أتر

ولادة الحبل: تجربة في الخوف والصبر

في السودان، توصف المرأة في أشهرها الأخيرة من الحمل بـ«المتوجِّعة» وتعني «المرأة التي ستُنجب». في الماضي، كانت الداية «القابلة التقليدية»، وهي المولِّدة الشعبية التي تعلّمَتْ مهنتَها من نساءٍ سبقنها، واكتسبتْ خبرتها بالفطنة والملاحظة، دون تدريب، تَستخدم حبلاً مصنوعاً من سعف النخيل لمساعدة المُتوجِّعة في عملية توليد الحوامل، ومن هنا جاءت تسميتها بـ«داية الحبل». تربط الداية هذا الحبل ملفوفاً بقطعة قماش أو عمامة «بمِرق العَرِش»، وهو دعامة مركزية لسقف الغرفة. وعندما يجيء المرأة المخاض وتقف فاتحةً رجليها، تُمسك بالحبل وتَستند إليه كلّما اشتدَّ عليها الألم، فتتشبَّث به وتَثني رُكبتيها وتضغطُ للأسفل حتى يُولد المولود، فتتلقّاه الداية وتقطع سُرّته.

يبدأ الطقس بمشاركة النساء في إنشادٍ يُمهّد لمجيء الملاك جبريل لإتمام مَهمَّة الولادة. تُنشد النساء وهنّ يتحلّقن حول الحامل، بمزيج من الخوف والترقب وشيء من الطرب، يَشددن معها حبل الولادة، يقطعن الحبل السُّرّي، ويُخرجن التبيعة «المشيمة»:

يا حلّال الحامِلا

من غلاماً جاهلا

جبرين ناجا ربّو جا

حلّاها وما بْدُور جزَا

ومنذ أزمنة بعيدة، استعانَتْ النساء بقوى غيبية، فابتكرن إلهاتٍ يستنجدن بحمايتهنّ لتَفيض خصوبتهنَّ ويُرزقَن بالنسل، منهن إيزيس إلهة الأمومة والسِّحر، وتلجأ إليها النساء طلباً للحماية أثناء الحمل والولادة، وظهرت أرتميس في اليونان إلهة الصيد، لكنها أيضاً ملاذٌ النساء أثناء الولادة. ومع تعاقب الأجيال، أعملن ذكاءهنّ الفطري وراكَمْن خبراتٍ متوارثة، فابتكرن تدابير تُسكّن الألم وتقرّب الولادة.

لاحقاً نشأت مدرسة القابلات في أم درمان في 1920، لتدريب جيل جديد من القابلات يُحارب عادة ولادة الحبل، ليَكن مُزوَّدات بالمعرفة اللازمة والسلوك الأنسب للولادة، ورغم ذلك لا تزال عادة ولادة الحبل تظهر من حين إلى آخر، هنا وهناك، وخاصة في القرى النائية في السودان. لكن في مدينة الدويم تداول السكان العام الماضي قصة امرأة لجأت لولادة الحبل، ورغم نجاة الأم وطفلها المولود أعادت الحادثة تاريخاً من معاناة النساء كان يُظَن أنه قد مضى إلى غير رجعة.

صحن عيش وعمامة

كانت المرأة تنهض وتتمسَّك بالعمامة المُعلَّقة وتتأرجَحُ بها ذهاباً وإياباً كلما اشتدَّ الألم، حتى يخرج الجنين، فيضغط رجلٌ على أعلى بطن المرأة الحامل بقُوّة، بينما تجلس امرأة مُسنّة على الأرض وتفرش قطعة قماش بين ساقيها، وتَتَمدّد لتتلقّى الجنين. كان الخطر يتربّص بجسدٍ أضناه الانتظار.

تَعملُ عواطف إسماعيل قابلةً منذ عام 1993، وهي أيضاً مسؤولةٌ في وحدة حماية الأسرة والطفل التابعة لوزارة الرعاية الاجتماعية بولاية النيل الأبيض. تجوب طرقات المدينة الترابية في الريف الغربي للدويم لتثقيف النساء حول التغذية، والرعاية الطبية، وحقّهن في ولادة آمنة، كما كانت تُدرّب نساء القرى على تقديم الدعم لمن تعذَّر عليهن الوصول إلى المدينة.

تروي عواطف لمراسلة «أتَـر»: «في إحدى رحلاتي، تعطلّت سيارتي في قرية صغيرة بشمال كردفان، حيث وجدتُ نساءً مُتحلّقات حول امرأة حامل تتشبّثُ بحبل (عمامة في الأصل) مربوط إلى سقف القُطّية منذ ثلاثة أيام؛ كان جسدُها مُنهكاً وعضلاتها مشدودة من شدَّة الألم، وبجانبها، صحن من العيش (الذُّرة) به شفرة حديدية (موس) لقطع الحبل السرّي للجنين، وهو طقسٌ يُعتقد أنه يُسهِّل عملية الولادة «يفتح طريق الولادة» بحسب تعبيرهن. قلن لي: بنتنا مُتعسّرة ولا داية بالقرية. كانت المرأة تنهض وتتمسَّك بالعمامة المُعلَّقة وتتأرجَحُ بها ذهاباً وإياباً كلما اشتدَّ الألم، حتى يخرج الجنين، فيضغط رجلٌ على أعلى بطن المرأة الحامل بقُوّة، بينما تجلس امرأة مُسنّة على الأرض وتفرش قطعة قماش بين ساقيها، وتَتَمدّد لتتلقّى الجنين. كان الخطر يتربّص بجسدٍ أضناه الانتظار». تقول عواطف: «لم أتردّد. طلبتُ من المرأة أن تترك الحبل وأخرجت حقيبة التوليد، وولّدتها. كانت النساء حولها صامتات، لا يُسمَع منهن سوى همهمات القلق، وكلُّ واحدة تتمنّى أن تمرَّ اللحظة بسلام. وحتى بعد الولادة، ظلّ الخوف والارتباك يُسيطران على الأسرة، لكنّ بكاء الطفل أعاد إليهم الأمل والإيمان بالمعرفة».

وترى عواطف أنّ الجهل بالصحة الإنجابية والخدمات الطبية كان سبباً في فقدان أعداد كبيرة من الأمهات: «في الماضي، كنا نَفقِدُ ما يُقارب نصف النساء، بسبب ولادة الحبل. أما اليوم فالأرقام أقل بسبب التوعية».

وفي حديثها لمراسلة «أتَـر» تقول القابلة حياة خميس، وعملت بقرى الدويم (الزريقة، والتونسة، وقلاجة، وأم جر، والعويصية، وضرب نار): «أعمل في مجال التوليد منذ أكثر من سبع سنوات، وأواجه يومياً حالات تعاني فيها النساء من مضاعفات خطيرة نتيجة لجوئهن إلى الولادة التقليدية وغياب المتابعة الطبية». وتُشير إلى أنّ دَورها يَتجاوز توليد الحوامل، فهي تُتابعهنّ خلال فترة حملهن، وبعد الولادة، بالتعاون مع الطبيب، وهو ما يتطلَّب وعياً بمخاطر الحمل والولادة التي قد تؤدّي إلى آلام شديدة أو فقدان الجنين في حال الإهمال.

وتذكر حياة أن الوعي الصحي بدأ يتزايد نسبياً، وأضحت النساء أكثر اهتماماً بصحّتهن، لذا فهي تحرص على توعيتهنّ بأهمية التغذية السليمة لاكتساب القوة والطاقة، وتُشجعهنّ على الاستفادة من الڤيتامينات الطبيعية في الفواكه والخضروات. ومع ذلك، يظلّ التحدي الأكبر الذي يُواجهها هو إقناع النساء بضرورة المتابعة الطبية وعدم تجاهل الأعراض وتفادي الولادة التقليدية، لما يترتّب على ذلك من مخاطر جسيمة تُهدِّدُ حياة الأم والطفل.

وتضيف حياة خميس: «من يدّعي أنّ عصر الولادة التقليدية قد انتهى مخطئ، فما زالت كثيرٌ من النساء في القرى يُعانين بسبب الجهل الصحي وبُعد المسافات عن المراكز الطبية». وتُشدّد على أنّ الريف لا يزال في حاجة ماسة إلى الإرشاد والتوعية والدعم الصحي المتواصل.

تقول الطبيبة بمستشفى الدويم التعليمي، د. هديل بدر الدين، لمراسلة «أتَـر»، إنّ عملية التوليد إما أن تمضي على نحو طبيعي عبر المهبل، أو تكون قيصرية عبر الجراحة في البطن، ولكلّ منهما مراحل ومخاطر. ففي الولادة الطبيعية تبدأ المرحلة الأولى بتقلّصات الرحم وتوسّع عنقه تدريجياً، ثم تأتي المرحلة الثانية حيث يبدأ نزول الجنين عبر عنق الرحم إلى المهبل بمساعدة الأم والطاقم الطبي حتى يخرج إلى الحياة، ثمّ المرحلة الثالثة وهي خروج المشيمة بعد الولادة خلال دقائق معدودة. أما الولادة القيصرية فتجري قبل دخول المرأة في هذه المراحل عبر تدخّل جراحي. ولكلّ من النوعين مخاطر شائعة أبرزها النزف، سواءٌ أكان ناتجاً قبل الولادة بسبب تقدُّم المشيمة أو انفصالها، أم كان ناتجاً أثناء الولادة بسبب التمزّقات والجروح، أم بعد الولادة نتيجة ضعف وتقلّص الرحم (Uterine Atony) الذي يؤدّي إلى نزف شديد، إضافة إلى احتمالات العدوى التي قد تصيب الأم أو الجنين، وإصابات الولادة التي قد تحدث لأيّ منهما مثل نقص الأكسجين (Cyanosis) عند الأطفال المولودين بعمليات قيصرية. وفي مواجهة هذه المخاطر، يتدخَّلُ الفريق الطبي عبر نقل الدم والسوائل، وإعطاء أدوية مثل الأوكسيتوسين والميزوبروستول لتحفيز تقلّص الرحم، وأحياناً عبر إجراءات يدوية أو جراحية لإيقاف النزف. وتظلّ الرعاية الطبية الدقيقة ضرورية قبل الولادة وأثناءها وبعدها، ويجب مراقبة الأم في الساعات الأولى حتى بعد الولادة الطبيعية، ورعاية الطفل من حيث النظافة ومتابعة السرّة وملاحظة أي علامات غير طبيعية وتحويله إلى الحضانة أو طبيب الأطفال عند الحاجة، إلى جانب الدعم النفسي الذي يُخفّف من وطأة التجربة ويجعلها أكثر أماناً وإنسانية.

وتقول د. هديل بدر الدين، إنّ أفضل الأوضاع للولادة هو الذي يكون فيه رأس الطفل إلى أسفل (أي نازلاً في الحوض) وأرجله إلى الأعلى، وهذا هو الوضع الأكثر أماناً للولادة الطبيعية. أما الأوضاع غير الآمنة فهي كثيرة، ومنها: المقعدية (يكون وضع الجنين داخل الرحم على عكس الوضع الطبيعي) والمستعرضة (في هذا الوضع، لا يكون الجنين بوضعية عمودية (رأسياً أو مقعدياً)، بل يتخذ وضعية أفقية)، والوضع الأخير أخطرها، إذ قد يتعذّر أو يستحيل خروج الجنين على نحو آمن عبر المهبل، ما يرفع احتمالية حدوث مضاعفات للأم والجنين أثناء محاولة الولادة الطبيعية. وقد يصبح التدخّل الجراحي ضرورة للحفاظ على حياة الأم والطفل.

فجوات صحية

في حديثه لمراسلة «أتَـر»، قال مدير الإحصاء والمعلومات الصحية بمحلية الدويم، يوسف حسن، إنّ المحلية تضمّ 13 مستشفى موزّعة على أربع وحدات إدارية، يضمّ بعضها أقساماً مجهزة لإجراء عمليات الولادة الطارئة، وأخرى مُتخصّصة بصحة الأم والطفل، وبنك للدم؛ لضمان صحّة الأم والطفل في الحالات الحرجة. ورغم وجود البنية التحتية الصحية، لا تزال بعض القرى النائية تُواجه تحديات في الوصول إلى الرعاية، وقد تجلّى ذلك في تداول الأهالي مطلع عام 2025 قصة ولادة بالحبل لم تُسجَّل رسمياً في سجلات الإحصاء، وظلّت تفاصيلها تُروى شفوياً بين النساء في المدينة.

ويوضح يوسف، أنّ غياب الإحصاءات الدقيقة عن مدى انتشار هذه الممارسة يَكشفُ الفجوات في التغطية الصحية. لذا، عملت وحدة الصحة الإنجابية بالتعاون مع إدارة الإحصاء والمعلومات الصحية على تدريب قابلات لكلّ قرية للحدّ من عمليات الولادة التقليدية؛ لضمان وصول الرعاية للنساء الحوامل بعيداً عن المرافق الصحية الرسمية. ويجري اختيار القابلات وفق معايير دقيقة، منها بُعد القرية من المستشفيات وصعوبة الوصول إليها؛ إذ تُرشّح قابلة أو اثنتان لكلّ قرية لتقديم الرعاية الأساسية ومُتابعة الحمل، مع توفير كادر صحي مساعد للتدخّل السريع عند اللزوم. وتقدِّم القابلات الإرشادات الصحية وحبوب حمض الفوليك (الفولات) خلال الأشهر الأولى للحمل، وهو أحد أنواع ڤيتامينات B، ويُعَدُّ حمض الفوليك أحد العناصر الأساسية الضرورية لإنتاج خلايا الدم الحمراء، كما أنّ له دَوراً مُهمّاً في حدوث الانقسام الخلوي الطبيعي، ما يُساهم في التطور الطبيعي للجنين خلال فترة الحمل، إضافة إلى توعية النساء بأهمية المُمارسات الصحية الصحيحة لتجنّب العادات التقليدية الضارة.

إلا أنّ توقّف التدريب بسبب الحرب وفقدان بعض القابلات بسبب التقاعد أو الوفاة خلق ثغرات في التغطية، ويجري العمل حالياً لتحديد الاحتياجات وتوسيع نطاق الرعاية، وفقاً ليوسف، الذي يقول إنّ تجربة الدويم تمثّل نموذجاً مُهماً لتعزيز الصحّة الإنجابية في المناطق النائية، من خلال الجمع بين التدريب المستمرّ للقابلات وتوفير البنية التحتية الصحية، ورفع وعي المجتمع بأهمّية الرعاية الحديثة لتفادي مخاطر الولادات التقليدية وحماية حياة النساء والأطفال.

الله الحنون ليّا

في حديثها لمراسلة «أتَـر» تقول الستينية حاجّة الزينة أحمد، وتسكن غرب الدويم منذ صغرها، إنها ظلّت تشهد على استمرار الولادة التقليدية في قُرى الدويم المُختلفة حتى يومنا هذا، على الرغم من التقدّم الطبي. وتضيف معبّرة عن واقع النساء في المناطق النائية: «تعوَّدنا على العيش مع الخطر».

تسترجع الزينة واحدة من أكثر ذكرياتها إيلاماً، حين اضطرّت ابنتها للولادة بالحبل في ثمانينيات القرن الماضي، لعدم توفر وسيلة تنقلها إلى المدينة في الوقت المناسب. انتهت التجربة بفقدان الجنين، بسبب ضغط أو خطأ لم تتضح أسبابه.

توضح الزينة أنّ العديد من النساء يُرجعن الأمر إلى الأمّية، فهُنَّ يفتقرن إلى المعرفة الحقيقية بالمخاطر والأضرار، ويعشن تحت تأثير العادات والتقاليد. وتشير إلى أنّ قصتها ليست حالة فريدة، فما زالت نساء كثيرات يفقدن مواليدهنّ، وأخريات يفقدن حياتهنّ، نتيجة لنقص الكوادر الصحية وضعف الخدمات الطبية في القرى.

تخبر حاجّة آمنة، المعروفة باسم «بت ود الفكي»، مراسلة «أتَـر»، بأنّ عمرها تجاوز الخامسة والثمانين سنة، أفنت منه سنوات طويلة في مساعدة النساء أثناء الولادة في مدينة الدويم والقرى المحيطة بها. تقول إنّ الولادة في السابق كانت تختلف كثيراً عن وقتنا الحاضر؛ إذ كانت الرعاية الصحية محدودة ولا تغطي جميع القرى، وكان الناس يستحضرون طقوساً شعبية يظنّون أنها تُنزل البركة وتُيسّر المخاض.

«من بين هذه الطقوس، وضع الشفرة في إناء من القرع مملوء بالماء، وتُقرأ على الماء آيات قصيرة وأدعية، أو قد تُلفّ الشفرة بمندولة (وعاء فخاري ملفوف بأوراق النخيل ممتلئ بالخبز المسبّع وهو رمز للرزق والبركة)، وتوضع بالقرب من المرأة أثناء المخاض. وكانت المرأة الحامل تتأرجح متشبّثة بالعمامة، ومع كلّ شعور بالألم، كنّا نُردِّد أدعيةً وتلاوات من القرآن»، تقول الحاجة آمنة، ومن ثم تُضيف أن تجهيزات الولادة كانت بسيطة للغاية: «ماء ساخن، وقطع قماش نظيفة، وشفرة لقطع الحبل السرّي. وبعد الولادة، نُحمم الأم وطفلها ونمسحهما بزيت السمسم، ونزوِّد الأم بأطعمة مقوية لتعويض الطاقة المفقودة».

تقول آمنة لمراسلة «أتَـر»، إنّ معظم حالات الولادة كانت تنتهي بسلام، لكنْ ظلّ الخوف من فقدان الأم أو الجنين قائماً لغياب الرعاية الطبية المتخصصة. وفي حال تعسّر الوضع، كان بعض النساء يُضطررن للسفر إلى المدينة.

وتقول فاطمة بت الصديق، وقد تجاوز عمرها السبعين عاماً لمراسلة «أتَـر»: «في أزمنة الولادة التقليدية في مدينة الدويم، شهدنا أياماً من الخوف والمجازفة، عشنا فيها آلاماً شديدة وفقدنا كثيراً من الأمهات والأطفال. كثير من النساء لم يجدن سبيلاً إلى المستشفيات، وقضين في صمت داخل البيوت أو على الطريق».

كانت المرأة تحمل جنينها وفي قلبها خوف عظيم على حياتها. كنّ يغادرن منازلهن متوجّهات إلى المدينة طلباً للرعاية الطبية، بَيد أنّ طول الطريق ووعورته ابتلع بعضهنّ قبل الوصول، مخلفاً وراءهن حزناً للأهل.

ورغم تقدّم الطب، تُشير فاطمة إلى أنّ بعض هذه المُمارسات ما زالت قائمة، بخاصةٍ في القرى البعيدة، لضعف الخدمات الصحية، وأنّ شُحّ الأدوية والمُستلزمات الطبية حدَّ من القدرة على الوصول إلى الولادة الآمنة. وتزيد المسافات الطويلة والطرق الوعرة وغياب الإسعاف المُنتظم من تعقيد الوضع.

وتوضح فاطمة أنّ ولادة الحبل ما زالت تُمارس في بعض المناطق، وتقول: «بعض النساء يفضّلن البقاء في بيوتهنّ وتسليم أنفسهنّ للحبل؛ ذلك الحبل الذي قد يكون حبل خلاص إذا كُتبت لهنّ النجاة، وقد يكون في كثير من الحالات حبل انتحار».

تروي أمّ البهاء، وتقطن غرب الدويم لمراسلة «أتَـر»، عن معاناة النساء في القرى حين كانت الولادة مغامرة محفوفة بالمخاطر: «كانت المرأة تحمل جنينها وفي قلبها خوف عظيم على حياتها. كنّ يغادرن منازلهن متوجّهات إلى المدينة طلباً للرعاية الطبية، بَيد أنّ طول الطريق ووعورته ابتلع بعضهنّ قبل الوصول، مخلفاً وراءهن حزناً للأهل».

وتضيف أمّ البهاء أنه في تلك الحقبة، كانت النساء يفتقرن إلى المستشفيات والقابلات وأبسط أشكال المساعدة الطبية، يواجهن المخاض بمفردهنّ، مستعينات بالخبرات المُتوارثة، وبالدعاء والصبر، وبقلب يرقب المجهول. لم تكن الولادة مناسبة للاحتفال كما هي اليوم، إنما كانت لحظة انتظار مشوبة بقلق يُثقِلُ كلَّ نفس. ولم يكن الألم فردياً فحسب، بل كان وجعاً مجتمعياً؛ فكلّ بيت يعرف قصة امرأة توفيت أثناء توجّهها للولادة، وكلّ أم عاشت الخوف الذي اختبرته أخريات قبلها. تقول أم البهاء: «رغم التقدّم الطبي، لا تزال بعض هذه الممارسات تتكرّر في القرى النائية، حاملةً الخوف القديم ذاته ودروساً باقية في الصبر والشجاعة».

Scroll to Top