أتر

خطوات على نار النزوح: هل نجا ذوو الإعاقة بعد سقوط الفاشر؟

الهواء مشحون بالغبار والدخان، وفاشر السلطان لم تعد سوى أطلال متوارية تحت الشمس النازفة. في كلّ شارع وعلى كلّ زاوية، تئنّ الأرض بأسماء القتلى والمفقودين والمصابين، وتهرول أقدام الفارّين فوق حطام المدينة بلا توقّف. هنا، حيث تصرخ البيوت المحطمة ألماً، وجدَت خديجة النور يدها مبتورة وتتشبّث بذراع طفلتها النحيل، كلّ خطوة مؤلمة كأنها نار تحت الجلد، وكلّ صوت انفجار يعيد إليها صورة رحلتها من المدرسة إلى المعسكر، حيث الانتظار الطويل للموت والماء القليل والظلام المُخيِّم على الأرواح الثكلى.

المدينة التي كانت موطناً للحياة اليومية حتى أثناء حصارها الطويل، صارت في يوم 26 أكتوبر 2025 وبعده متاهةً يقطنها الموت والغياب. والطرق التي تربط بين الناس، صارت فخاخاً وكمائن يقنص فيها جنود الدعم السريع كلّ من لا يستطيع الجري بسرعة، وكلّ من يحتاج إلى يدٍ تُعينه أو إلى كرسيّ متحرّك يدفعه إلى الأمان.

روايات الناجيات والناجين

تروي ناجية تبلغ من العمر 18 سنة، من ذوات الإعاقة الحركية في الساق اليمنى، نتيجة إصابتها بشلل الأطفال في طفولتها، وتقيم حالياً في معسكر دبة نايرة بعد رحلة نزوح قسرية محفوفة بالانتهاكات، أنها خرجتُ مع أسرتها من حي المدرج، امتداد باب الحارة في الفاشر، إلى داخل جامعة الفاشر، حيث مكثت قرابة شهرين، قبل أن تضطر لمغادرة المدينة في أواخر سبتمبر 2025 سيراً على الأقدام عبر مسارات خطرة، بسبب إغلاق الطرق وانعدام وسائل النقل. «كنتُ أعتمد على ذراع أمي ومساعدة إخوتي في كل خطوة»، تقول لمراسل «أتر».

وكأنما لم يكن ذلك الخوف وتلك المشقّة كافيَيْن. تروي الناجية: «فُصِلتُ وشقيقتي ومجموعة من الفتيات عن أسرنا عند إحدى نقاط التجميع على الطريق، بحجة توفير الحماية، قبل أن نتعرّض لاحقاً لانتهاك جنسي جماعي من قبل عناصر الجنجويد، ثمّ أعادونا إلى أسرنا دون أي حماية أو إسعاف».

بعد الحادثة، وجدَتْ نفسها مُحتجزةً لأيام في ظروف قاسية بسبب عدم القدرة على دفع تكاليف العبور، قبل أن تتمكّن من الوصول إلى محلية طويلة.

واكتوت بمثل هذه التجربة ناجية أخرى، تبلغ من العمر 20 عاماً، وهي أم لأربعة أطفال، وتقيم أيضاً في معسكر دبة نايرة، كانت قد أُصيبَت خلال قصفٍ في الفاشر قبل السقوط بمدة قليلة، وأجريت لها عملية بتر ليدها المصابة، ثمّ أُجبرَت على النزوح مع أسرتها عبر مناطق عدة، من بينها شقرة وبوابة الأمل، وكانت تَعتمد على زوجها وأطفالها في كلّ خطوة، يُسندونها عند التضاريس الصعبة، ويدعمونها لتجاوز الحفر والحطام، لأنها كانت تعجز عن المشي بمفردها بسبب مضاعفات العملية التي أوهنت جسدها.

كنت أحاول أن أرفع نفسي، لكن جسدي لا يستجيب. كان الناس كانوا يقفزون فوقي. صرخ أحدهم: «شِيلوه، شِيلوه»، فرفعه ثلاثة رجال على الكرسيّ بسرعة، لكن في تلك اللحظة سقط الكرسيّ مرة أخرى أثناء اندفاع الفارّين، ثم اختفى وسط الأقدام.

تروي لمراسل «أتَـر»: «يوم سقوط الفاشر، في 26 أكتوبر، وخلال محاولتنا الخروج من المدينة، أوقف جنود من الدعم السريع نحو 18 أسرة عند إحدى النقاط، واقتادوا النساء والفتيات إلى منطقة احتجاز مؤقّت، حيث تعرّضَت مجموعة منا، حوالي 12 امرأة وفتاة، لانتهاكات جنسية متكرّرة على مدى يومين، تحت تهديد بالسلاح».

تمضي الناجية في وصف ما جرى: «جرّدونا من أموالنا وهواتفنا ومستلزمات المياه، ولم يُقدّموا لنا سوى الحدّ الأدنى من الطعام، قبل أن نُرحَّّلَ إلى موقع آخر قرب تابت، حيث تمكّنتُ ومعي عدد قليل من الهرب والوصول إلى مرفق صحي، وتلقّي علاج وقائي طارئ».

كذلك يروي محمد أزرق، 34 سنة، من مدينة الفاشر، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويستخدم كرسياً متحرّكاً: «عندما بدأ الناس يندفعون، كنت أعرف أن الكرسيّ هو حياتي. دونه لا أستطيع التحرُّك متراً واحداً».

كان أخوه يدفعه بسرعة على طريق وعر، مساره من الفاشر حتى طويلة، تنتشر فيه الحفر وبقايا القذائف. عند منعطف ضيق، اصطدمت إحدى العجلات بحجر كبير، فانقلب الكرسيُّ وسقط محمد بجانبه. يُخبر مراسل «أتَـر»: «كنت أحاول أن أرفع نفسي، لكن جسدي لا يستجيب. كان الناس كانوا يقفزون فوقي. صرخ أحدهم: «شِيلوه، شِيلوه»، فرفعه ثلاثة رجال على الكرسيّ بسرعة، لكن في تلك اللحظة سقط الكرسيّ مرة أخرى أثناء اندفاع الفارّين، ثم اختفى وسط الأقدام.

«صرختُ لأخي: الكرسي! قال لي: لو رجعنا ليهو حنموت». حمَله أخوه على ظهره، وكان يثقل عليه مع كلّ خطوة، بعد كيلومترين بدأ الأخ يترنّح. «قلت له: اتركني. قلت له: أنقذ نفسك. كان يبكي وهو يقول: ما بخليك».

عند أول نقطة تفتيش، أُنزل محمد أرضاً. طلَب أحد المسلّحين منه أن يقف. لم يستطع. «كان ينظر إليّ كأني أتمارض. قال أخي له: إنه معاق. ظلّ الجندي يَفحصني بنظرات حادّة للحظات طويلة. كنت خلالها أسمع أنفاسي فقط. بعدها سمحوا لنا بالمرور. واضطررت للنزوح إلى تشاد بعد اندلاع الحرب وتدهور الأوضاع الأمنية في المدينة، قبل سقوطها بين يدَي الدعم السريع».

في المعسكر لا توجد مسارات واضحة. أحتاج مرافقاً دائماً. لا توجد عصا مناسبة. أحياناً أبقى داخل الخيمة لأني أخاف أن أضيع.

وختم حديثه لمراسل «أتَـر»: «نجوتُ من الرصاص، لكنني الآن بلا كرسيّ أتحرّك به، ولا أستطيع الوصول إلى الماء وحدي. أحتاجُ إلى من يحملني إلى المرحاض. أشعر أنني فقدتُ حياتي مرَّتين».

وتروي فاطمة يعقوب، 27 سنة، وهي كفيفة من مدينة الفاشر: «نزحتُ مع أسرتي إلى تشاد هرباً من القصف وانعدام الأمن».

تقول لمراسل «أتَـر»: «كنتُ أسمع أصوات إطلاق النار، ولا أعرف من أين تأتي. أختي تُمسك بيدي بقوة وتقول: انحني، يميناً، توقفي». وفي إحدى اللحظات تعثرَت فاطمة وسقطت. اختفت يدُ أختها من يدها: «لم أعرف أين أنا. سمعت خطوات تبتعد. شعرت أنني تُركت». أمسك بها شابّ من الفارّين وأعادها إلى أختها.

في الطريق إلى طويلة، كانت تسمع وصفاً مستمراً: هناك حفرة، هناك عربة محترقة. لا ترفعي رأسك. عند نقطة تفتيش، وجّه إليها أحد المسلّحين أمراً مباشراً: «قال لي: انظري إليّ عندما أكلمك. لم أعرف ماذا أفعل. أختي تدخّلت وقالت له إنني لا أرى». سادت لحظة صمت ثقيل. ثم أشار بيده أن اذهبوا.

اليوم تقول فاطمة: «في المعسكر لا توجد مسارات واضحة. أحتاج مرافقاً دائماً. لا توجد عصا مناسبة. أحياناً أبقى داخل الخيمة لأني أخاف أن أضيع». وتضيف: «أشعر أنني تائهة، أعاني من آثار نفسية جراء الحرب وفقدان الاستقرار، وأتمنى أن أجد دعماً نفسياً أو اجتماعياً، إضافة إلى وسائل مساعدة تتناسب مع إعاقتي لتسهيل حياتي اليومية».

وبغُصّة دامية، يروي آدم إسحاق، وهو طفل أصمّ يبلغ من العمر 12 سنة، من مدينة الفاشر لمراسل «أتَـر» بعد موافقة والدته: «رأيتُ الناس يركضون فقط. لم أفهم لماذا». كانت أمّه تضرب كتفه بقوّة ليتحرّك. عندما أرادت أن ينحني، ضغطَت على رأسه بيدها. وفي نقطة تفتيش، صاح أحد المسلّحين بشيء لم يسمعه آدم. ولم يتحرّك. «رأيتُ العسكري يقترب بسرعة. أمسكت أمي بوجهي وأشارت إلى أذنيها لتشرح أنه لا يسمع».

وتقول والدته لمراسل «أتَـر»: «خفتُ أن يظنّوا أنه يتجاهلهم. كانوا متوتّرين ويحملون السلاح».

قُتل والد آدم خلال الاشتباكات، قبل سقوط المدينة، وبعدها لجأ مع والدته إلى تشاد. يقول: «أعاني حَالِياً بشدة في التواصل مع الأطفال الآخرين».

وتقول والدةُ ناجيةٍ شابةٍ تُعاني من إعاقة ذهنية وصعوبة في التعبير، إنّ ابنتها قد فُصلت عنهم في نقطة تفتيش لساعات طويلة قبل أن يَعثروا عليها لاحقاً في حالة صدمة شديدة: «كانوا يسألونها ولا تعرف ماذا تقول. لم تفهم ما يريدون، ولم تستطع شرح حالتها».

ومع جميع محاولات نجاتهم وجهود إنقاذهم، قُتل كثيرٌ من ذوي الإعاقة خلال الاشتباكات، لحظات الفرار ورحلات النزوح الطويلة، كما اختفى بعضهم لا محالة ضمن المختفين بلا أثر.

آلام غير مرئية

في ما يخصّ النساء المصابات جراء المعارك، تؤكّد الموظفة في حديثها لمراسل «أتَـر»، أن إصابات عدد منهن تحوّلت إلى إعاقات دائمة، ما جعلهن غير قادرات حتى على أداء الأعمال المنزلية اليومية. بعضهن يُعِلن أسراً كاملة بعد فقدان الأزواج بسبب القتل أو الفقدان أو الشتات.

متحدثة لـ«أتر»، تقول موظفة في إحدى المنظمات الدولية العاملة في معسكري دبة نايرة وطويلة، وفضّلت حجب اسمها لأنها غير مخولة بالتصريح لوسائل الإعلام، إنّ «وصول النساء والفتيات إلى المياه يمثّل أحد أكثر التحديات اليومية إلحاحاً، وهي مأساة مركبة بالنسبة لذوات الإعاقة».

وتنبّه الموظفة إلى أنّ النساء والفتيات يَقضين ما يقارب نصف اليوم يومياً في الانتظار للحصول على الماء، في ظل ازدحام شديد وبُعد المسافات داخل المعسكر. وتضيف أن المطابخ ومصادر المياه في المعسكر بعيدة عن المساكن، ما يُضاعف العبء على النساء، وبخاصة ذوات الإعاقة وربّات الأسر في ظلّ غياب أي وسائل لكسب العيش. وفي ما يتعلّق بالبنية التحتية، توضّح أنّ المعسكر لا يضم مراحيض مخصّصة لذوي الإعاقة، ما يجعل الوصول إليها شبه مستحيل لذوي الإعاقة الحركية دون مرافقة أحد أفراد الأسرة.

وفي ما يخصّ النساء المصابات جراء المعارك، تؤكّد الموظفة في حديثها لمراسل «أتَـر»، أن إصابات عدد منهن تحوّلت إلى إعاقات دائمة، ما جعلهن غير قادرات حتى على أداء الأعمال المنزلية اليومية. بعضهن يُعِلن أسراً كاملة بعد فقدان الأزواج بسبب القتل أو الفقدان أو الشتات، وأخريات لا يملكن سوى أطفال صغار، الأمر الذي يجعل وصولهن إلى الخدمات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. وتُشير إلى أنّ الخدمات المُتاحة تَقتصر على العلاج الأوّلي وغيار الجروح والأدوية، دون توفر أي دعم نفسي أو اجتماعي مُتخصِّص حتى الآن. وتؤكّد أنّ النساء والفتيات ذوات الإعاقة الذهنية هنّ الأكثر تضرّراً، وغير مرئيات تقريباً في الخدمات.

من جهتها، تقول موظفة أخرى بالمجلس النرويجي للاجئين في مدينة طويلة، فضّلت حجب اسمها أيضاً، إنّ 20 امرأة من المصابات جرّاء المعارك تلقَّيْنَ من المجلس خدماتٍ طبية أساسية وبعض مُعينات الحركة: «تعاني هؤلاء النساء بشدة في النوم والحركة والعمل المنزلي». وتَتَوافَقُ مع الموظفة السابقة في أن أكبر الفجوات تتمثَّل في غياب خدمات مُخصَّصة لذوي الإعاقة، بخاصة الدعم النفسي الاجتماعي ووسائل الحركة، بما يُعيق وصولهم الآمن والكريم إلى الموارد والخدمات الأساسية.

كيف تُفاقم فجوات الاستجابة الإنسانية معاناتهم؟

تقول ناجيات من ذوي الإعاقة تحدث معهم مراسل «أتر»، إنهن طلبن الرعاية الطبية، لكن أبلغوهنّ بضرورة الانتظار لفترة طويلة، ولم يتلقّين حتى الآن أيّ متابعة نفسية مُتخصّصة.

ويُبيّن محمد أزرق أنّ الوضع الإنساني الحالي صعب للغاية: «أنا وآخرون في حاجة مُلحّة إلى وسائل مساعدة حركية ومعينات ذوي الإعاقة الأخرى، وخدمات تأهيل، إضافة إلى دعم إنساني يضمن لنا الكرامة والاستقلالية».

متحدثاً لـ«أتر»، يقول د. محمد محيي الدين، رئيس منظمة «قادرون للتنمية» (المنظمة السودانية للإعاقة والتنمية سابقاً)، إن سقوط مدينة الفاشر ترك ذوي الإعاقة دون أيّ ترتيبات أو تحذيرات خلال الهروب، ما اضطرّ كثيراً منهم لمُواجهة المخاطر بمفردهم وسط الزحام والقصف.

وأشار إلى أنّ الفئات الأكثر تضرّراً كانت ذوي الإعاقة الحركية والذهنية، لارتباط حياتهم اليومية بالحركة والمُساعدة المُباشرة، وثمة قصصٌ كثيرةٌ لم تصل للإعلام بسبب الوصمة أو صعوبة وصول الناجين إلى المراكز الإنسانية.

وأوضح د. محيي الدين أنّ الاحتياجات الأساسية لذوي الإعاقة في طرق النزوح والمعسكرات كانت شبه غائبة، بما في ذلك وسائل النقل والكراسي المتحرّكة والأجهزة المساعدة والأدوية والدعم النفسي والاجتماعي والمترجمون للمعاقين سمعياً وذهنياً، مشيراً إلى أن توفير هذه الخدمات يُحدث فرقاً كبيراً في قدرة ذوي الإعاقة على النجاة والوصول إلى المرافق الأساسية.

وختم حديثه لمراسل «أتَـر» قائلاً: «إنّ التدخلات من منظمات ومبادرات مجتمعية محدودة وغالباً شكلية بسبب غياب إدماج الإعاقة في خطط الطوارئ وضعف التنسيق بين الجهات الإنسانية. يجب أن يكون ذوو الإعاقة من أولويات الاستجابة الإنسانية».

Scroll to Top