تواجه الجمهورية الإسلامية في إيران الساعةَ، وقد بلغت عمر السابعة والأربعين، وانقضّت عليها الإمبريالية الأمريكية في نسخة «9 طويلة» للملك دونالد، بذراع صهيونية ممتدّة وقواعد عسكرية تحيط بها في جوارها القريب من كلّ جانب، اختبارَ بقاءٍ يفوق ذلك الذي واجهته في الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988)؛ حرب الأعوام الثمانية التي اشتدّ فيها عُود جهاز الحكم الجديد (1979) وعرَكت كوادره بصراع قاسٍ مرير، قضى فيه ما لا يقلّ عن 200 ألف مقاتل إيراني، وفي تقديرات أخرى ثلاثة أضعاف هذا العدد.
واقع الأمر، أنّ الحرب العراقية الإيرانية مثلت التجربة التكوينية الملموسة لإيران الثورة، لا الأدب الشيعي الموروث ولا فلسفة «ولاية الفقيه» الحديثة وحدهما؛ فهي الحرب التي خاضتها الثورة معزولةً دبلوماسياً ومتواضعة عسكرياً، لكنها نجَت، بمزيج من الحمية الأيديولوجية والتلاؤم غير المتماثل. واستثمرت إيران، بوحي هذه التجربة، في هياكل غير مركزية للقيادة وصناعة دفاعية قوامها المُسيَّرات والصواريخ وشبكة إقليمية من الحلفاء طال تمرينهم لمثل هذا اليوم؛ يوم لقاء قوة أعظم منهم جميعاً ظاهر الأمر، لُحمَتُهم حكمة الإمام عليّ لينينية الطابع: «إذا هِبْتَ أمراً، فَقَعْ فيه؛ فإنّ شدّةَ توَقِّيهِ أعظمُ مما تخافُ منه».
لطالما حامت شبهة «العبثية» حول حرب الثمانية أعوام هذه في الأدب الغربي، فهي عند مؤرّخين ذوي شأن صيغةٌ متجدّدةٌ للصراع الأزليّ بين الفُرس والعرب للسيطرة على الخليج والهلال الخصيب، وعاد بها بعضُهم إلى صراع الحضارتين البابلية والفارسية الأولى. وقال آخرون إنّ الجَذر يكمن في الدمار الذي لحق بدولة فارس الساسانية على يد العرب المسلمين في القرن السابع ثم تحول الفرس إلى الإسلام. وطغى بطبيعة الحال التصوُّرُ القائلُ بأنها امتداد للصراع المحتدم على القوة والنفوذ بين الشيعة والسُّنة. هذا بينما ردّ المؤرّخان العسكريان وليامسون موراي وكيڤن وودز الحربَ العراقية الإيرانية إلى التكوين الذاتي لكلٍّ من صدام حسين وروح الله الخميني وطموحاتهما التي تفوق ما بيديهما من قدرات (و. موراي و ك. وودز، الحرب الإيرانية-العراقية: تاريخ عسكري واستراتيجي، دار جامعة كمبردج، كمبردج، 2014).
لا غرو أن يَصلُح أيٌّ من هذه العوامل، أو مجتمِعة، تفسيراً للاستعداد التاريخي للصراع بين إيران والعراق. بصيغة أخرى، قد تفسِّر هذه العوامل احتمال الحرب، لكنها لا تفسِّر نشوب حرب بعينها في الزمان والمكان؛ ولا تفسِّر فترات السلم والتعاون الطويلة بين البلدين الحديثين خلال القرن العشرين. لقد تعاوَن كلٌّ من العراق وإيران في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين على كبت التمرُّدات على حدودهما، لا سيّما التمرّد الكردي الطويل بمطلب حقّ تقرير المصير ودولةٍ مستقلّة. وتوصّلا في 1937 إلى تعاهُد سلميّ بخصوص النزاع بينهما حول شطّ العرب. وتعاقدا فوق ذلك بحلف أمنيّ – حلف سعدباد – يجمعهما وتركيا وأفغانستان. وفي 1955، قام بين الاثنين وبريطانيا وتركيا وباكستان «حلف بغداد» تحت لواءٍ غربيّ، واستمر التعاون بينهما حتى أواخر الستينيات.
انتبَه إلى هذه المسافة، بين وقائع الصراع وتفسيره، الدكتور أفرايم كارش، المؤرّخ الصهيوني وأستاذ دراسات الشرق الأوسط والمتوسط في كلية الملك (لندن) في كتابه القصير «الحرب الإيرانية العراقية 1980 – 1988» (أوسبري للنشر، 2002). قد لا تَأتمنُ قارئةٌ حريصةٌ مثلَ كارش على حقيقة حربية؛ فقد قامت سُمعته الأكاديمية على زعمِه بأنّ النكبة الفلسطينية عام 1948 كانت بالدرجة الأولى من صُنع الفلسطينيين أنفسهم، فقد هجروا مساكنهم وقراهم بدفع من زعمائهم المحليين ومن «جيش الإنقاذ العربي» الذي حثّهم على اللجوء منعاً لتحوُّلهم إلى مواطنين في دولة إسرائيل الجديدة، وجاء في هذا الباب بوثائق منتخبة، مراسلات وتقارير صحفية وشهادات شخصية (أفرايم كارش، خيانة فلسطين، دار جامعة ييل، لندن، 2011). قدّم المؤرّخ كارش، وهو أيضاً محلّل بحثي وضابط سابق في جيش الدفاع الإسرائيلي، هذا التصوّر لتبرير الموقف الصهيوني الرافض لحقّ «العودة» من موقع «علمي» و«أكاديمي» يمكن التسويق له بعبارة مهذّبة. لكنّ كتابه عن حرب الثمانية الأعوام يستحقّ الاعتبار تحديداً لاهتمامه بالدواعي المباشرة والوقائع التي قامت فيها الحرب العراقية الإيرانية، وقال إن رصاصتها الأولى انطلقت في 1969 وأصابت الهدف في 1980.
انقطعت سيرة التعاون بين العراق وإيران في أول السبعينيات بعِلل مركّبة. أعلنت بريطانيا في 1968 تفكيك قواعدها العسكرية شرق السويس، وتعاظمت طموحات إيران البهلوية بزيادة مداخيلها من البترول، الأمر الذي ورث منه الشاه محمد رضا بهلوي عزماً على تعضيد مكانة إيران ضامناً للأمن في الخليج الفارسي. قدّر الشاه أنّ إيران مهيأة لأن تُؤدّي دَور حارس الخليج وضابط شؤونه، فتوسّع في الإعداد العسكري والتسليح، وقرّر ضمن هذا البعث الإيراني فضَّ معاهدة 1937 مع العراق بخصوص شطّ العرب من طرف واحد. وكانت المعاهدة رسمت الحدود بين البلدين عند مستوى الماء الأدنى على الشطّ الشرقي، ما أعطى العراق السيطرة على كامل الطريق المائي عدا المنطقة القريبة من مدينتي آبادان وخورامشهر الإيرانيتين. رفضت إيران، بهذا التحلّل من معاهدة 1937، دفعَ رسوم الملاحة للعراق فعبَرت في 24 أبريل 1969 سفينة تجارية إيرانية مياهَ الشطّ، ترافقها قِطَع من البحرية الإيرانية. واستثمر الشاه فوق ذلك من ماله الوفير ما استثمر في دعم الحركة الانفصالية الكردية في العراق.
اشتبك الجيشان العراقي والإيراني، بهذه الدوافع المباشرة، في معارك محدودة عبْر شطّ العرب، في شتاء 1973-1974، بانَ فيها التفوُّق الإيراني على النظام العراقي بقيادة أحمد حسن البكر، وصدّام حسين وقتها نائب للرئيس. ترنّح النظام البعثي في العراق، وكاد أن يقضي بتبعات هذه المعارك السياسية والاقتصادية في جبهتين؛ خارجية ضدّ إيران وداخلية ضدّ الحركة الكردية المسلّحة، فقدّر الانسحاب ليوم آخر. رضِي العراق بقسمةٍ ضِيزَى في معاهدة الجزائر لعام 1975 تنازَل بموجبها عن هيمنته على شطّ العرب وكذلك عن كلّ ادّعاء سابق بخصوص إقليم خوزستان ذي الأغلبية العربية. رسمت المعاهدةُ الجديدة الحدودَ النهرية في المياه العميقة وسط النهر، وبذلك عادت لإيران السيادةُ على نصفه. والعُقدة أنّ لإيران، فضلاً عن شطّ العرب، ساحلاً طويلاً على الخليج يمتدّ إلى حوالي 2000 كيلومتر، أما العراق فمحبوس عن أيّ مخرج بحريّ سوى شطّ العرب الممتد مسافة 40 كيلومتراً. بلغ البلدان بمعاهدة الجزائر توازناً للقوّة بينهما يَميل لمصلحة إيران الشاه الذي حقّق طموحاته في شطّ العرب، بينما تفرّغ العراق لكبت تمرُّد الأكراد وإعادة بناء قدراته العسكرية.
انهار هذا التوازن يوم قامت الثورة الإيرانية في 1979 وتحقّق للمرحوم الإمام الخميني (الطريد من إيران بقرار من الشاه منذ 1964) قيادتها. خشي العراق من إيران الثورة ما يخشى كلُّ نظام قائم من مثال جماهيري، وجمعت هذه الخشية نظام البعث العراقي وأنظمة الخليج العربي الأميرية ومِن خلفهم الولايات المتحدة الأمريكية في جبهة واحدة مُعادية لإيران؛ جبهة لا يشقّها الخلاف بين «تقدّمي» و«رجعي» أو «اشتراكي» و«رأسمالي». بخاصّة أن النظام الجديد في إيران لم يحبس دعوته، إنما جاهر برفض النظام القائم في الشرق الأوسط، وأعلن «ثورة دائمة» للأمة الإسلامية عاصمتها طهران. التقط أنصارٌ للنظام الجديد خارج حدود إيران هذه الدعوة واستعدّوا لخدمتها، فقامت في نوفمبر 1979، ثمّ في فبراير 1980، تظاهرات عارمة في المدن ذات الأغلبية الشيعية في الأحساء السعودية، وقامت مثلها في 1979-1980 في البحرين والكويت، لكنْ كان أكبرها جمهوراً وأشدّها خطراً في العراق.
حثّ النظامُ الإيراني الجديد شيعةَ العراق (وهم 60% من السكّان) على الثورة على نظام البعث ومدّ يد العون لمنظمات شيعية سرّية، كما جدّد الدعمَ للأكراد العراقيين الذي كان انقطع في 1975. صار خطر التمرّد الشيعي على نظام البعث كابوساً شخصياً للمسؤولين العراقيين بواقعتين في 1980: محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز عند بوابة جامعة المستنصرية في بغداد، ومحاولة اغتيال وزير الإعلام لطيف نسيم جاسم الدليمي. قال صدام حسين يوم المستنصرية: «نحن نرقص على أكتاف الموت»، ومات فعلاً أكثر من 20 مسؤولاً عراقياً بقنابل المنظمات السياسية الشيعية. أعلنت إيران في 8 مارس سحب سفيرها في العراق، وبدأت المناوشات الحدودية بين الطرفين في مايو 1980. تطوّرت هذه إلى تبادُل للقصف المدفعي ومعارك مدرّعات في أغسطس 1980، واستمر الكرّ والفرّ على الحدود، ثمّ أعلن الإيرانيون في سبتمبر 1980 الانسحاب من معاهدة الجزائر، وتبع ذلك إعلان عراقي مماثل.
نفّذت المقاتلات العراقية في 22 سبتمبر 1980 محاولةً جريئةً لتحطيم سلاح الجو الإيراني وهو رابض على الأرض، على مثال الهجمات الإسرائيلية على الطيران المصري في حرب الأيام الستة 1967، لكن لم تنجح المحاولة كما خُطِّط لها. عبرت القواتُ العراقية المدرّعة الحدودَ في اليوم التالي عبر جبهة ممتدّة على طول 650 كيلومتراً بهدف احتلال خوزستان، وفَصْل شطّ العرب عن بقية إيران، وتأمين منطقة أمنية على طول الحدود الجنوبية. لم يكن الجيش الإيراني على استعداد لمثل هذه المواجهة، واقتصر وجوده في خوزستان ساعة الحرب على فرْقة واحدة مدرّعة في مقابل ستّ فرق عسكرية عراقية عبرت الحدود. لكنّ الجيش العراقي واجه حرباً شعبية يقودها «الباسداران»، الحرس الثوري الإيراني الوليد، بأسلحة مشاة خفيفة وزجاجات المولوتوف الحارقة ومعرفة دقيقة بالناس والتضاريس. كانت هذه المعرفة سبباً في إفشال الخطة العراقية بإثارة عرب خوزستان للتمرّد على طهران الثورة، فلم تقم حركة جماهيرية مُسانِدة للغزو العراقي وسطهم وظلّ ماؤهم محيطاً بسمك «الباسداران».
كَسْبُ النظام الإيراني المباشر من الغزو العراقي كان مشروعيةً عسكريةً لتأمين نفسه، وكبت الصراع الداخلي بين أجنحته، وضرب خصومه بغير تورّع، ومن ضمن هؤلاء حزب الشعب (تودة)؛ الحزب الشيوعي الإيراني. شارك تودة في الثورة الإيرانية كفصيل متقدّم من فصائلها، جاء إليها من مواقع العداء للاستعمار والإمبريالية، وفي صحنه صراعُه مع حكومة الجبهة الوطنية بقيادة محمد مصدِّق، ثمّ الدفاع عنها أمام انقلاب الشاه والمخابرات الأمريكية والبريطانية في 1953، وإقاماتٌ طويلةٌ في سجون الشاه مذ ذلك. انخرط تودة في الثورة الإيرانية، على هذا الأساس، حليفاً للقوى الإسلامية ما دام الخطّ الجماهيري والمعادي للإمبريالية في محلّه. وكانت هذه العلاقة في بعضٍ منها رَحِم، فسكرتير اللجنة المركزية نور الدين كيانوري الذي تولّى قيادة الحزب منذ استعادة حرّية العمل السياسي بالثورة في 1979 حفيد الشيخ فضل الله نوري (1843-1909)، المُنافح الشرس عن الشريعة الإسلامية، في مقابل التحوّلات الدستورية العلمانية، والرائد البطل الإسلامي عند أنصار الخميني؛ رَحِم أورثت نور الدين عند خصومه والشامتين لقب «آية الله كيانوري».
كان خطّ كيانوري، منذ حوالي 1976، دعوة إلى تحالف عريض للإطاحة بالشاه ما دامت الثورة في المراحل الأولى، وطنية ديمقراطية معادية للإمبريالية. أثبت تقديرُ كيانوري سلامتَه، فقد سقط نظام الشاه بتحالف عريض جمَع قوى متباينة من حيث مواقعها الاجتماعية والسياسية بما في ذلك حزبه الشيوعي وأنصار الإمام الخميني. وجَد هذا التحالفُ التعبيرَ عنه في حكومة رئيس وزراء ما بعد الثورة مهدي بازرقان ورئاسة أبو الحسن بني صدر؛ وأطاح حزب الخميني بالاثنين كما أطاح بقوى إسلامية عارضت «ولاية الفقيه» مثل حزب الشعب الجمهوري؛ حزب آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري -وحالَ شريعتمداري هذا في 1963 بين الخميني والإعدام على يد الشاه بأنْ ميَّزه بالدرجة الفقهية «آية الله العظمى»- ومجاهدي خَلْق الذين أنهكوا نظام الشاه عسكرياً وأمنياً حتى جاءت ساعته لكنهم عارضوا بدَورهم «ولاية الفقيه».
تهيّأت الظروف للانقلاب على تودة في 1982، حين استأنف الاتحاد السوڤييتي الإمدادات العسكرية للعراق، وكانت قد توقّفت باندلاع الحرب العراقية الإيرانية في 1980. ثمّ خيانة نائب القنصل في السفارة السوڤييتية في طهران والمسؤول الأول عن العلاقات مع تودة، فلاديمير كوزيجكين، الذي نقل للسُّلطات الأمنية في إيران «ماستر شيت» حزب تودة كما توفّر له، قبل أن يُغادر إيران إلى الغرب السعيد. انكشفت بهذه الخيانة العناصر التي تَمَكَّنَ تودة من توطينها في جهاز الدولة، في الحكومة وفي القوات المسلحة وفي الحرس الثوري وفي وسائل الإعلام.
لم يتأخّر النظام بطبيعة الحال؛ وقتَ نضجت ظروف الانقلاب، وانطلقت حملة أمنية واسعة لتصفية حزب تودة، بدأت في 6 فبراير 1983 باعتقال الصفّ القيادي بما في ذلك السكرتير كيانوري، ثمّ توسّعت لتشمل عضوية الحزب وأصدقاءه ومَن حوله وجمهوره وكلّ من اتصل بهم، ثمّ إعلان النائب العام للجمهورية الإسلامية في 4 مايو 1983 حلّ الحزب. كتبت «الصوت الوطني»، جريدة حزب تودة يومها، وقد كانت حتى ذلك اليوم تَنصُر خطّ الخميني: «نعم، العدو جدّ خطير، دمويّ، جبان، ولا عهد له ولا ميثاق. ولو كان غير ذلك لَمَا اعتقل قادة وأعضاء حزبٍ تشهد عليه وثائقُه ويشهد عليه التاريخُ أنه طالما دافَعَ عن وجود الجمهورية الإسلامية، ولَمَا اتَّهَم أفضلَ أبناء هذا البلد بالخيانة والتخابر» (فارهان جاهانبور، «إيران: صعود حزب تودة وسقوطه»، العالم اليوم، م 40، ع 4، 1984، 152-159).
قَبِل تودة من الخميني تُهماً كثيرة، لكن لم يَقبَل منه تهمة الخيانة والتخابر. وصدَع يوم 28 فبراير الماضي، ساعة بداية الهجوم الأمريكي الصهيوني على إيران، بكلمةٍ وموقفٍ لا تتأتّى سوى لمن اجتمعت عنده مِثل خبرة تودة، مِثل خبرة شعب إيران: «إنّ العدوان العسكري للإمبريالية الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، التي تُحاكمها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لا يبشّر بتحرير إيران من نير الاستبداد والحكومة الديكتاتورية الحالية، بل هو أيضاً محاولة لتدمير إيران كدولة إقليمية قوية واستبدال نظام ولاية الفقيه بحكومة تابعة واستبدادية أعلَنت بالفعل عن برنامج قمع دموي لمعارضيها».
لذلك أساء الملك دونالد التقدير، وجرّه الغرور إلى ميدانٍ عسير التضاريس، فالجمهورية الإسلامية، بسبب الصراعات التي تمور بداخلها، وبسبب التساؤل المستمرّ عن مشروعيتها أو عدمها، ليست ديكتاتورية فردية، كعراق صدام أو ليبيا القذافي. ويَصعُب أن يَقَبل أشدّ الخصوم لنظام الملالي تحليق المُقاتلات الأجنبية في سماء إيران، تسرح وتمرح، كما لا يَقبَل الإعلان الإمبراطوري بتدميرها. لا يمحو الغزو الخارجي بطبيعة الحال الصراعَ الداخلي، لكنه يُرتّب حيثياته واتجاهاته. وما كان يبدو تحت ظروف السّلم فتقاً لا يَقبَل الرتق، يمكن أن يتحوّل تحت القصف إلى تضامُن مؤقّت، تضامُن من أجل البقاء.



