حينما خرج الرئيس دونالد ترمب مُعلناً أنه قد شَنَّ للتَّو حرباً على إيران، كان ذلك من منزله في مار لاجو بفلوريدا، وهي قلعته الخاصة، حيث يُجري اجتماعاته المُهمَّة، بعيداً من المؤسسات «مصدر الفخر الأمريكي». دعا ترمب الشعب الإيراني للتقدُّم واسترداد بلادهم، وقال لهم إنها فرصتهم ربما الوحيدة لأخذ السُّلطة من نظام الثورة الإسلامية.
في الطريق إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تحوَّلت سياسة ترمب إلى ضرورة تغيير النظام الإيراني. حجّته بالضرورة أنه نظام استبدادي، يَحكم إيران بالسلاح والنفوذ والمال ومَنْع التداول السِّلمي، ويفرض قيوداً على حقوق الإنسان؛ لكنّ أكثر ما أقنع ترمب بالمواجهة مع إيران هو أنّ بنيامين نتنياهو مُصِرٌّ على أنّ أمن إسرائيل باتَ حتمياً بذهاب النظام في إيران.
جاء ذلك بمثابة مفاجأة، لكون أن حملة ترمب الانتخابية التي أوصلته إلى البيت الأبيض، تقوم على مُراعاة مصلحة أمريكا أولاً، وعدم التدخُّل في تغيير الأنظمة.
منذ يومها الأول، غيَّرَت الحرب في الشرق الأوسط كلّ شيء، وتسرَّبت تداعياتها على حركة التجارة وأسعار النفط والغاز، ولا تزال دول مثل السعودية، وقطر، والإمارات، والكويت، والبحرين، ولبنان، والعراق تتلقّى الضربات، وأصبحت في أقلّ من أسبوع ساحةَ حرب.
هنا نتساءل: أين المؤسّسات الديمقراطية التي تتجلّى مهمتها الأساسية في المناقشة المفتوحة والحرة للقرارات التنفيذية التي يمكن أن تُكلِّفَ العالم ثمناً باهظاً؟ في الدرس الغربي لشعوب العالم الثالث، كان ذلك واضحاً وتبَنَّتْه النخبةُ السياسية حتى أصبح كتاباً محفوظاً!
حينما أعلن الرئيس السابق عمر البشير الحربَ على دولة جنوب السودان، بعد احتلالها هجليج في 2012، من منبر مسجد النور في ضاحية كافوري بالقرب من منزله، شَنَّت المعارضة هجوماً عنيفاً على النظام، وعلى رأس النظام، لكونه استهتر بحياة الناس وارتجل قرار الحرب مع دولة الجنوب من منبر المسجد بدلاً عن القصر الجمهوري.
كان ذلك في السودان، حينما كان المُستبدُّ مُفلساً، قليل الموارد وقليل الحيلة. أما في واشنطن، فالرئيس ترمب انتخبه النظام السياسي الديمقراطي، والآن يستبدُّ بقرار الحرب والسلام دون استشارة المؤسسات التشريعية، أو حتى شرح حُجَّته للرأي العام الأمريكي.
تحوّلت الحرب في الشرق الأوسط إلى التلفزيون، وأصبحت حول ما إذا كانت لدى ترمب خطة لما بعد إزالة النظام الإيراني أم إنه يطلق الحديث على عواهنه. تتراءى الحرب كقصة سينمائية لا تستوجب منطق الصواب والخطأ. حينما سأل صحافيٌّ وزير الخارجية الأمريكي عن مقتل أكثر من 140 طفلاً في مدرسة داخل طهران، قال الوزير إن وزارة الحرب تُجري تحقيقاً لمعرفة ما حدَث، ومن ثم اتَّهم النظام الإيراني باعتبارها «عادته».
نشرت صحيفة نيويورك تايمز اليوم 5 مارس، مُناقشةً بين فرانك بروني وبريت ستيفانز، وهما من كُتَّاب الرأي فيها. وجَّه بروني سؤالاً إلى بريت الذي حاجج كثيراً بضرورة ضربة عسكرية على إيران لمصلحة القيم الديمقراطية، إن كان فعلاً مقتنعاً بذلك؟ أجاب بريت ستيفانز بأن إيران ما كان لها أن تقضي 47 عاماً في خوض معركة ضد الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر- يقصد أمريكا وإسرائيل – وما كان لها أن تُبدِّد ثروتها الوطنية في تمويل وتسليح جماعات مثل حزب الله وحماس. مع ذلك لا يبدو أن ستيفانز متفائل بالتغيير الجذري في إيران، لكنه يظنّ أن الحرب إذا حقَّقَتْ تعديل النظام فسيكون ذلك أيضاً نجاحاً. والنجاح هنا يعني أنّ الحرب أجبرت إيران على أن تتخلَّى بنحوٍ قاطعٍ عن برنامجها النووي، وأن تكون صديقةً وتَعرف حجمها.
كينيث ماكينزي، جنرال متقاعد، وكان القائد رقم 14 للقيادة المركزية الأمريكية، كتب بدوره مقالاً في نيويورك تايمز يوم 3 مارس الجاري، حاجج فيه بأن «ترمب سيكون الرئيس الأمريكي الذي أنهى التهديد الإيراني مرةً وإلى الأبد». تستطيع أن ترى أينما نظرت، أنّ المُناقشة الآن لم تعد حول خطورة أن يمتلك رجلٌ يناهز السبعين مثل هذا القرار مهما كان. المشكلة ليست في ما اتفق عليه العالم، من أنّ النظام الإيراني كان نظاماً مُستبدّاً، إنما هي في النظام الأكثر استبداداً القادر على ردعه.
عاش الشعب الإيراني أكثر من 47 عاماً تحت وطأة نظام مُتسلّط، وظلَّت مُقاومته مُستمرَّة لم تتوقّف ولم تنقطع. مثّلت المقاومة تحدّيات كبيرة للنظام، ولم تمنع الناس من انتزاع سبل حياة لا تخضع لسُلطة المَلالي. تحوَّلَت السجون وتحرُّش ضباط الحرس الثوري إلى خبرة وتجربة. لم يتوقّف الشعب الإيراني عن التعبير عن آرائه حتى لو واجهه النظام بالقتل والعنف المُفرَط، فكانت تظاهرات الحركة الخضراء 2009-2010، وتظاهرات المرأة الإيرانية في 2022 – 2023، وأخيراً حينما خرج أكثر من مليون مُتظاهر في طهران قبل شهرين من «هذه الحرب اللعينة».
لا تنتهي غزوة ترمب إلى إيران بالضرورة لصالح شعب إيران، فالدعاية نفسها تكرَّرَت، والوعود سجَّلها التاريخ بالحُجَّة ذاتها منذ الحرب الباردة. قال بيتر كلين وهو صحافي وصانع أفلام وثائقية حاز على جائزة إيمي، إنّ والديه عاشا الحرب الباردة في هنغاريا. خلال تلك الفترة أذاع راديو «أوروبا حرة» مراراً وتكراراً: أن على شعب هنغاريا أن ينتفض ويأخذ السلطة من النظام الشيوعي. في 23 أكتوبر 1956، خرج شعب هنغاريا إلى الشوارع وواجه البوليس السري للنظام الشيوعي وعزَل الحكومة وعَيَّنَ حكومة جديدة كما يشتهي الغرب، لكن المساعدات لم تأتِ حتى تحرَّكت الدبابات الروسية وقتلت الثوار. شاهد والدا بيتر كلين الجنود الروس يفتحون النار في ميدان مزدحم بالناس. قتل الروس ما بين 2500 و3000 شخص خلال اجتياحهم لهنغاريا.
ما الذي نتعلُّمه من قصة كلين أو بالأحري والديه؟ إن خيارات الشعوب لا يجب أن تُبنى على وعد تكتيكي مبنيٍّ على ما يُسمّى «القيم المُشتركة». لم يعد هذا ما يُحدِّدُ العلاقات الدولية والمصالح الاستراتيجية.
فعلت الولايات المُتّحدة ذلك مع المعارضين الكوبيين في الولايات المتحدة، حينما روَّجَتْ لهم فكرة غزو كوبا من الأراضي الأمريكية في 1961. وَعَدتهم بتوفير غطاء جوي، ولم تفِ بوعدها، وكانت النتيجة أنْ قتَل جنود فيديل كاسترو 100 من المعارضين واعتقلوا المئات. كذلك فعلَتْ الولايات المتحدة مع المجاهدين الأفغان في 1980، حينما زوَّدَتْهم بالسلاح والمال لمُقاومة الاحتلال السوڤييتي. أجبر المجاهدون في 1989 السوڤييت على الانسحاب. توقَّف الدعم الأمريكي، فانتهت البلاد إلى الحرب الأهلية التي مهَّدَتْ لحكم المُتشدِّدين حتى ظهور أسامة بن لادن وطالبان.
كرَّرَتْ الولايات المُتّحدة السيناريوهات ذاتها لوقت طويل، ولم تكتفِ بتحقيق هدف واحد، باستثناء عاصفة الصحراء 1991، بعد غزو العراق للكويت، إذ اكتفت بانسحاب صدّام حسين من الكويت، لكنها عادت واختلقت قصة جديدة لغزو العراق بعد أحداث 11 سبتمبر.
في السودان، ظلَّت الولايات المُتّحدة تُمارِسُ ضغطاً مُتواصلاً على نظام عمر البشير، وحتى حينما جاء خاضعاً ضعيفاً بلا موارد لم تقبله الولايات المتحدة. أدخلت وفود البشير في حلقاتٍ مُعقَّدة من المفاوضات بدأت من جنوب السودان، ودارفور، والمنطقتين، والتعاون الاستخباراتي، والتعديلات الدستورية؛ ولم تفِ للبشير بشيء. ظلّ السودان عالقاً في أضابير الخزانة الأمريكية لا يبيع ولا يشتري. حتى سقوط البشير بعد ثورة شعبية شجَّعتها الولايات المتحدة ووضعت وعوداً بالدعم ورفع الحظر. لم يصل الدعم الأمريكي، وكلُّ ما اهتمت به إدارة ترمب في دورته الأولى هو أن يطبّع السودان مع إسرائيل. وافق البرهان والحكومة الانتقالية ولم يأتِ الدعم، حتى نشبت الحرب.
كانت إيران تسير في طريق حرّيتها، أضعفت النظام مراراً وتكراراً، حتى تدخَّلَت القوة الغاشمة وجعلت ثوراتها ومقاومتها في خط النار. الآن هناك سبيل وحيد، وهو العنف، لإكمال مَهمَّة الحرب. هل سيطلق ترمب عملية برّية في إيران؟ هل يُخطّط لأن يدفع الإمارات والسعودية وقطر إلى تحمُّل تكلفة الحرب البرية؟ أم سيستمرُّ في استعراض القوة الجوية حتى تدمير إيران نهائياً، ومن ثم يدعو إلى إعادة إعمار يجمع بها المال ويُعيّن لها حاكماً عاماً؟
تأمَّلَ العالم في المُخرِج وصانع الأفلام الإيراني جعفر پناهي، الذي سافَرَ إلى لوس أنجلوس ليتسلَّم جائزة أوسكار لفيلمه «مجرد صدفة». سَجن النظام الإيراني جعفر لأكثر من 8 أشهر ومنعه من صناعة الأفلام، لكنه استمرّ ولم يتوقف وغلب الظلمَ بالإبداع والصناعة. أنتج فيلماً أول سمَّاه «ليس فيلماً». أجرى جون ستيوارت حواراً مع جعفر، وسأله: إلى أين ستذهب الآن بعد الأوسكار؟ فأجاب مُبتسماً واثقاً: «إلى إيران. لا أعرف بلداً آخر، ولا أريد بلداً آخر، ابني هناك وأختي هناك وحياتي أيضاً هناك».



