن «رجبيَّة» أقسمت على أن لا أعود لكيلا أهين نفسي. أضافت أن أمر معيشتنا يمكن تدبيره بأيِّ صورة. ضحكت « رجبيَّة» وهي تقول ما قالت، وطفلنا يحبو لدى جدته؛ لكن ما بالها تأخرت هكذا؟ قالت إنها ذاهبة لترى أمها والطفل، وقد تأخّرت كثيراً. حين تأتي سأحكي لها عن «السِّر» أخي، وكل ما قاله. ولو أنني قلت لها بأن «السِّر» يرى أنك السبب الأول والأخير في موت أبي، ستضحك حتى يبتلعها السعال. يا إلهي! سيجارتي نسيتُها، فسرحتُ حتى انطفأت. سأُشعلها العاهرة مرةً أخرى.
«السِّر».. أحقاً تريد إنقاذي كما تدَّعي؟! إذن، لِمَ تقاعستَ عن إنقاذ والدك، حين أتاه الموت من فوقه ومن أسفل منه؟! وهذه السنين اللعينة التي حاصرت أمك، وأحاطت بها، لِمَ لا تنقذها المسكينة أمك؟! أم ماذا بربك تبغي السنين منها حين تجمَّعت حولها هكذا غير حملها المسكينة عالياً عالياً لتقذف بها للآخرة، لتُلحقها بأبيك؟! ها، ها، اللعنة! من الذي يطرق الباب بهذا العنف، وبلا ذرَّة ذوق؟! لأفتح له. قمت. فتحت الباب. لم أرَ أحداً. تلفَّتُ يمنةً، وتلفَّتُ يسرةً، لكن لا أحد. وصرخت بغيظ: من هناك؟! ومِن الظلام، من عمقه، جاءني صوت أبي: إنه أنا. وصرخت به أيضاً: أأنت؟! أجابني أن نعم، ثم أردف متسائلاً: ماذا في هذا؟!. لا شيء يا أبي. وجلس قبالتي حين دخلنا. وسألت بدوري: أبي كيف حالك؟! أبي لماذا تتلصَّص هكذا بنظراتك؟! وهمستُ له: أبي قيل بأنك قد مت! فكيف استطعت المجيء؟! أخدَعْتَهم؟ نظرتُ إلى أبي بجنب وجهي الأيمن، وسألته: أتُدخِّن هذه، يا أبي؟! ومددتُ له باللفافة، فتناولها وهو يقول لي: لا بأس في مثل هذه الظروف. وتبادلنا الابتسام. ولكن قل لي يا أبي، كيف مت؟! تنحنح وأجاب: أمك «كلثم» كانت جالسة بالقرب مني، وكنت مستلقياً على ظهري، تلك العشية، فرأيتُها تحدق فيّ. سألتها: لماذا تنظرين هكذا يا كلثم؟! لم تُجبني. ولم تُحوِّل عينيها، فتركتها. وعدت أحدق في المساء. فرأيت ملاكاً مهيباً قادماً من السماء حتى استقرَّ ما بين أمك وبيني. مددتُ كفي لأصافحه، هزَّ رأسه نفياً، قال إنه جاء ليتسلَّم الأمانة لا غير. قلت له: دعك من هذا الهراء، ثم سألتُه ماذا يعني بالأمانة؟! أجاب: إنه يعني أخذ روحي. آه، ولماذا روحي أنا دون سائر الناس؟! قال إنه سيأتيهم في حينه، سيأتيهم فرداً فرداً. أما الآن فالدور دوري. وأنا قلت له لا مانع لدي. فقط ليمهلني بعض الوقت لأسوي بعض أموري في هذه الدنيا قبل مُبارحتها. رفض أول الأمر، ألحَحْتُ عليه حتى أدخلت دموعي، فوافق على مضض. قال لي: ستتظاهرُ بالموت أمام الناس حتى يدفنوك، ويُهيلوا على قبرك التراب. وسآتي ليلاً لإخراجك، وستُسوِّي أمورك بعد ذلك. قال لي إن ما سأقدمه لك سيكون سرّاً ما بيني وبينك. أخذوني إلى المقبرة، ودفنوني في عجل، ولا أنسى أبداً اللئيم خالك آدم. فبعد أن تمّ دفني، استطعتُ أن أثقب الكفن لأرى من خلاله. وأوجدتُ لي ثغرة في القبر لأرى الذين شيّعوني، رأيتهم جميعهم رجعوا، وبعدوا بعض الشيء، إلا خالك آدم، الذي انبرى وانحنى، آخذاً له حجراً من الأرض، ثم قذف به قبري. ونازعتني نفسي في أن أشقَّ الكفن، وأخرُج له من قبري وأُلقّنُه درساً من الأموات لن ينساه أبداً، وكنت سأفعل ذلك لولا الملاك الطيب، فكتمتُ غيظي، وبقيتُ في قبري. حتى جاء الملاك هذا المساء، ففتح لي، وأخرجني وتراني ها أنذا أتيت تواً من حدود الآخرة.
سألت أبي مبتسماً: قل لي، متى ستموت حقاً؟! أجابني بأن ذلك ربما بعد عامين، بعد ألفين. لكنك بذلك تكون قد خدعت الملاك الطيب يا أبي؟! مجّ أبي من اللفافة حتى سعل، فاحمرَّت عيناه. وحين أراد أن يُناولني عقبها، قال لي: سأدعو ذلك الملاك للنّزهة معي ذات مساء، وقبلها سأقول لـ«رجبيّة» أن تُهيِّئ لنا ساعاتٍ حالمة. وقاطعتُ أبي متسائلاً: أأنت تعرف «رجبيّة»؟! أتقول بأنها كانت زوجتك، أيها الرجل الكاذب؟! أيها الرجل الميت؟! وصرخ أبي أيضاً في غضب: أنت أيها الداعر، الخائن أتزني بزوجة أبيك، حتى تستولدها؟! وصرخت: لستَ بأبي، ولا أعرفك، فأنت رجل لا تصلح في الدنيا، ولا في الآخرة، ففي الدنيا تخدع «رجبيّة»، وفي الآخرة تخدع الملاك. أنت طالح. رجل طالح. قام أبي هائجاً، حاملاً بيسراه زجاجة يريد تحطيم رأسي بها، فأخرجت من جيبي مديتي، وسددتها في عنقه فأرديته. مات هذه المرّة بدون لفٍّ ولا دوران، انظر كيف جحظت عيناه! ترى أين أدفنه؟! ليتك لو جئتِ يا «رجبيّة» كي تساعدينني في دفنه. جلست. طرق الباب. كان «السِّر». فصرخت في وجهه: اغرب عن عني، ما الذي أتى بك؟!
وبعنفٍ أزاحني جانباً، ودخل. رأى والده مضرجاً في دمائه. نظر «السِّر» إليّ. أخفض رأسه كي يُمعن فكره. لم أتح له التفكير، فأخرجت مديتي وما إن رآها حتى استدار نحو الباب، وهرول. لم أتركه، تبعته ومديتي في يدي. كان صامتاً أول الأمر، ثم بدأ يصرخ ويستغيث. وكنت أضحك وأصرخ فأملأه رعباً.. ولمَّا لم أستطع اللحاق به، بدأت أسدِّدُ مديتي في لحم كل من ألاقي، ووجدت نفسي مُكبَّلاً. وقف قبالتي أحدهم، ولكم كان طويلاً حادَّ النظرات! سألني: كيف أحوالك؟ سألته عن «رجبية»: أماتت هي الأخرى، أم أن الإنقليز عند خروجهم أخذوها معهم؟! نظر إليّ الرجل ذو النظرات الحادّة، وابتسم. فبكيت. قال لي: لا تبكِ. ألا تعرفني؟! قلت: كلّا. قال: أنا ابنك. وقد جئت فقط لآكلك. نظرت إليه، وأغمضتُ عينيّ. تحسَّسْتُ جيبي، لم أجد مديتي. كأني ابتسمت. قبيل أن أفتح عينيّ من جديد لأرمي بهما على صحيفة ابني المُلقاة تحت قدميه. رأيتُ صورتي. التقطتُ الصحيفة، وقرأتُ تحت صورتي أن بعض الأهل، وعلى رأسهم خالي آدم ينعونني بمزيد من الأسى، ومن كلِّ شيء. سألت ابني الذي كان ينظر إليّ: اصدقني يا ابني أأنا ميت؟! ولمَّا لَمْ يجبني في المرتين انخرطتُ في بكاء مرير، وأنا أقول له في أسى: هيا، لتأكلني يا ابني، تقدَّم فلحمي ما زال طاعماً.
نُشرت بملحق جريدة الخليج الثقافي 11 يناير 1988
زهاء الطاهر: قاص وكاتب وصحافي من مدينة الأُبيّض غرب السودان، اشتغل في عدة وظائف حكومية ثم هاجر إلى دولة قطر وعاد إلى السودان. عمل صحافياً بجريدة «الشرق القطرية» ومحرراً ثقافياً بصحيفة «الخرطوم» في السودان. توفي في 25 مارس 2004، عن عمر يناهر 55 سنة. وتضمّ أعماله مجموعات قصصية وروايات منشورة وأخرى غير منشورة، منها: ليلى والجياد، وجه جالا يتجلى، كتاب المراثي والشجن، وين يا حبايب، المناديل، زمن الوردة، زمن الندى.
ملحق:
القصة القصيرة عند زهاء الطاهر والنصّ المفتوح في مجموعة «وين يا حبايب»
بقلم: عز الدين ميرغني
«إني أعرف كيف أقصّ الموضوعات الكبيرة بإيجاز».
أنطون تشيكوف
تتسم نظرية الأجناس الأدبية بأنها وصفية، وليست معيارية قياسية. وهي، بحكم وصفيّتها، قابلة للتطوّر والتقلّب في أشكال غير متناهية وغير محدودة. وينطبق هذا على القصة القصيرة أيضاً. إنّ لها القابلية على هضم الأجناس الأخرى واحتوائها وقبولها بشروطها هي. وهذه الشروط، تجعلها تحتفظ بخصوصيتها ومن ثمّ استقلاليتها عن الأجناس الأدبية الأخرى. ونصوص القاصّ الراحل زهاء الطاهر خير مثال على هذا الانفتاح وقبول الأجناس الأخرى؛ نصوص واثقة بانتمائها إلى جنس القصة القصيرة، لأنّ زهاء امتلك أدواته السردية، ومنها لغة القصة المُكثّفة والمُقتَصدة والمُوِصِلة للمعنى. وقد مازج في هذه النصوص بين شكل القصة القصيرة ونماذج أدبية أخرى. وكثيرٌ من نصوصه، بخاصة في مجموعته القصصية «وين يا حبايب»، تكْمُنُ مرجعيَّتُها بداخلها. وهو قد اقترب في هذه المجموعة كثيراً من مصطلح «النص المفتوح» أو «النص الحُرّ»، الذي يَترُكُ لقارئه الحُريَّة في تجنيسها وتوقيع بطاقتها النوعية، ويفتح له آفاقاً من الدلالة والتأويل. وقد تجد في بعض النصوص غياباً للحدث، أو الصراع بين متضادّين، وغياباً لمعيارية القصة القصيرة التقليدية وشكلها، إنما يسند الكاتب البطولة للشخصية المسرودة وفقاً لوجودها في الواقع الذي تعيش فيه حتى ولو كانت نافرةً ومستوحشةً ومُنفردةً بذاتها عن غيرها. وفي هذه النصوص، يُفجّر القاصّ زهاء الطاهر العلاقة بين الدالّ والمدلول، ويَجعله هو الصراع والحدث الخفيّ في النص. وهذا الصراع الخفيّ هو الذي يُتيح للنصِّ أكثرَ من قراءة، وأكثرَ من تأويل، ويَجعلُهُ واسعاً وله أكثر من نافذة ومن مدخل. وقد استوعبت هذه النصوص المفتوحة شعريَّة اللُّغةَ القاصَّة، وتجسيد الشخصية وتجريدها حسب موقفها وواقعها الذي تعيشُ فيه. وللّغة عنده وظيفتها الأدبية العاطفية التعبيرية، فضلاً عن وظيفتها في الاتصال اليومي.
ورغم توظيفه لضمير المُتكلّم في أغلب نصوص هذه المجموعة – وأحياناً تكون «أنا» الكاتب الشخصية واضحة – فقد حاول القاصّ أو السارد أن يجعله محايداً وراوياً فقط، وليست مُشارِكاً في الأحداث، وهو نوع من التجريب، وذلك بتحويل النّظام الدلالي الخاص إلى النّظام الدلالي العام، الذي يُشارِكُ فيه القارئ مع واقع الشخصيات المحكيّة داخل النص.
تَظهر شخصيات مجموعة «وين يا حبايب»، وعلاقتها مع «راويها العليم»، في صورة لقطاتٍ مُعمَّقة في تجسيدها للمرويّ عنه، فتُصبح شخصيات مُشوّقة ومُحفّزة «تحفيز الشخصية». وسوف تتساءل إزاءها: كيف كان ماضيها؟ وكيف سيكون مُستقبلها؟ موظِّفاً بذلك «تقنية القطع»، وهي من تقنيات القصة الحديثة التي تأثّر بها جيلُ القصة القصيرة في السودان والعالم العربي في السبعينيات. فهو يقطع السرد، ثم يعود إليه، وهو ما يُسمّى «تحفيز المُتابعة». ومن هذه المُتابعة، يُصبح المتلقّي جزءاً من النصّ، وتتعمّق الشخصية بداخله فلا يَنساها أو يتجاهلُها. والقاصُّ الجيّد لا يُفلت منه خيط السّرد ولا يَتوه، إنما يُغيّر المسارَ السرديَّ كسراً للملل والرتابة.
وكما تقول مدارس النقد الحديث، فإنّ القاصّ الجيد هو الذي تتأثّر نصوصُه بالبيئة التي يَعيش فيها بجميع جوانبها الثقافية والاجتماعية. وفي «وين يا حبايب» يُمثّل زهاء الطاهر قلقَ العصر الذي يعيش فيه ورتابته وكآبته، ورغم ذلك لم يلجأ في نصوص هذه المجموعة القصصية إلى الغموض الذي يهرب به البعض من واقعهم الرّتيب الكئيب، إنما كتب القصة ذات السياق الذي يُحرّك شخوصه، تاركاً هذه الشخوص لقدَرَها، الذي يضع نقطة النهاية، وغالباً ما تكون نهايةً حزينةً يَكتبها القدر؛ ورغم وجود نصوص فيها تخضع لقوالب القصة الكلاسيكية، لم تشهد أيٌّ منها صراعاً تقليدياً ذا نهاية خيرّة أو شريرة.
في هذه المجموعة، طوّع زهاء الطاهر لغة القصّ والسرد ومخزونه الخاص منها، في التجريب والتجديد، موظِّفاً اللغة التيّارية، لغة «تيار الوعي»، لغة النجوى الداخلية والهيام باللحظة الزمكانية، و«فنّ الاقتناص»؛ اقتناص اللحظة الإنسانية، بلُغة أقرب إلى لغة الهيام الصوفي، والتي تَجعل شخوصَه مُعرّاة من الداخل أكثر من مظهرها الخارجي. وهذا الخارج هو انعكاس للداخل، وقد كان زهاء محلِّلاً عميقاً لتلك الشخصيات، دون مُبالغة في تجسيد العيوب أو المحاسن. وشخصياته مقنَّعة بتصرّفاتها، وهي تصرّفات موجودة في المجتمع، وليست شخصيات ورقية أو وهميّة، وإنما هي شخصيات واقعية بخيرها وشرّها الموجودَيْن في النفس البشرية. وحتى الشريرة منها، أو المُعاقة، لم يسخر منها أو يَزدريها أو يُشهّر بها. إنها شخصيات نضحك منها، ولا نضحك عليها.
تقوم أغلب نصوص «وين يا حبايب» على المزج بين الإيحاء والخاطرة المسرودة، والسيرة الغيرية المُقتصدة، ولكنها كانت عميقة في تجسيدها المحاسن والعيوب البشرية؛ وبهذا التجسيد أفلح زهاء في التقاط شخصيات غير عادية في الواقع المجتمعي الذي توجد فيه؛ بل وجسّدت حتى الزمن، بخاصة في قصة «الزمن السَّمْهَري»، وجعلت للمكان طعمه ورائحته، مع سريالية خفيفة يكسر بها رتابة السرد التقليدي، واتصال المقدّمات بالنتائج. وقد وظف الكاتب انفعالاته في سرده باندفاع تلقائيّ طبيعيّ، مُستفيداً من مخزون الذاكرة لديه وثقافته المكانية. وهنا استخدم تقنية ما يُطلِقُ عليه النقد الحديث «البعثرةَ المنهجية للسّرد». وبهذا قامت القصة عنده على بنية الكلمة والجملة الخبرية.
كتب القاصّ زهاء الطاهر أغلب نصوص هذه المجموعة تحت مظلّة «القصة الواقعية»، لكنه تجنّب المعيار التقليدي في ماعونها السردي: (عَرْض، نموّ، وحدة أثر، صراع، حيل قصصية، تقنية الحدوتة)، كي يُرضي القارئ العادي؛ وفضّل أن يلجأ إلى اللاشكل، لذا قامت نصوصه على مُكوّنات الذاكرة والحلم معاً، ومن كتّابها الكبار كافكا ومارسيل بروست. ومن أدوات هذه الذاكرة، استخدام ضمير المتكلم، والأنا تتجاوب مع غيرها بتقنية السّرد التناوبي: «جلستُ إليه ليحكي لي مرةً أخرى». تسليم وتسلُّم.
ولغة النصوص بعامّة هي الفصحى، لكن زهاء استقى من بيئة شخصياته بعض المفردات والأسماء الكردفانية، مثل «أم دسيسة، أب سكاسك، بتّ الدُّخري، وأب تفّة، وعيال البقس». ولغة الحوار هي لغة التواصل اليومي للمكان، ممزوجة بالفصحى «الحمريطي، آدم طلع البرنجي، الرجال المصَنْقرين في ضلّ الراكوبة»؛ لذا فإن قصصه لوحات تشكيلية تستمدّ مادتها من البيئة المحكية. «كان يتقافز أمامها كدَعُول الخريف المربرب»، بهذه اللغة ضاقت المسافة الجمالية بين القارئ وأغلب النصوص. وكما يقول القاص الفرنسي أندريه جيد: «يجب على القاص أن لا يحكي حكاية مباشرة، بل يجب أن يعرضها من زوايا مختلفة، مع التحوير، وإشراك القارئ في تكملة ما يقرأ».
مزَجَ الراحل القاص زهاء في «وين يا حبايب» بين الواقعية والرومانسية. يظهر ذلك في تضخيم الأنا، إذ إنها تبكي أحياناً على الماضي الجميل الذي ولّى ولن يعود، وتَستحضر المكانَ الجميلَ الذي كان فيه السحاب، والمطر، واللون الزرعي، والسهول والوديان الممتدة؛ والزمان فيها يجمع بين الواقع والخيال، والماضي والحاضر، في مُحاولة منها لصنع العالم، برؤية جديدة وبزمان مختلف، وأن يعود لنا جميعاً زمن البراءة الأولى.



