هذا مقالٌ مُقتطف من موجز سياسات سيُنشر قريباً بالكامل على الموقع الإلكتروني لمركز استناد للأبحاث، ونُشر في العدد (46) من أتر الإنقليزية الصادر في 2 مارس 2026.
برزت التكنولوجيا المالية (FinTech) بوصفها قوة عالمية رئيسةً تُعيد تشكيل القطاع المالي بوتيرة مُتسارعة، وتُمثِّل أحدث تطوّر في مسار الخدمات المالية. ويُعرَّف هذا المفهوم على نطاقٍ واسع بأنه الابتكار المالي المدعوم بالتكنولوجيا.
وعلى الرغم من أنّ العلاقة بين التمويل والتكنولوجيا تمتدُّ تاريخياً إلى زمنٍ بعيد، فإنّ المرحلة الراهنة من هذا التطوّر برزت في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، مدفوعةً بدخول فاعلين جُدُد إلى السوق؛ مثل شركات التكنولوجيا الناشئة، إلى جانب الانتشار الواسع للهواتف الذكيَّة.
تكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة بالنسبة للدول النامية، التي يرتبط نموّها على نحوٍ وثيق بأهداف التنمية الاقتصادية؛ إذ تُوظِّفُ التكنولوجيا المالية الابتكارَ التقنيَّ لتعزيز الشمول المالي من خلال جعل الخدمات أسرع وأقلّ تكلفة وأكثر سهولةً في الوصول، بينما ساهمت الحلول الرقميَّة بالفعل في خفضِ تكاليف المعاملات الأساسية – مثل المدفوعات العابرة للحدود والتحويلات المالية – إلى ما يقارب النصف.
وقد شهد الشمول المالي في أفريقيا جنوب الصحراء توسُّعاً ملحوظاً في العقد الماضي، مدفوعاً على نحو أساسي بالخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، حيث ارتفعت نسبة امتلاك الحسابات المالية الرسمية من نحو 20% إلى أكثر من 50%، ما وضع التكنولوجيا المالية في موقع المحرك الرئيس لهذا النمو.
أدَّت الحرب الدائرة في السودان إلى تدمير مراكز بيانات رئيسة وانهيار وظائف النظام المصرفي التقليدي، ما اضطر المواطنين للاعتماد على الخدمات الرقمية مثل تطبيق «بنكك»، الذي أصبح قناةً أساسية لإجراء المعاملات المالية. غير أنّ هذا التقدّم لا يزال مُقيّداً بضعف انتشار الإنترنت – الذي بلغ 30.9% في عام 2022 – إضافةً إلى بيئة تنظيمية تُواجه تحدّيات مُتعدِّدة، من بينها انخفاض الوعي المالي وتعقيدات الهُوية الرقمية.
![]()
«بنكك» – التطبيق المحمول لبنك الخرطوم
«بنكك» هو التطبيق المصرفي المحمول التابع لبنك الخرطوم، وقد وفر خدمات تحويل الأموال بين الأفراد، والتحويلات المالية، وسداد الفواتير، مع قاعدة مُستخدمين تجاوزَتْ سبعة ملايين شخص. وقبل أزمة السيولة النقدية في 2018، بذل البنك جهوداً واسعة لتشجيع المُستخدمين على التسجيل في التطبيق، مستهدفاً بالدرجة الأولى الفئات غير المُتعاملة مع البنوك، ومُيسِّراً التسجيل عبر أرقام الهواتف المحمولة من خلال مَحافظ إلكترونية. وتمحورت الحملةُ حول تقديم حافز مالي قدره 50 جنيهاً سودانياً عند التسجيل.
ومع اندلاع أزمة النقد، تسارعت وتيرة استخدام التطبيق على نحوٍ كبير؛ واليوم بات يَستخدمُه معظمُ كبار التجّار على نطاق واسع. وبعد اندلاع الحرب، لا يزال «بنكك» يُمثِّل الخيارَ الأكثرَ انتشاراً لتحويل الأموال وإرسال الحوالات، ما يعكس مرونةً رقمية واضحة وأهمية سوقية مُتزايدة.
القطاع المصرفي وتشكيل منظومة المدفوعات الرقمية
يُعدّ بنك السودان المركزي الجهة التنظيمية الرئيسة، إذ تشمل مهامه منح التراخيص لمُزوِّدي خدمات الدفع الإلكتروني والإشراف عليهم. في عام 2016، أطلق البنك بيئة تنظيمية مُحفِّزة، سمحت بترخيص أكثر من 64 مؤسسة في مجال التكنولوجيا المالية، الأمر الذي أضفى الشرعية على القطاع وأتاح للشركات الخاصة المُشارَكة في نشر البنية التحتية للمدفوعات. ومع ذلك، لا يزال الإطار القانوني مفكَّكاً ومتقادماً.
ومن بين الجهات الرئيسة في هذا المجال شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، التي أُنشئت عام 1999 لتكون الذراع التقنية لبنك السودان المركزي. وتمثل الشركة شراكة بين البنك المركزي 49% وشركة سوداتل 30% والبنوك التجارية 21%.
تاريخياً، اضطلعت شركة الخدمات المصرفية بأداء دَورٍ محوري في تطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية في السودان عبر أربع وظائف رئيسة: إدارة المقسم الوطني (National Switch) الذي يُتيح إجراء العمليات بين البنوك المحلية، وامتلاك رخصة جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (سويفت (SWIFT للتحويلات المالية الدولية، وتسهيل عمليات التسوية بين البنوك، فضلاً عن تمكين معاملات الدفع عبر الهاتف المحمول.
لكن بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، فقدت الشركة إمكانية الوصول إلى عدد من الأنظمة الحيوية، ما كشف عن ضعف تدابير التعافي من الكوارث. ورغم استعادة بعض الأنظمة، لا تزال خدمات أخرى – لا سيما الإشراف على خدمات عمليات المقاصّة – غير مستعادة بالكامل، ما كشف عن هشاشة النظام بوصفه «نقطة فشل منفردة» (مصطلح في الهندسة والأنظمة يعني أن ثمة جزءاً واحداً في النظام يؤدي تعطّله إلى توقّف النظام بأكمله). كذلك تولى بنك السودان المركزي في الآونة الأخيرة الإشراف المباشر على مراقبة وتدقيق معاملات المقسم الوطني، بينما واصلت شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية إدارة الجوانب التشغيلية. وانتهى أيضاً احتكار الشركة لعمليات الأموال عبر الهاتف المحمول؛ مع فَتْح السوق أمام فاعلين جُدُد من القطاع الخاص، لتدخل الشركة بذلك في منافسة مع جهات فاعلة جديدة. من بين هذه الجهات، مؤسّسات مشتركة بينها شركة زين وبنك فيصل الإسلامي من جهة، وشركة سوداني وبنك أفريقيا والخليج من جهة أخرى.
أما في ما يتعلق بمُزوِّدي خدمات الدفع الرقمية، فلا يزال القطاع المصرفي التجاري يُهيمن على السوق، فقد قُدِّر عدد البنوك التجارية المرخّصة بنحو 38 مؤسسة في عام 2021، كانت من بينها 30 مؤسسة تعتمد على شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية لتقديم خدمات الدفع الإلكتروني، بينما امتلك كلّ من بنك الخرطوم، وبنك أم درمان الوطني، وبنك فيصل الإسلامي، وبنك السلام، وبنك البركة، مقسمه الخاص، وهي البنوك الخمسة الأكبر في السودان. ومع ذلك، تظلّ جميع البنوك المرخّصة مُقيدة بالالتزام بمعايير التشغيل البيني الإلزامية للخدمات مثل التسويات بين البنوك التي تمرّ عبر شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية.
وقد اتّخذت الشركة عدداً من الخطوات الإيجابية لضمان التشغيل البيني بين مختلف الجهات الفاعلة في مجال التكنولوجيا المالية. ومن أبرز هذه الخطوات تمكين عمليات الدفع باستخدام رقم الحساب المصرفي الأساسي (BBAN) بين البنوك المختلفة، وهو إجراء كان حاسماً في مواجهة أزمة السيولة التي نتجت عن تغيير العملة خلال عامي 2024 و2025، والتي أدّت إلى انخفاض تداول النقد إلى أدنى مستوياته. كما تعمل الشركة في الوقت الراهن على دمج معاملات الأموال عبر الهاتف المحمول ضمن نظام رقم الحساب المصرفي الأساسي.
خريطة الجهات الفاعلة الرئيسة في قطاع التكنولوجيا المالية
مع كلّ ذلك، يظلّ السودان غائباً عن مسارات التشغيل البيني الإقليمي التي تُطوِّرها التكتلات الاقتصادية عبر القارّة. على سبيل المثال، حقّقت مبادرة الاتحاد الأفريقي الخاصة بمنطقة التجارة الحرة القارّية الأفريقية (AfCFTA) تقدّماً في عدة محاور، مثل بروتوكول التجارة الرقمية ومخطّط «سمارت آفريكا» (Smart Africa) للمدفوعات الإلكترونية؛ كذلك لا يزال السودان من بين عدد محدود من الدول – خمس دول فقط – التي لم تُصادق بَعد على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارّية الأفريقية.
قبل الحرب، أدّى القطاع المصرفي التقليدي السوداني دَوراً حاسماً، لكنه متناقض، في تطوير التكنولوجيا المالية والمدفوعات الرقمية. فمن جهة، وَضَع الأسس التقنية للنظام الرقمي، ومن جهة أخرى فَرَض قيوداً هيكلية خدمت في المقام الأول الفئات الحضرية والمتعاملة مع البنوك. وقد انعكس ذلك بوضوح في التوسّع البطيء لخدمات الأموال عبر الهاتف المحمول، التي تُقدّمها شركات الاتصالات عادة عبر أرقام الهواتف دون الحاجة إلى حساب مصرفي أو هاتف ذكي لإجراء المعاملات.
وبما أن 15% فقط من البالغين كانوا يمتلكون حسابات مصرفية قبل الحرب، فإنّ التطبيقات الرقمية المرتبطة بالحسابات المصرفية الرسمية استَبعدت عملياً 85% من السكان.
بطء اعتماد خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول
جرى تحديث لوائح بنك السودان المركزي منذ عام 2021، للسماح لشركات الاتصالات بتقديم خدمات مالية عبر إنشاء كيانات مالية مُستقلَّة بالشراكة مع مؤسسة مصرفية واحدة أو أكثر. وقد قُوبلت هذه الخطوة بترحيب واسع، وبدأت تُترجم إلى انتشار أكثر وضوحاً لخدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، لا سيما من خلال شركة «إم تي إن» (MTN) عبر خدمتها «مومو» (MoMo)، إضافةً إلى إعلان شركة سوداني عن إطلاق خدمة مُماثلة بالشراكة مع بنك أفريقيا والخليج. غير أنّ الاضطرابات الواسعة التي طالت البنية التحتية للاتصالات بسبب الحرب أدّت إلى إبطاء هذه الجهود إلى حدٍّ بعيد.
ويتمثّل أحد أكبر العوائق أمام انتشار هذه الخدمات – التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في العديد من الدول المجاورة – في بناء شبكة فاعلة من الوكلاء؛ إذ تُتيح هذه الشبكة عمليات السحب والإيداع النقدي التي تُشجّع على تبنّي حلول الدفع الإلكتروني على نطاقٍ واسع. وقد أثبتت التجارب الإقليمية أنّ الوكلاء يُمثّلون العنصر الأكثر أهمية في منظومة الأموال عبر الهاتف المحمول، إذ يَعملون بمثابة مصارف صغيرة على عتبة باب المستخدم.
غير أنّ البنوك وشركات الاتصالات قد أخفقَتْ في تحفيز وكلاء السحب والإيداع للعمل ضمن المنظومة الرسمية. فقد كان العملاء يَحصلون على عمولات أعلى وغير منظمة، تتراوح بين 10 و50% من تحويلات رصيد الاتصالات غير الرسمية، وهو ما أعاق توسُّع الشبكات الرسمية للوكلاء. وحتى بعد دخول شركات الاتصالات إلى هذا المجال، لم تتمكّن من الاستفادة الكاملة من شبكات وكلائها الواسعة، إذ تظلّ هوامش الربح من الرسوم القياسية للسحب والإيداع غير جذابة نسبياً. ونتيجة لذلك، غالباً ما يُعيد الوكلاء توظيف سيولتهم في أنشطة اقتصادية أخرى توفر عوائد استثمارية أعلى.
خلاصةُ القول، لا تزال منظومة المدفوعات الرقمية في السودان محدودة النطاق، في ظلّ بطء اعتماد خدمات الأموال عبر الهاتف، حيث يعتمد الدفع الرقمي بنحوٍ أساسي على التطبيقات المصرفية مثل «بنكك» و«فوري»، وهو ما يَقْصِر هذه الخدمة على أقلية صغيرة من السكّان. كما أن قضايا مثل الهوية الرقمية، وخُطط التعافي من الكوارث، وقوانين حماية البيانات، والتشغيل البيني بين البنوك وشركات الاتصالات، جميعها تتعيّن معالجتها ضمن إطار تنظيمي شامل يمكّن القطاع من مواكبة أفضل الممارسات الإقليمية والدولية.
![]()
![]()
![]()
كينيا – نموذج يقوده القطاع الخاص وتحدّي الثقة العامة
تتميز تجربة كينيا بنجاحٍ لافت لنظام الأموال عبر الهاتف المحمول (M-Pesa) الذي يقوده القطاع الخاص. وقد أُطلق النظام من قِبل شركة اتصالات، ليسدّ فجوة حاسمة في بلدٍ كان يعاني من محدودية البنية التحتية المصرفية التقليدية، ما ساهم في تعزيز الشمول المالي وأثبت قدرة كبيرة على الصمود خلال الأزمات. ويستند استقراره إلى بنية مالية آمنة، يُحتفظ فيها بجميع أموال العملاء في حسابات ائتمانية معزولة، لا يمكن استخدامها للإقراض أو الاستثمار.
لكن تجربة كينيا أيضاً تقدّم درساً تحذيرياً واضحاً في ما يتعلّق بالمبادرات الحكومية. فقد فشلت محاولة الحكومة الكينية في إطلاق نظام وطني للهوية الرقمية باسم (Huduma Namba). وبعد إنفاق يُقدر بما بين 72 إلى 115 مليون دولار، أوقفت المحكمة العليا في كينيا البرنامج؛ نظراً إلى مخاوف جِدِّية تتعلق بحماية البيانات، إلى جانب ضعف ثقة الجمهور، في دليلٍ واضح، على أن التكنولوجيا، مهما كانت متقدمة، لا يمكن أن تنجح دون أن تلقى قبولاً من المواطنين.