أتر

أسواق نازحة: رمضان في غبيرا وتوطين الذاكرة

مع اقتراب شهر رمضان، يتّخذ حيّ غبيرا جنوبي العاصمة السعودية وظيفة اقتصادية أوسع من كونه ملاذاً يأوي إليه الشباب السودانيون في مساكن جماعية زهيدة الإيجار، في انتظار العثور على عمل أفضل وتحسّن أوضاعهم المادية.

وقد أحدث انضمام أعداد كبيرة من الأسر، بعد الحرب، إلى الجالية السودانية في الرياض، تحوّلاً ديموغرافياً انعكس مباشرة على حجم الطلب وهيكلته، في السوق الذي اشتُهر بالحضور السوداني فيه منذ عقود. وخلق ارتفاع عدد المقيمين وأسرهم كتلة استهلاكية مستقرّة نسبياً، تمنح السوق قاعدةَ طلب واضحة تتجاوز الطابع العابر إلى نمط شبه دائم خلال الموسم، إذ إنّ الأسر الكبيرة تحتاج إلى كميات أعلى من السلع الأساسية، بخاصة السودانية، وتُعِيد ترتيب إنفاقها بما يوازن بين متطلبات المعيشة اليومية وتجهيزات الشهر.

لتلبية احتياجات هذه الكتلة الاستهلاكية، تحوّل حيّ غبيرا إلى مركز تموينٍ رئيسٍ للجالية السودانية في العاصمة السعودية، تتقاطع فيه احتياجات الأسر القديمة مع الأسر الوافدة حديثاً، إذ يُعيد التجّار تقدير حجم المخزون بناءً على هذا الامتداد السكاني، فتزدادُ كميات الذرة والبهارات والويكة ومكوّنات المشروبات الرمضانية، مع توسّع في السلع التي تُلائم الأسر الكبيرة من حيث السعر والحجم، وظهور سلوكيات شراء جماعية، إذ تتشارك بعض العائلات في اقتناء كميات بالجملة لتقليل التكلفة، ما يَعكس وعياً اقتصادياً يتشكّل تحت ضغط التحوّلات المعيشية.

تَحمِلُ المائدة الرمضانية داخل هذه البيوت بُعداً اجتماعياً مُضاعَفاً، إذ تُصبح مساحةً لاستعادة الإحساس بالاستقرار داخل مدينة جديدة: الذرة الرفيعة ودقيقها يحتلان موقعاً مركزياً في إعداد العصيدة، وتدور حولهما مكونات المُلاح والويكة والتقلية، بينما تحضر القرّاصة والبليلة بوصفهما عناصر تُكمّل البنية الغذائية. هذا التكرار السنوي في الاستهلاك يمنح السوق إيقاعاً وطابعاً موسمياً يمكن توقّعه، ويُحوّل رمضان إلى دورة اقتصادية تتداخل فيها اعتبارات الهُوية مع اعتبارات الكلفة والقدرة الشرائية، ضمن بيئة حضرية تستوعب جالية كبيرة أعادت تشكيل ملامح الحي خلال السنوات الأخيرة.

في حديثه لمراسل «أتَـر»، يقول الحاج الطيب الأمين، صاحب محل مُنتجات سودانية في شارع غبيرا الرئيسي، حيث تنتشر المتاجر السودانية وستّات الشاي: «تبدأ حركة السوق في الزيادة قبل رمضان بأسبوعين تقريباً، وتكون مكوّنات الحلو مر والآبري في المقدمة، وهناك أسر تحجز طلباتها قبل حلول رمضان بأسابيع، خاصة التوابل ومدخلات العُوَاسة، كي تضمن الكميات وتجهز نفسها باكراً».

ويضيف قائلاً: «هناك طلب واضح على المنتجات السودانية في هذا الموسم، وتنفد كميات التمور مثل القنديلة والبركاوي بسرعة، وكذلك مشروبات رمضان الأساسية؛ الآبري والكركدي والعرديب والقونقليز. وهناك إقبال كبير على عجين الطعمية الجاهز، واللحم المُجفّف (الشرموط) والبصل المُجفّف (الكُشْنَة) والويكة (البامية المُجفَّفة المسحونة)، لأنّ الناس يُحِبون إكمال صينية فطور رمضان بالمكوّنات المُتعارَف عليها».

ويُتابع: «في الماضي كانت معظم هذا المنتجات تأتي مباشرة من السودان، لكن مع الوقت وطّن المغتربون المستثمرون صناعتها هنا. في الوقت الحالي، يتكوّن العرض من منتجات سودانية مصنوعة محلياً، أجبان وفسيخ وزيت سمسم وزيت فول سوداني وحتى الآبري والرقاق والكسرة والدكوة (زبدة الفول السوداني)، كلها تُصنع داخل الرياض بجودة قريبة من الأصل. خفّف هذا التوطين من الضغط على الاستيراد وفتح باب الرزق لكثير من السودانيين والسودانيات».

داخل الشّقق المُجاوِرة للسوق اتَّسع سوق عُوَاسة الكِسْرة، بوصفها نشاطاً إنتاجياً ارتبط بتحوّلات النزوح وإعادة ترتيب الأولويات المعيشية، لصناعة الكِسْرة والآبري والرقاق، إلى جانب إعداد العجين المُخمّر «الخُمارة» المُستخدم في العصيدة، وأصبحت تمثل ركيزةً لاقتصاد منزليّ تُديره الأسر بآليات أقرب إلى المشروعات الصغيرة.

تَعمل أم سارة وأختاها في مجال العواسة منذ رمضان الأول للحرب، عقب لجوء جميع أفراد الأسرة إلى الرياض، وقد اكتسبت منتجاتهنّ سمعة طيبة ورواجاً واسعاً. تقول لـ«أتَـر»: «بعد وصولنا إلى الرياض، شرعنا في البحث عن طريقة نستفيد بها من مهاراتنا داخل البيت، فبدأنا بعواسة الآبري والرقاق، ومع الوقت دخلت الخُمارة ضمن الطلب، لأنّ كثيراً من الأسر تحبّ أن تشتريها جاهزة لتوفير الوقت والمجهود، ونحن نحسب تكلفة الذرة والتوابل والغاز، ونحدّد السعر بحسب الكمية والطلب اليومي. في رمضان، قد تصل الأرباح إلى حوالي 13 ألف ريال سعودي في الشهر، ننفق جزءاً منها لشراء المواد الخام وتكبير الشغل، ونُنفق ما تبقى في الإيجار والمصاريف وتحويل دعم لأهلنا في السودان».

يتّخذ موسم غبيرا الرمضاني طابع دورة مالية مركّزة زمنياً، ترتفع خلالها كثافة التداول وتتسارع حركة السيولة داخل الحيّ. مع اقتراب الشهر تعيد الأسر ترتيب أولوياتها الشرائية، فتُفصل ميزانية رمضان عن بقية المصروفات، وتُوجَّه نحو سلع مُحدَّدة تَشمل المُكوِّنات الغذائية الأساسية ومُستلزمات الضيافة والزينة والبخور. هذا التركّز الزمني في الإنفاق يرفع سرعة دوران المخزون، ويزيد من كفاءة استخدام رأس المال العامل لدى التجّار، بخاصة في سلع مثل الذرة والويكة والبهارات ومكونات العصائر التقليدية.

تتحرّك الكتلة النقدية داخل شبكة مُترابطة من المُورّدين وتجّار التجزئة والأسر المنتجة، في سلسلة إمداد محلية تتّسم بالمرونة. يُعيد التاجر تموين مخزونه وفق مؤشرات المبيعات اليومية، بينما ترفع الأسر المنتِجة طاقتها التشغيلية استجابةً لارتفاع الطلب، خصوصاً في الآبري والرقاق وما شابههما. تتَّسم المدفوعات بسرعة الدورة، سواءٌ أكانت عبر النقد أم التحويلات الفورية، ما يُعزّز تدفُّق السيولة ويَختصر دورة التحصيل. ويَظهر توجّه ملحوظ نحو الشراء بالجملة في السلع ذات الاستهلاك المُتكرِّر، وهو سلوك يَعكسُ إدارة أسرية قائمة على توقّع ذروة الطلب خلال الأيام الأولى من الشهر.

هذا التوازن بين كثافة الطلب الموسمي وقدرة العرض المحلي على التكيّف، يَمنح سوق غبيرا استقراراً نسبياً خلال فترة ترتفع فيها معدّلات الاستهلاك. وهنا يَعمل رمضان محفّزاً دوريّاً للنشاط التجاري، ترتفع خلاله القيمة المُتداولة مُقارنةً بالأشهر العادية، وتتَّسع هوامش الرّبحية في بعض السلع ذات الخصوصية الثقافية أو محدودية العرض، ضمن بيئة اقتصادية أعادت تشكيلها زيادة أعداد المقيمين واستقرار الأسر السودانية التي لجأت إلى الرياض خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الحرب.

Scroll to Top