«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية الفنانة مروة الدولية
شهد الدكتور أشيل مبيمبي على العنف الساكن في «دولة ما بعد الاستعمار»؛ قضيّته الأولى، من موقعٍ أسَريّ، وربما تفسّر هذه التجربة استقبالَه الورطةَ الاستعمارية بمثل الحميمية الجسمانية التي قرّظها عند سوني لا بو تانسي. وانشغل أول ما انشغل في أكاديميّته بما أصاب بلادَه الكاميرون من ثقل الوطأة الاستعمارية، وهي البلاد التي مرّت بأكثر من يدٍ استعمارية، كلٌّ فعلَت فعلَها في بنائها الاجتماعي والسياسي، وخلّفَت قروحاً صارت كمداً وحدوداً ومشاريع سياسية كارثية. وتجد القارئة تطويقاً مفهومياً لهذا العنف الحميم في فصول كتاب مبيمبي «من الليل البهيم: مقالات حول فضّ الاستعمار» (دار جامعة كولومبيا، نيويورك، 2021)، ومن أحسن معانيه هذا التصوّر، من عُملة المرحوم صلاح أحمد إبراهيم: إذا كان مِن مغزىً لفضّ الاستعمار فمغزاه الفلسفي هو إرادة الاجتماع؛ إرادة مجتمعٍ ما للحياة، الإرادة التي يتحقّق بها هدفٌ مشترك، يستوي بها مستضعَفون على الاستقامة ويصنعون التاريخ. صدّر الدكتور أشيل مبيمبي فصلَه الثريّ هذا باقتباسٍ من هيغل؛ الاقتباس الذي زَقَل به هيغل أفريقيا كلها خارج التاريخ زقلة واحدة:
«يصعب إدراك الطابع الأفريقي الخاصّ، لأنّ شرط ذلك التخلّي عن المبدأ الذي يلازم بالضرورة كلّ أفكارنا: حّيز الكونية. والواقع أنّ النقطة الأساس في الحياة الزنجية أنّ الوعي لم يبلغ المقام الذي يتحقّق معه لهذا الوعي أيُّ وجود موضوعي يستحقّ الاعتبار كمثل الله أو القانون؛ وجود موضوعي تُداخِله إرادة الإنسان ويحقّق عبره نفسَه. فلا يميّز الأفريقي في العادة بين شخصه كفرد وبين كونية وجوده، ولم يدرك هذه الوحدة بين بُعده الفردي وبُعده الكوني؛ ولذلك تُعجِزه معرفة موجود متعالٍ أو موجود أعلى من شخصه الخاصّ. ويكشف الزنجيّ في حقيقة الأمر عن الإنسان الطبيعي في كامل توحّشه وبرّيته. وإذا أردنا حقاً إدراكه فلا بدّ أنْ نضع جانباً كلّ تبجيل وأخلاقية، فلا أثر لهما. ولا يوجد في هذه الدرجة من البشر أيّما صلة متناغمة والإنسانية».
سَدّ هيغل بهذه الأضغاث باب التاريخ في وجه أفريقيا الأفريقية، في اعتباره، واستبدَل التاريخ بفانتازيا الشهوات. أفريقيا عنده «أرض الذهب المنغلقة على نفسها»، «أرض الطفولة» البشرية، «تحيط بها عباءة الليل البهيم» (ج. ڤ. ف. هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، جورج بل وإخوانه، لندن، 1894، ص 95-97).
لكنْ، إنْ سَدّ هيغل باب التاريخ في وجه أفريقيا، فقد قعَدَ لها هذا التاريخُ كلَّ مقعد، ترصَّدَها وأحاط بها واخترق أحشاءها. وأيُّ مَثل أبلغ من الكاميرون متعدّدة طبقات الاستعمار ودرجاته. بلَغ التجّار البرتغاليون، تحت ولاية فيرناندو غوميز؛ واحد من أعظم تجّار لشبونة في زمانه، ساحلَ الكاميرون على المحيط الأطلسي في القرن الخامس عشر، ونشأ هذا الاسم التّلْتِيقة من اللفظة التي سَمَّى به البرتغاليون أهلَ حوض نهر الووري، مشتقّة من ريو دي كاميروس، نهر القريدس، وجاء تمييز البرتغاليين لهذا النهر من الروبيان الطيني – Lepidophthalmus turneranus – الذي يَغْزُر فيه وينتشر في جبهةٍ ساحليةٍ عبر خليج غينيا. وبهذا التّلتيق، صار الروبيان الطيني الحيوان القشري الوحيد الذي سُمّيت باسمه بلادٌ للناس، وبطبيعة الحال انتحَل غزاةٌ من بَعد البرتغال بعضُهم من بعضٍ، كاميروني وأفتخر! ثمّ نافَسَ الهولنديون البرتغاليين في القرن السابع عشر، وأخذوا مواقعَهم في سلسلةٍ من المحطات التجارية الممتدة عبر الساحل، ثمّ خلَف البريطانيون الهولنديين في القرن الثامن عشر، وخاض كلّ منهم في التجارة الرابحة في الرّقيق، معبرهم إلى الداخل سماسرةُ الرّقيق من زعماء «الدولا»، أهل الساحل الكاميروني.
لم تجد بريطانيا الدولةُ داعياً لإحكام السيطرة السياسية على الكاميرون، وقد صارت للمبشّرين والتجّار البريطانيين على الساحل دولةٌ تخصُّهم مركزُها فكتوريا، ليمبي المعاصرة، التي رفضت الخارجية البريطانية في منتصف القرن التاسع عشر إدراجَها مُستوطنةً بريطانية. احتكر البريطانيون القسطَ الأوفرَ من تجارة الساحل الكاميروني حتى حوالي العام 1860، حين برزت شركتان ألمانيتان منافستان، «وورمان» و«يانتزن وثورميهلن»، هدّدَتا هذا الاحتكار، وأثارتا خشية زعماء الدولا؛ سماسرة المصالح البريطانية في الكاميرون، من نفاذِ شبكةٍ بديلةٍ للمصالح، فتوسّلوا الملكة فكتوريا في خطاب مشهور، بتاريخ 7 أغسطس 1879، وتوقيع الملك أكوا ملك الدولا وأبنائه الأمراء، أن تضمّ الكاميرون تحت جناح الحكومة البريطانية، لكنْ ظلّت بريطانيا تتلكّأ.
«عزيزتي السيدة الفاضلة،
اجتمعنا، نحن خدمك، ورأينا من الأفضل أن نكتب لك خطاباً لطيفاً مُحبّاً نُنبئك فيه برغباتنا. نرغب أن تسود قوانينُك في بلداتنا، ونريد أن نبدّل جميع طبائعنا، وسنطيع كلّ كلمة لقنصلك. بلادُنا كثيرة الحروب، كثير من القتل، وكثير من عبدة الأصنام. ربما تبدو لك هذه السطور قصّةً لا طائل منها. تحدّثنا مع القنصل البريطاني كثيراً عن رغبتنا أن تقوم فينا الحكومة الإنقليزية. لكنْ لم نتلقَّ منك ردّاً، لذا قرَّرنا أن نكتب إليك بأنفسنا. سمعنا أنّ أهل نهر الكالابار (في نيجيريا المعاصرة) صارت لهم قوانين إنجليزية في بلداتهم، وأنهم هجروا جميع معتقداتهم الفاسدة؛ وكم سنسعد لو صرنا مثل أهل الكالابار» (فكتور ت. لو فين، الكاميرون: من الانتداب إلى الاستقلال، دار جامعة كاليفورنيا، بيركلي ولوس انجلز، 1964، ص 20).
لم تستجب الحكومة البريطانية لهذا التوسّل الذي تكرّر بصيغ أخرى من المبشّرين في فكتوريا، ومن تجّار ليفربول ومانشستر ولندن، حتى العام 1882 حين كلّفَت القنصل إدوارد هايد هوييت بدراسة أحوال البلاد، أهلها وملوكها ومواردها وتجارتها، وتجهيز تقرير ضافٍ يسمح للحكومة بأن تقرّر بشأن جدوى هذا الضمّ أو عدمه. طاف القنصل حوض النهر، نهر الكاميرون، وقدَّم تقريره لحكومة رئيس الوزراء غلادستون التي هالَها ما جاء به هوييت من خبر المزاحمة الفرنسية على النفوذ في الساحل وسَعْي الحكومة الفرنسية إلى الفوز بحلفاء من بين الزعماء السماسرة. صادقت حكومة غلادستون بهذا الدافع في نوفمبر 1883 على اقتراح هوييت بإدارة كلّ المنطقة الساحلية التي تشمل سواحل نيجيريا والكاميرون عبر «قنصلية عائمة» وأربعة نواب للقنصل، وعَقْد معاهدات مع الزعماء السماسرة تُلزمهم بعدم التنازل عن الأراضي لمصلحة أيّ قوة أجنبية أخرى إلا ما كان بإذنٍ من حكومة صاحبة الجلالة.
انضمّ إلى هوييت في مسعاه الضابط الأول في أسطول بريطانيا البحري في غرب أفريقيا، الكابتن بروك، القائم على سفينة صاحبة الجلالة أبوال. واتفق الاثنان على أن يطوف هوييت ساحل نيجيريا؛ يجمع من زعماء الساحل عهوداً على الإذعان لسلطان بريطانيا، بينما يقصد بروك باتانغا الكبرى، عند الطرف الجنوبي من ساحل الكاميرون، حيث مستقرّ ملك عظيم، لحثّه على توقيع معاهدة مع بريطانيا بالمحتوى ذاته. بلغ بروك باتانغا، وجاءه فيها خبرٌ، بمكرٍ ألمانيٍّ قريب، أنّ سفينة حربية ألمانية، النورس، في طريقها إلى نهر الكاميرون، فبعث برسول منه إلى زعماء الدولا يطمْئِنهم أن النجدة البريطانية قاب قوسين أو أدنى، بيَد هوييت، فلا يستعجل أحدٌ منهم على توقيع أيّ معاهدات مع الألمان. هذا بينما كان التجّار الألمان في حوض النهر يبشّرون زعماء الدولا بأنّ ألمانيا ساعية لضمّ الكاميرون إلى عهدتها السيادية.
تولّى مسعى التجّار الألمان في الكاميرون قائدُهم أدولف فورمان بهدف التخلّص من سَمْسَرة زعماء الدولا والتوسّع في الزراعة والنقل التجاري البحري بغير وساطة منهم. وتحقَّق له ما أراد، بقرار المستشار أوتو فون بسمارك، زعيم ألمانيا، في فبراير 1884، الذي بعث الدكتور غوستاف ناختغال إلى أفريقيا بغرض تأمين مصالح التجّار الألمان في القارة. أخبر بسمارك في أبريل 1884 الخارجيةَ البريطانيةَ بأن مَهمّة رسوله ناختغال «إكمال المعلومات المتوفرة لدى الخارجية الألمانية في برلين عن أوضاع التجارة الألمانية في الساحل. وهو مخوّل من الحكومة الإمبراطورية الألمانية بالتفاوض مع الأطراف المعنية حول قضايا بعينها». مثّلت هذه الخطوة تحوّلاً مفاجئاً في أولويات المستشار الألماني، من الزهد في الاستعمار إلى اشتهاء ثماره، حتى سُمّي هذا التحوّل في تاريخ الاستعمار «انقلاب بسمارك»، الذي سبق وشبّه المستعمرات بفرو السمور النادر على ظهور نبلاء بولندا المُعدَمين، لا قمصان لهم لكن يَلبسون السمور، شُغل أب زَهَانة، ينوم في الجامع ويتغدّى في اللوكاندة. لكن غيَّر بسمارك رأيه، وتكمن بعضُ دوافع هذا التغيير في تزايُد أعداد المهاجرين الألمان إلى المحطّات التجارية في الساحل الأفريقي، غالباً كما كان الحال في الكاميرون، كلاعبين ثانويين تحت عهدة بريطانية.
تجد القارئةُ الحريصةُ تفصيلَ «انقلاب بسمارك» عند هاري رودين صاحب «الألمان في الكاميرون 1884 – 1914: دراسة حالة في الإمبريالية الحديثة» (دار جامعة ييل، نيو هيڤن، 1938). نشأت عن هذا الهوى الجديد بالاستعمار جمعيات «علمية» و«أكاديمية» من جنس الجمعية الألمانية لاستكشاف أفريقيا الاستوائية (1873) والجمعية الألمانية الأفريقية (1876) التي قامت فرعاً للرابطة الأفريقية الدولية التي أنشأها ملك بلجيكا ليوبولد الثاني، وتوحّدت الجمعيتان في 1887 تحت مسمّى «الجمعية الأفريقية في ألمانيا». وتفوَّق عليها في دعايته ونفاذِه النادي الاستعماري الألماني (1882) الذي قام بهدف تحفيز الجمهور الألماني على الانفتاح على مسألة الاستعمار، وحقّق في هذا السبيل أكثر من غرض الدعاية، فكان «لوبي» استعماري بعبارة اليوم، جمَع المال للحملات الاستكشافية وحشَد الرأي العام للفوز بدعم حكومي لخطّ الملاحة الألماني الأفريقي، كما شارك بقوّة في المساعي الدعائية والدبلوماسية لتدويل نهر الكونغو في 1884 صدّاً للمحاولات البريطانية والبرتغالية احتكار الملاحة في حوضه. ابتدأ النادي بحوالي 2500 عضو في العام 1882 بلغوا في 1886 حوالي 12500 عضو منتشرين في 121 فرعاً في ألمانيا، علامة على انتشار ونفاذ الشهوة الاستعمارية للظفر بأرض الطفولة الأفريقية هذه، بعبارة الفيلسوف هيغل، فمَن المتوحّش ومَن المتحضّر؟
إذاً، ما هو هذا البُعد «الكوني» الذي فات على الزنجي وحمَل رايته مثل التجّار الألمان في الكاميرون بغَيْر جهد، كخصيصة فطرية. شرَح المؤرّخون الألمان، الذين اعتمد عليهم هاري رودين، «انقلابَ بسمارك» بتقديرهم أنّ المستشار ما كان ليغيِّر اتجاهَه لو ضَمِن أنّ احتلال بريطانيا أو غيرها لمثل الكاميرون، التي تنشط فيها التجارة الألمانية، لن يصبح سبباً في تقييد «حرية التجارة»، أي حرية التجّار الألمان. وكان دافع انقلابه الاستعماري، أي قراره قبض أقاليم أفريقية بعينها تحت راية السيادة الألمانية، حماية الأسواق الخارجية الألمانية، كما كان دافِع قراره زيادة الرسوم الجمركية على الواردات إلى ألمانيا حمايةً للسوق الداخلية الألمانية. ومسألة بسمارك، أقصد ترمب، أقصد بسمارك، أنّه قدّر أنّ جوهر سياسته هو حماية التجارة وليس إقامة المستعمرات، ولذا أنكَر على الدوام أنه كان في أيّ مرحلة حريصاً على هذه المستعمرات اللعينة. عبَّر صبيان المدارس في الكاميرون، تحت الاستعمار الألماني، عن هذا المعنى المبثوث في لَغْو رجال الحكم الألماني، عن أنفسهم ومؤسّساتهم شَدْواً بمجهودات بسمارك التي كانوا من حصائلها الثانوية: «أنا صبيٌّ من الكاميرون، المستعمرة الألمانية؛ كم اجتهَد الأمير بسمارك لنوالها».
ولو صارت الأقدار بغير «انقلاب بسمارك» لكانوا ربما يُنشِدون من مشارب «البعد الكوني» الذي قال هيغل لا يبلغه ود مقنّعة زنجي مثل:
«فقريفثٌ بذَر البذورَ بهِمّةٍ
وسقَى جوانبَ غرسه لتُجوَّدا».
يُتبع…



