أتر

نتيجة الفجوة بين القانون والواقع: لاجئون سودانيون في مصر ضحايا لشبكات الاتجار بالأعضاء

أخيراً وافق «ود حليمة» على الحديث معنا بعد ثلاثة أيام من الاتصالات المتكرّرة، جاء ردّه مقتضباً برسالة عبر تطبيق واتساب: «نتلاقى بكرة في الكافيه حق أمس، في وسط البلد». وعند اللقاء، طلب بصوت خافت أن نتواصل معه ونُناديه «ود حليمة» لأجل سلامته، شارحاً أنّ لا أحد في مصر يعرفه به، وأنه لم يسمعه منذ ثلاثة عشر عاماً، قبل أن يغادر السودان على خلفية خلاف عائلي أدّى لقطع صلته بماضيه.

«ود حليمة» لقب رجل سوداني في مطلع الأربعينيات من العمر يعيش في القاهرة منذ سنوات، ويعمل في مساحة بعيدة عن الأضواء، ومهمته الأساسية، كما يصفها دون إفصاح كامل، هي «إقناع» اللاجئين السودانيين الذين يُواجهون ضائقة معيشية حادّة ببيع أحد أعضائهم مقابل مبالغ مالية، تصل إلى 150 ألف جنيه مصري، تُمكّنهم من الاستمرار مؤقتاً في تحمّل تكاليف الحياة.

يُخبر ود حليمة «شبكة أتَـر» بأنّ نصيبه الشخصي من كلّ عملية إقناع يتراوح عادةً بين خمسة وسبعة آلاف جنيه مصري. لكنه يُبدي حذراً في الحديث عن شعوره تجاه دَوره في هذا النشاط، ويقول بتحفّظ: «أرى أني أساعد الناس على تجاوز مشكلاتهم»، في إشارة إلى المبرّرات الذاتية التي يستخدمها على سبيل التسوية الأخلاقية، رغم أنّ النشاط الذي يشارك فيه يضع الآخرين في خطر صحي وقانوني.

ويُشير ود حليمة إلى أنّ أسعار شراء الأعضاء قد انخفضت في السوق خلال الفترة التي أعقبت اندلاع حرب أبريل في السودان بسبب تزايد أعداد السودانيين الوافدين إلى مصر واتساع قاعدة المستهدفين، لكنّ دخله قد تضاعف في المقابل للسبب ذاته، مضيفاً أن غالبية زبائنه من اللاجئين السودانيين الذين فرّوا من الحرب، وغالباً ما يُواجهون ظروفاً معيشية واقتصادية صعبة، تجعلهم أكثر قبولاً للعروض.

قبل عشر سنوات – بحسب روايته – باع ود حليمة إحدى كليتيه في القاهرة أملاً في تمويل رحلة إلى أوروبا كان يُخطّط لها، لكنه لم يحصل على المبلغ المتفق عليه كاملاً بعد أن تعرّض للاحتيال. ومن موقع الضحية سابقاً، وجد نفسه لاحقاً على الضفة الأخرى من المعادلة.

كيف أُنجز هذا التحقيق؟

تفتح شهادة «ود حليمة» التي حصل عليها التحقيق إلى جانب الشهادات التالية، ضمن بحث أوسع حول استغلال هشاشة اللاجئين السودانيين في مصر؛ البابَ أمامَ أسئلة قانونية وإنسانية معقّدة بشأن المسؤولية والحماية.

اعتمد التحقيق على مقابلات معمّقة مع تسعة لاجئين سودانيين، خمس نساء وأربعة رجال، تتراوح أعمارهم بين الثانية والعشرين والخامسة والأربعين، ويقيمون في أحياء مختلفة من القاهرة والجيزة. وجميع الأسماء الواردة مستعارة حفاظاً على سلامة أصحابها. كذلك استند التحقيق إلى إفادات حقوقيين وأطباء طلبوا عدم ذكر أسمائهم، إضافة إلى مراجعة تقارير وقضايا سابقة تتعلّق بالاتجار بالأعضاء في مصر.

جميع الذين تحدّثوا إلى التحقيق أفادوا بأنهم وقّعوا على أوراق الموافقة، لكن الغالبية لم يكن لديهم فهم كامل لما يوقّعون عليه، وكثير منهم لا يُحسنون فهم التفاصيل المكتوبة، ولم يتلقَّوا أيَّ شرح طبّي مُفصَّل، ولم تُمنح لهم فرصة التفكير أو استشارة أحد قبل العملية.

وقائع الاستدراج

تواصلَتْ معي امرأة سودانية تعرّفتُ عليها في زحام مفوضية اللاجئين، وتقرّبَتْ مني كثيراً عن طريق رسائل الواتساب، وأبلغتني بأنّ هناك شخصاً يحتاج إلى كلية، وأنّ التبرّع «إجراء بسيط» يمكن التعايش معه طبياً.

ذات صباح تلقّت مريم اتصالاً هاتفياً سيغيّر حياتها إلى غير رجعة. مريم امرأة سودانية في منتصف الثلاثينيات من العمر، فرّت من الخرطوم مع أطفالها ووالديها بعد اندلاع الحرب، واستقرّت في شقة ضيقة بأحد الأحياء الشعبية في القاهرة، بلا إقامة، وبلا مصدر دخل، ومع فاتورة علاج متراكمة لوالدها وطفلها المصاب بالربو. كانت تبحث عن مخرج من ضائقة مالية ظلّت تتّسع يوماً بعد يوم.

تروي مريم لـ«شبكة أتَـر» وقائع ذلك الاتصال وما جرى بعده: «تواصلَتْ معي امرأة سودانية تعرّفتُ عليها في زحام مفوضية اللاجئين، وتقرّبَتْ مني كثيراً عن طريق رسائل الواتساب، وأبلغتني بأنّ هناك شخصاً يحتاج إلى كلية، وأنّ التبرّع «إجراء بسيط» يمكن التعايش معه طبياً».

وطمأنتها الوسيطة بأن العملية ستُجرى في مستشفى خاص ومحترم، مقابل مبلغ مالي يكفي لتغطية نفقات العلاج لوالدها وطفلها، ويفيض ليغطي نفقات معيشتهم لفترة طويلة. بعد إبداء موافقتها المبدئية، تضيف مريم، انقطع الاتصال بالوسيطة ليومين، قبل أن تتلقّى مكالمة تطلب منها الاستعداد صباح اليوم التالي.

في الموعد المحدد، وصلت الوسيطة بسيارة أجرة، وانطلقت بها إلى حي شعبي مكتظّ تتداخل فيه الأزقة الضيقة وتعلو فيه الضوضاء، حتى توقفت السيارة أمام بناية قديمة متآكلة الواجهة، وصعدتا إلى الطابق الثالث حيث تقع عيادة صغيرة بلا لافتة واضحة.

دخلت غرفة العمليات مساءً، وخرجت بعد يومين وهي تعاني آلاماً حادة، وبحوزتها ورقة خروج طبية غير واضحة التفاصيل، ومبلغ مالي أقلّ كثيراً عمّا وُعدت به، متذرّعين بحجج واهية لتأجيل دفع المتبقي.

تقول مريم إنها وجدت في الاستقبال شابة واحدة برفقة ممرّضتين فقط، وقد استقبلنها بترحاب وطلبن منها الانتظار إلى حين وصول الطبيب. وبعد نحو عشر دقائق، حضر رجل قدّم نفسه بوصفه الطبيب واصطحبها إلى الداخل. وخلف باب جانبي، لمحت غرفة تضمّ تجهيزات محدودة بدت لها مثل غرفة عمليات مصغّرة. «كنت خائفة جداً، لكنني كنت في أشدِّ الحاجة إلى المال» تقول مريم.

وبحسب روايتها، لم تُمنح وقتاً كافياً للتفكير أو الاستشارة، وكانت تشعر بأنّ الخيارات تضيق من حولها. دخلت غرفة العمليات مساءً، وخرجت بعد يومين وهي تعاني آلاماً حادة، وبحوزتها ورقة خروج طبية غير واضحة التفاصيل، ومبلغ مالي أقلّ كثيراً عمّا وُعدت به، متذرّعين بحجج واهية لتأجيل دفع المتبقي.

تُضيف مريم أنه بعد أسابيع، ومع تدهور حالتها الصحية، راجعت طبيباً خاصاً أخبرها – وفق روايتها – بأنّ كليتها أُزيلت دون متابعة طبية كافية، ما عرّضها لمضاعفات طويلة الأمد. وتقول إنها لم تفهم على نحو كامل مضمون الأوراق التي وقّعتها، ولم تتلقَّ شرحاً طبياً وافياً حول المخاطر المحتملة للعملية، ولم يتيسر لها التمعّن في محتوى الأوراق لاحقاً أو الحصول على استشارة قانونية بشأنها، لأنهم احتفظوا بها بعد توقيعها عليها ولم يعطوها نسخة منها.

بنية مُتسلسلة

وفق رواية «ود حليمة»، فإنّ مهمّته، وسيطاً أولياً، تقتصر على الاستدراج والإقناع داخل مناطق تجمّع السودانيين، ثمّ تسليم الشخص إلى الوسيط الرئيس الذي يتولّى الترتيبات اللاحقة مع أطباء ومنشآت طبية مختلفة.

تكشف هاتان الشهادتان عن بنية متسلسلة لعمل الشبكة. تبدأ السلسلة عادةً من داخل المجتمع السوداني في مصر، حيث يتولّى شخص معروف، أو يُقدَّم باعتباره موثوقاً، رصْدَ الأفراد الأكثر هشاشة ممن يواجهون ضائقة اقتصادية أو أعباء علاجية عاجلة. يعمل هذا الوسيط الأول على بناء الثقة تدريجياً عبر الاستماع إلى المشكلات الشخصية وتقديم العملية بوصفها «مساعدة إنسانية» أو تبرّعاً مشروعاً، مع التهوين من المخاطر الطبية والإيحاء بسلامة الإجراءات قانونياً. بعد تهيئة الضحية نفسياً، يُحال إلى الوسيط الرئيس، الذي يلقّبه المتعاملون بـ«المعلّم»، ويكون مصرياً في العادة، وهو المسؤول عن تنسيق التفاصيل العملية وربط الضحية بالجهة الطبية المُنفِّذة، ويكون مشرفاً على نطاق معين من الشبكة، ويعمل معه وسطاء أوليون من داخل كل مجتمع. وتمتد الشبكة إلى رؤساء أعلى رتبة وأقلّ عدداً وأوسع سلطة، وصولاً عبر سلسلة الإمداد إلى خارج مصر.

ووفق رواية «ود حليمة»، فإنّ مهمّته، وسيطاً أولياً، تقتصر على الاستدراج والإقناع داخل مناطق تجمّع السودانيين، ثمّ تسليم الشخص إلى الوسيط الرئيس الذي يتولّى الترتيبات اللاحقة مع أطباء ومنشآت طبية مختلفة.

داخل هذه المنشآت، تُجرى عمليات إزالة الأعضاء في ظروف يغلب عليها الغموض وغياب المتابعة الطبية الكافية، بينما يبقى المموِّل النهائي – وغالباً ما يكون جهاتٍ أو أفراداً خارج دائرة الضحية – المستفيد الأكبر مالياً من العملية. ويُشير تقاطع الشهادات إلى أنّ هذا التسلسل يعكس آلية منظَّمة تعتمد على استغلال الحاجة وبناء الثقة التدريجي لإتمام العملية.

العضو المستهدف

تشير شهادة ود حليمة وشهادات اللاجئين إلى أنّ أكثر الأعضاء المُتاجَر بها هي الكلى، ويجري اختيار الأشخاص الأشدّ هشاشةً اقتصادياً لتسهيل استقطابهم رغم المخاطر الصحية الجسيمة. وبعد إزالة العضو، قد لا يتلقّى الواحد منهم إلا قدراً ضئيلاً من المبلغ المتفق عليه، أو لا يتلقّى شيئاً على الإطلاق، بحجة وجود تكاليف إضافية، أو أن العضو مَعيب، مُستغلّين هشاشة وضع اللاجئ وجهله بالقانون.

إلى جانب الكلى، أشارت بعض التقارير الحقوقية والطبية إلى حالات محدودة استُهدِف فيها الطحال أو جزء من الكبد، غالباً في مستشفيات خاصة صغيرة ضمن عمليات غير قانونية. كذلك رصدت مصادر دولية حالات أقلّ شيوعاً لاستغلال البويضات والحيوانات المنوية، لكنها ليست شائعة بين اللاجئين السودانيين في مصر.

تُشير هذه المعلومات إلى أنّ سوق تجارة الأعضاء لا يقتصر على عضو واحد، إنما يتكيّف مع الطلب والعرض، مُستغلّاً ضعف الحماية القانونية للفئات المُستضعفة وحاجة اللاجئين الماسّة إلى البقاء على قيد الحياة في بيئة اقتصادية واجتماعية قاسية.

من شواهد هذا الاستغلال ما روَته سلمى، وهي لاجئة سودانية أخرى باعت كليتها، وبعد العملية تلقّت مبلغاً أقل كثيراً من المتفق عليه، وعندما حاولت الاحتجاج هدّدوها بأنها إذا اشتكت فسوف يُبلغون عنها لأنها باعت عضواً بشرياً، وهي رواية لم تتمكّن «شبكة أتَـر» من التحقّق منها على نحو مستقلّ، لكنها تكرّرت في أكثر من شهادة.

يتراوح المبلغ الذي يُعرض حالياً على أصحاب الأعضاء غالباً بين 80 ألفاً و150 ألف جنيه مصري. وتسجّل هذه المبالغ تراجُعاً ملحوظاً، إذ كانت الأسعار في 2022 مثلاً تتراوح بين 7 آلاف و12 ألف دولار، وكانت تتراوح بين 20 ألف دولار و30 ألف دولار للحالة الواحدة، عندما جاء إلى مصر قبل ثلاثة عشر عاماً. يُرجع ذلك إلى تزايد أعداد السودانيين الوافدين إلى مصر بعد اندلاع الحرب بحسب ود حليمة.

نطاق الأسعار

وبحسب إفادة «ود حليمة»، تختلف الأسعار باختلاف الوسيط والجهة النهائية المُتلقِّية للعضو. ويوضح أن «المعلّم» الذي يعمل معه يتعامل مع عدد من الأطباء والمراكز الصحية، ما يجعل المقابل المالي متغيّراً من حالة إلى أخرى. ووفق روايته التي أكّدتها شهادات الضحايا، يتراوح المبلغ الذي يُعرض حالياً على أصحاب الأعضاء غالباً بين 80 ألفاً و150 ألف جنيه مصري. وتسجّل هذه المبالغ تراجُعاً ملحوظاً، بحسب حديث ود حليمة الذي يُرجع ذلك إلى تزايد أعداد السودانيين الوافدين إلى مصر بعد اندلاع الحرب، وهو ما وسّع قاعدة المستهدفين وخفّض القيمة المعروضة مقارنة بسنوات سابقة، إذ كانت الأسعار في 2022 مثلاً تتراوح بين 7 آلاف و12 ألف دولار، مع إمكانية الاحتيال على الضحية (كان الدولار الأمريكي وقتها يتراوح ما بين 15 و16 جنيهاً مصرياً)، منبهاً إلى مفارقة بشأن انخفاض الأسعار، قائلاً إنها كانت تتراوح بين 20 ألف دولار و30 ألف دولار للحالة الواحدة، عندما جاء إلى مصر قبل ثلاثة عشر عاماً، بينما تتراوح حالياً بين 1500 دولار و3 آلاف دولار.

بيئة التنفيذ

وصَف الضحايا أماكن إجراء العمليات بأنها مستشفيات أو مراكز طبية خاصة صغيرة، وأحياناً حافلة صغيرة «ميني باص»، وغالباً ما تُجرى العمليات ليلاً أو في ساعات متأخّرة، مع غياب أي متابعة طبية حقيقية بعد العملية. ولم تتمكّن «شبكة أتَـر» من التحقّق على نحو مستقلّ من أسماء بعض هذه المنشآت، وحجبنا أسماء تلك التي تحقّقنا منها لأسباب تتعلّق بسلامة الضحايا وتجنّب المخاطر القانونية، لكن التشابه في الأوصاف والتجارب يشير إلى نمط منظّم.

وأوضح طبيب مختصّ في أمراض الكُلى أنّ إزالة كلية دون متابعة طبية منتظمة قد تؤدّي إلى مضاعفات خطيرة، من بينها ارتفاع ضغط الدم المزمن، وتراجُع كفاءة الكلية المتبقية، وصولاً إلى احتمالات الفشل الكلوي على المدى البعيد، خصوصاً إذا أُجريت العملية دون اتباع معايير طبية صارمة أو دون تقييم شامل للحالة الصحية للمتبرّع أو الضحية.

وتصدق هذه الرؤية الطبية على شهادات ضحايا تحدّثوا عن تدهور أوضاعهم بعد الجراحة. تقول مريم إنها بدأت بعد أشهر قليلة من العملية تشعر بإجهاد دائم وصداع متكرّر، قبل أن تُبلّغ بارتفاع ضغط الدم، مؤكّدة أنها لم تتلقَّ أي متابعة طبية مُنتظمة بعد خروجها من المستشفى. كذلك يروي شابّ سوداني آخر، في الثلاثينيات من عمره، أنه اضطرّ إلى العمل في مهن شاقّة بعد استئصال كليته، لكنّ آلاماً حادة في الخاصرة وضيقاً في التنفّس كانت تعاوده باستمرار، مضيفاً: «لم يخبرني أحد بما يُمكن أن يحدث لاحقاً… بعد العملية تركوني لمصيري».

جريمة يحفُّها الصَّمت

عندما سألنا الضحايا عن سبب عدم الإبلاغ، جاءت الإجابات متشابهة: الخوف من الترحيل أو الاحتجاز، والجهل بآليات الشكوى، وانعدام الثقة في الحماية القانونية، والخوف من الوصم داخل المجتمع، كلها عوامل دفعتهم إلى الصمت.

منذ مطلع العقد الماضي، ظلّ ملف الاتجار بالأعضاء في مصر حاضراً في النقاشين الصحي والحقوقي، بوصفه قضية تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية مع تحديات الحوكمة والرقابة. وكانت مصر قد أقرّت قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية رقم 5 لسنة 2010، إلى جانب قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010، بما يجرّم الاتجار ويضع إطاراً قانونياً للتبرّع، في سياق يتماشى مع معايير «الطوعية والشفافية، ومنع الاتجار بالأعضاء، وضمان السلامة» التي تدعو إليها منظمة الصحة العالمية.

غير أنّ تقارير دولية لاحقة أشارت إلى أنّ الإطار التشريعي لم يُنهِ الأنشطة غير القانونية كلياً، إذ لفت تقرير الاتجار بالبشر الصادر عن U. S. Department of State في أعوام متعاقبة إلى تحديات تتصل بفاعلية التنفيذ وحماية الفئات الأشد هشاشة.

وفي ديسمبر 2016 أعلنت السلطات المصرية، وفق ما نقلته رويترز، عن تفكيك شبكة واسعة لتجارة الأعضاء ضمّت أطباء ووسطاء، في قضية وُصفت آنذاك بأنها من أكبر القضايا ذات الطابع العابر للحدود.

وخلال السنوات التالية، تناولت تحقيقات إعلامية وصحافية دولية ملف الاتجار بالأعضاء في المنطقة، مشيرة إلى أن بعض العمليات جرت خارج الأطر الرسمية وباستخدام منشآت طبية خاصة. وفي موازاة ذلك، حذّرت تقارير صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومنظمة الهجرة الدولية (IOM) من أنّ أوضاع اللاجئين والمهاجرين، بما تنطوي عليه من هشاشة قانونية واقتصادية، تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال في شبكات الاتجار بالبشر، بما في ذلك الاتجار بالأعضاء.

وبينما تؤكّد بيانات رسمية مصرية أنّ الظاهرة ليست واسعة النطاق، وأنّ الأجهزة المختصة تلاحقها، ترى تقارير حقوقية أنّ بعض الشبكات أعادت تشكيل أنشطتها بأساليب أكثر سرية وانتقائية، مستفيدة من فجوات الرقابة وتعقيدات الإثبات.

من يحمي اللاجئين؟

أحمد، لاجئ سوداني في أواخر العشرينيات من العمر، وقد فقد كليته، قال: «لم أكن أعرف على ماذا أوقع بالضبط. قالوا لي إنّ العملية بسيطة وسوف تساعدني، لكنهم لم يخبروني بالمخاطر. وكنت مضطراً لأن أوافق لأجل توفير المال لعائلتي. لم يكن لديّ خيار آخر».

وأضافت سلمى، وهي لاجئة سودانية أخرى في منتصف الثلاثينيات من العمر، تعرضت هي الأخرى للاستغلال بفقدان كليتها: «طمأنني الوسيط بأن كل شيء قانوني، ولن أشعر بأيّ ألم. ولم يكن لديّ وقت للتفكير، والألم النفسي من ضغوط الحياة أجبرني على الموافقة. كنتُ أخاف أن أفقد الفرصة، فقد كنتُ في أشدّ الحاجة إلى المال لشراء موافقة أمنية لأمي المريضة ولتوفير تكلفة إحضارها من السودان عن طريق الطيران، فحالتها الصحية لا تسمح لها بالسفر برّاً عن طريق التهريب».

مريم، التي فقدت إحدى كليتيها، تقول: «وقعت على الأوراق بسرعة، لم يُشرحوا لي شيئاً. كنتُ أرى أطفالي يُعانون، ولم أستَطعْ رفضَ العرض مهما كانت المخاطر». تعيش مريم اليوم بجسد منقوص وقدرة محدودة وألم لا ينقطع، بلا علاج منتظم ولا شبكة أمان. لم تكن تبحث عن ثمن لعضو من جسدها، إنما عن فرصةٍ للبقاء وحماية أسرتها من السقوط.

محامٍ مختص بقضايا اللاجئين والاتجار بالبشر أوضح أن هذه الموافقات، المستخرجة تحت ضغط الحاجة، ومع تضليل طبي وقانوني واضح، لا تُعد موافقات حرة وفق المعايير الدولية، وتعكس واقع استغلال هشاشة اللاجئين وظروفهم القسرية.

الفجوة بين القانون والحماية

رغم أنّ التشريعات المصرية تجرّم الاتجار بالأعضاء البشرية وتفرض عقوبات على الوسطاء والأطباء المُتورِّطين، تَكشِفُ شهاداتُ الضحايا عن فجوة واضحة بين النصّ القانوني وفاعلية الحماية المتاحة للاجئين، لا سيما من يفتقرون إلى الإقامة القانونية أو التمثيل القانوني.

يستند الإطار القانوني الناظم لمكافحة الاتجار بالبشر في مصر إلى القانون المصري لمكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010، وهو تشريع يُطبَّق على كلّ من يوجد على الأراضي المصرية دون تمييز بين لاجئ وسواه. غير أنّ خبراء قانونيين يرون أن قابلية اللاجئين للاستغلال لا ترتبط بغياب النصوص بقدر ما ترتبط بتحديات التطبيق العملي وإجراءات الحماية.

في هذا السياق، يوضح الأستاذ أشرف ميلاد، المحامي المُختصّ بقضايا اللاجئين والاتجار بالبشر في مصر، أنّ هشاشة الوضع القانوني للاجئين لا تُعدّ ظرفاً مشدَّداً عليه في حد ذاته وفق النص القانوني، لكنها عملياً تزيد من احتمالات الاستغلال بسبب الخوف من الإبلاغ أو من التعرّض لإجراءات قانونية مرتبطة بالإقامة. ويضيف أن قنوات الدعم القانوني المتاحة، والتي يُفترض أن تعمل بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجهات دولية أخرى، لا تتناسب – بحسب تقديره – مع حجم الاحتياج الفعلي على أرض الواقع.

ويشير إلى أنّ إثبات جرائم الاتجار بالأعضاء يواجه عوائق إجرائية مرتبطة بالطابع السري للتواصل بين الأطراف وتعدّد الوسطاء، ما يجعل جمع الأدلة القانونية أمراً بالغ التعقيد. ويرى أن سدّ هذه الفجوة يتطلب إصلاحات تشريعية وإجرائية أوسع، خصوصاً في ما يتعلَّق بتنظيم أوضاع الأجانب واللاجئين بما يضمن مستوى حماية يتلاءم مع طبيعة وضعهم الهش.

سعى هذا التحقيق للحصول على تعليق من وزارة الصحة المصرية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول ما ورد من شهادات وأنماط، ولم يتلقَّ ردّاً حتى وقت نشر التقرير.

ولا يزال السؤال يفرض نفسه: من يحمي اللاجئ عندما تتحوّل أعضاؤه إلى سلعة وثمنٍ للعيش، في فراغ قانوني تتلاشى فيه مسؤولية الحماية؟

Scroll to Top