عرضٌ لكتاب
Mother Mary Comes to Me, Arundhati Roy. 2025.
«أمّي ماري تجيء إليّ»، أرونداتي روي. 2025.
إلى الفتى قرقراب…
من بعد روايتين: «إله الأشياء الصغيرة»، التي حازت على بوكر 1997، و«وزارة السعادة القصوى» 2017، وعدد هائل من الكتابات المُتفرّقة التي جُمعت في بضع مجلدات، مثل «دليل القارئ العادي إلى الإمبراطورية» 2004، و«قلبي المتمرّد: كتابات غير سردية» 2019، و«أزادي: الحرية والفاشية والسرد» 2020، وحواراتها العميقة في «معمار الإمبراطورية الحديثة» 2024 (مع الكاتب والصحافي داڤيد بارساميان صاحب الحوارات الأشهر مع إدوارد سعيد)، حيث كرّست كتاباتها لنقد الدولة والمجتمع والثورة كأبهى ما تكون الكتابة المفتوحة على التاريخ والمجتمع؛ هنا نحن بصدد عرض ومراجعة آخر مؤلّفاتها: «أمّي ماري تجيء إليّ: مذكّرات» والصادر في 2025.
في هذه المذكّرات، نبشت أرونداتي روي، النجمة في سماء الكتابة الراتبة والمُلتزمة، في الصحافة والسياسة والأدب، مُنطلقةً من موطنها كيرلا إحدى ولايات شبه القارة الهندية؛ تلك الذاكرة بالغة التعقيد، لتجسّد مثالاً حَيَّاً لمَواطن البؤس والصراع الاجتماعي والعنصرية وخطاب الكراهية والعنف، وهي مثاقيل الكتابة ومشاغيل أرونداتي روي التي آلَت على نفسها كتابة المشهد، بجميع وقائعه وأحداثه، بطرائق الفكر الاجتماعي النقدي، بالكتابة عموماً، وبالسرد على وجه الخصوص، وبمعرفة مُلتزمة بالفضاء العام على قول بيير بورديو، في روايتيها المشار إليهما وجميع أجناس الكتابة الأخرى.
كتبت روي من قبل: «لم أشعر يوماً بأنّ ثمة حرباً بين أجناس الكتابة؛ سياسية كانت أم إبداعية… من الصعب التقاء المُخيّلة بالذاكرة أو الخيال بالواقع. لا ينبغي للواقع أن يصير إلى مُخيّلة ولا للمُخيّلة أن تصير واقعاً».
تَدين روي في كتابة هذه المذكّرات إلى الناقد جون بيرغر (1926-2017) صاحب المؤلَّف المحوري «طرائق النظر» 1972، وذلك لأنه ساعدها على فكّ التناقض المُحتَمَل بين أجناس الكتابة لمّا كتب لها بخطّ يده: «جميع كتاباتك، مُطلقاً، سوف تُساعدك على المشي حول العالم تماماً مثلما ساقيك الاثنتين». وأضافت هنا في هذه المذكّرات: «… ما زلتُ هنا أقف على ساقَي الكتابة». بالفعل، تقف روي على ساقي كتابة مُختلفة، ليست بتلك الحميمية التي تُميِّز كتابة السير الذاتية، أو كما علّق أحدهم في سياق مراجعته لهذا الكتاب: «وَصْف مؤلم، حميم ومُلهم في الوقت ذاته، لحياة فتاة موعودة بأن تكون كاتبة… شكّلتها الحياة اليومية والبؤس التاريخي لولاية كيرلا حيث نشأت». وهذا هو جنس الكتابة الذي تنتمي إليه روي: كتابة الحياة، خاصة في هذه السيرة.
وفي اثنتين وأربعين وحدة، أفاضت روي، بكتابة حميمة وسرد ساحر، في نظْم حكايتها وشخوصها المحورية، هي ووالدتها ماري، أي كتابة الذات في أفق تماسّها مع العالم – ذات الدولة/ ذات المجتمع. بساقَي كتابة عارفة، نافذة ومُتوغّلة في الذات والموضوع، مُفتتحةً لها، بالإحالة إلى مرجعية مُتخيَّلها السردي «إله الأشياء الصغيرة» تقول عن والدتها: «أحبَّتْني بالقدر الكافي إلى حدِّ أنها تركتني لأمضي قدماً». وكتبَت روي هنا في مقدّمة كتابها: «ثمّة صور لأمّي متفرّقة في مُعظم كتاباتي، إلا أنني لم أكتبها هي عينها كذات، هكذا هي أمي ماري، التي صنعت مِنَّي ما أنا عليه الآن: كاتبة وروائية. الكتابة متاهةٌ ينبغي فكّ مغاليقها حتى تُشعَّ بذاتها وحتى يَستقيم منطقها وضرورة التمسُّك بموضوعيَّتها دون إقبار للذات»، وذلك لأنّ الكاتبة في هذا الكتاب أرادت تخليد والدتها وعُصبتها، لأنها ببساطة هي المأوى.
تعكس هذه المذكّرات علاقتها غير العادية مع والدتها السيدة ماري روي التي كانت بالنسبة لها «المأوى والعاصفة» في قلب هذه الكتابة الممتعة والشيقة. ومنذ طفولتهما الباكرة، أسّست هي وشقيقها علاقة متينة مع ماما ماري. ليس ثمّة من حضور للأب إلا لماماً وفي ختام هذه المذكرات، حين فازت ابنته بجائزة البوكر. علاقة روي بماما ماري، هي إحدى آليات هذه الكتابة البديعة. تعلَّقَ قلبُ الصغيرة أرونداتي بالملاحم الهندية الكبرى «مهابا هارتا» و«راميانا»، في تلك المدرسة التي أسَّسَتْها ماما ماري وأدارتها باقتدار، فتشكّلت ذاكرة أرونداتي منها وصارت منابع إلهام ونبعاً صافياً اغترفت منه الحياة التي طالما لسعتها بوهجها: ألم الكتابة، وكتابة آلام الإنسان وبؤس هذا العالم. هنا يكمن رباطها المُقدَّس بماما ماري وقد صارت رئةً تتنفّس بها وعيناً ثالثة ترى بها: «صرتُ أتنفّس هذه الحياة معها في ذات الوقت الذي انزوت بل تلاشت صورة الأب؛ لأنه لم يكن شيئاً مذكوراً أو كما قالت ماما ماري. كانت حياة ماما ماري «ثورة مستمرة»، تُعلّمنا مع تلاميذها معنى أن نكون أحراراً، كانت مناضلة صلبة وجسورة في جهرها بالحقّ حين خُفوته لدرجة استعداء بعض عناصر اليسار لها لكونها من «أعداء الطبقة»، وأنها تسلك سلوكاً برجوازياً بغيضاً، هذا على الرغم من وقوفها بصلابة مع النقابات العمّالية ومناهضة مظاهر الفاشية والظلم الاجتماعي».
يختلُّ إيقاعُ هذه السيرة أو المُذكّرات ليتحوَّل فعل الكتابة من كتابة الذات إلى نقد الدولة (السُّلطة عموماً وصيَغها المختلفة) ونقد المجتمع، من طفولة مرحة وسعيدة وأمّ عظيمة، إلى موسيقى اليومي والمعيشي والراهن السياسي. «لكم أحبَبْتُ جماعةَ اليسار والحركيين من الماركسيين، وأحببتُ أجواء الثورة المُستمرّة، حتى فعل التخييل لتلك العوالم في إله الأشياء الصغيرة». التقت بهم الكاتبة لاحقاً، وكان نتاج ذلكم اللقاء كتابها «أيامٌ وليالٍ مع الرفاق» 2011. لم تكن ماما ماري ببعيدة من تلك الأجواء، فقد كانت لها حساسية غير عادية لكلّ سلوك ثوري أو فعل ثوري. قرأت معها شكسبير وكيبلنج وشيء من «صعود وسقوط الرايخ الثالث» لوليام شيرار، «هكذا كانت تربيتنا الثورية وتطوُّرنا المعرفي بقيادة وتوجيهات ماما ماري».
أقامت ماما ماري مدرستها في منطقة جرداء، بوادٍ غير ذي زرع، يُطلَق عليه «الهضبة العارية»، في ذات الوقت الذي سعت فيه المراهقة المُتمرِّدة والقارئة النهمة لدراسة المعمار. وبالفعل التحقت بإحدى الكليات حيث بدأت شقاوتها وشقاؤها في الكتابة، وقرأت كثيراً، ومضت وراء اهتمامها بالسينما فبدأت حياتها ناشطةً في كتابة سيناريوهات بعض الأفلام القصيرة. وظلّ شبح ماما ماري المُعلِّمة والمُناضلة الجسورة مُخيّماً على المشهد، مُلقياً بظلاله على حياة الشابة الناشطة أيضاً، يعلو صوتاهما مع كلّ خُفوت لصوت الحقّ انحيازاً جَسوراً لقضايا كيرلا من قضايا المنبوذين إلى قهر النساء وحتى النشاط الأدبي والإبداعي. تلك هي اللحظات التي قرَّرَتْ فيها روي أن تصبح كاتبة، خاصةً حينما رأت بأمّ عينيها إزالة السكن العشوائي وطرد سكان أسفل المدينة، لحظات تكشف وعياً سياسياً متقدّماً لمشروع كاتبة يافعة مسنودة بأمّ استثنائية.
في هذا الفصل والذي يليه، تحكي تجربتها في العمل السينمائي بخاصة وتحويل نصّ كولونيالي إلى فيلم روائي، نص كولونيالي بائس. وتذكّرت لحظتها كاتبها الأثير فرانز فانون وكتابه «وجوه سوداء أقنعة بيضاء» 1952. من ثمّ تنتقل إلى الحديث عن كيف صارت كاتبة مُحتَرِفَة ووجدت في الكتابة بيتاً لها. جاءت إلى عالَم الكتابة بعد أن قرأت كثيراً، حتى أنها خطَتْ أولى خطواتها بعد قراءة «عوليسة» جيمس جويس، وكيبلنج ونابوكوف، وكتبت بطريقة ساخرة: «شكراً لكِ ماما ماري لتعلُّمي القراءة على الرغم من سيطرة الذكور البيض من الكُتّاب عليها… شكراً لكِ لأنكِ أدركتِ ومن وقت مبكر أن لابنتك قلب كاتبة». بعين ثالثة، في عددٍ من فصول الكتاب، كانت روي تَرقب ما سَّمته بؤس المشهد السياسي في الهند وتفشّي الفاشية؛ إضافة إلى بضعة فصول عن كيف كتبت روايتيها، وزعمت أنها من بعد فراغها من ذلك أدركت «قدرة الأدب على إفشاء السلام والمحبة والألفة بين الناس… تعلَّمتُ جميع الدروس من ماما ماري وهأنذا «أكتبها» هي بذاتها وبروحها، وتعلّمتُ درساً تاريخياً آخرَ هو أنني، بقدر ما أكتبُ عن بناء السدود وتأثيراتها على البيئة والحروب الأهلية ومُناهضة الأنظمة الشمولية، مشغولة بالكتابة عن الحب والموت».
حتى لحظة توقُّف ذلك القلب المُشاكس، ماما ماري، عن الخفقان كتبت روي في ختام هذه المذكّرات: «كان موت أمي روايةً لن أجد مُخيّلة لكتابتها… يكفي أنها كانت مُلهمتي في كلّ سطر كتبته، لترقد روحها بسلام».



