في الصباحات التي عادت إليها حركة خجولة، تبدو الخرطوم كأنها تستيقظُ بَحذر. أبوابٌ تُفتَح نصفَ فتحة، شبابيك تُنفض عنها طبقة غبارٍ ثقيل، وأصواتُ باعةٍ يُحاولون استعادةَ نبرة الحياة. لكن تحت هذا المشهد، ثمَّة ارتجافةٌ خفيّة؛ إحساسٌ بأن المدينة نفسها لم تَعُدْ تعرف سكانها بعد كل ما حدث، وأن من عادوا إليها يواجهون اختباراً قاسياً. وما بين زمني المُغادرة والعودة إلى البيت والجيران، تتخلَّق في النفوس: ذكريات، وعلاقات جديدة وأخرى قديمة مُتجدِّدة، وبداياتٌ في واقع اجتماعي غيَّرَتْه الحرب. ولِكُلٍّ أسبابُه التي كانت أو لا تزال تدفعُه باتجاهات البقاء في المدينة أو مغادرتها أو العودة إليها؛ فمن بقوا بالمدينة في غمار حربها، أو غادروا منها خشية غوائل الصراع منذ 15 أبريل 2023، ومن عادوا كذلك بعد أن بَرَدَتْ نيران الاشتباكات في ولاية الخرطوم؛ ها هُمْ يَتعرَّفون على أنفسهم من جديد، بعد ما أضْفَت الحربُ عليها ما أضفت من شوائب. فهل كان البقاء في الخرطوم أثناء حربها بطولةً، أم كان الرحيل خيانة؟
كيف تغيّرنا؟
لا أزال أشك بين وبين نفسي: هل كانوا غرباء فعلاً؟ أقسى شعور لم يكن فقدان البضائع أو المُمتلكات، إنما رأيت بأم عيني أشخاصاً من الحي يسرقون بيوت جيرانهم في أوقات الفوضى، بعضهم كانوا يعرفون بعضهم منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في نظرة الناس إلى بعضهم بعضاً هُنا.
خليفة حسبو، 55 عاماً، صاحب بقالة، ويسكن في حي سوبا شرق بالخرطوم، يروي تجربته لـ«أتَر»، خلال سنوات الحرب بوصفها فترة تغيَّرَتْ فيها ملامح الحي والعلاقات بين الناس بنحو عميق. يقول إن البقالة الصغيرة التي يملكها كانت قبل الحرب نقطة التقاء للجيران ومكاناً يعرف فيه الجميع بعضهم بعضاً، لكن مع تصاعد العنف منذ نشوب الحرب أصبحت الحياة اليومية أكثر هشاشةً وخوفاً.
لقد تعرَّض متجره وبيته لثلاث عمليات نهب وسرقتين خلال فترات مختلفة من الاشتباكات في الخرطوم. «لا أزال أشك بين وبين نفسي: هل كانوا غرباء فعلاً؟ أقسى شعور لم يكن فقدان البضائع أو المُمتلكات، إنما رأيت بأم عيني أشخاصاً من الحي يسرقون بيوت جيرانهم في أوقات الفوضى، بعضهم كانوا يعرفون بعضهم منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في نظرة الناس إلى بعضهم بعضاً هُنا»، يقول خليفة وتعلو ملامحه الحيرة، لكنه يصل من خلال تفكيره الحائر إلى أن الحرب قد أثّرت كذلك في العلاقات الاجتماعية داخل الحي، حيث أصبح الناس أكثر حذراً في تعاملهم اليومي، ويوضح أن فتح باب البقالة كل صباح وترْكها دون من ينوب عنه لزمن قصير، أصبح بالنسبة له فعلاً يحمل قدراً من التّوتُّر، لأنه لم يعد يشعرُ بالاطمئنان نفسه الذي كان يشعر به قبل الحرب.
ورغم ذلك، يشير خليفة إلى أن عودة بعض السكان إلى حيِّه في سوبا، قد أعادت شيئاً من الحياة تدريجياً، حتى وإن كانت مصحوبة بالحذر. يقول إن الجيران بدأوا يحاولون استعادة علاقاتهم القديمة خطوة بخطوة، من خلال السلام اليومي والمواقف الصغيرة التي تُعيد بناء الثقة ببطء.
ومن جزيرة توتي غادرت حنان آدم، 24 سنة، في يونيو 2023 متجهةً إلى مدينة ود مدني بولاية الجزيرة بعد تصاعد القتال في الخرطوم، ومن ثم نزحت شرقاً إلى كسلا، عقب اجتياح الدعم السريع لولاية الجزيرة. تقول حنان إن مغادرة المكان الذي نشأت فيه ثم العودة إليه لاحقاً، في أغسطس 2025، جعلها تُدرك حجم التحولات التي يمكن أن تطرأ على المدن وسكانها خلال فترات النزاع، وتصف التغيّر الذي امتدَّ أيضاً إلى العلاقات الاجتماعية داخل الحي: «بعض الجيران نزحوا ولم يعودوا بعد، بينما عاد آخرون وهم يحملون تجارب قاسية من النزوح».
وتضيف أن هذا الواقع جعل العودة إلى الجزيرة أشبه بعملية إعادة اكتشاف لمجتمعها، ومحاولة لإعادة بناء علاقات الجوار التي تأثرت بفترة الحرب والنزوح. تقول: «ما زلتُ أُحاول استعادة الإحساس الطبيعي بالحياة اليومية في الجزيرة، أقاوم شعور الخذلان الذي يُقيِّدني بالوسواس. ورغم إدراكي أن التجربة التي مر بها السكان خلال الحرب ستظل جزءاً من ذاكرة المكان لفترة طويلة ما زلتُ أُحاول دعمهم».
اختبار العلاقات القديمة
الكلُّ استقبلني بحنيَّة ودفء. لم أشعر بحاجة لتبرير قراري بالرحيل، لم يكن هناك لوم أو استياء من أحد. شعرت أن المجتمع، رغم كل ما حدث، ما زال قادراً على التماسك والتعاطف.
عاد أحمد صلاح، 30 عاماً، إلى حي المايقوما بالحاج يوسف بمحلية شرق النيل، بعد عشرة أشهر من النزوح، وكان قد غادر بيته في مارس 2024. عاد وقد وجد الروابط بين الأهل والجيران قد استمرَّت رغم البُعد: «الكلُّ استقبلني بحنيَّة ودفء. لم أشعر بحاجة لتبرير قراري بالرحيل، لم يكن هناك لوم أو استياء من أحد. شعرت أن المجتمع، رغم كل ما حدث، ما زال قادراً على التماسك والتعاطف».
«لم أشعر بالخوف أو الذنب عند مغادرتي الخرطوم، كانت هناك أسرار أمان لعائلتي يجب أن أحميها»، يقول صلاح في حديثه لـ«أتَر»، ومن ثم يضيف: «كنتُ أعلم أن ترك البيت قد يُسبِّبُ لي شعوراً بالحنين، لكن لم أتوقَّع مدى الفقد الذي سأشعر به لاحقاً. أردتُ احتضان زحمة الشوارع، رائحة الخرطوم، أصوات الباعة، حتى الضوضاء التي كنا نتذمَّر منها قبل الحرب».
أما قسمة مختار، 45 عاماً، من حي الكلاكلة، فقد اضطرَّت إلى مُغادرة الخرطوم في يونيو 2023، متجهةً إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، لتمكث نحو أربعة أشهر قبل أن تُقرر العودة إلى الخرطوم في أكتوبر 2023. ومنذ عودتها، لم تغادر منزلها مرة أخرى رغم استمرار الظروف القاسية. تقول لنفسها: «لو أتاني الموت، أفضل أن أموت في بيتي»؛ وتشرح لـ«أتَر»، ما كان يجول بخاطرها: «كنتُ أعرِفُ أن البقاء سيُعرِّضُنا جميعاً للخطر، لكن الرحيل كان شعوراً مُعقّداً، بين الخوف على أنفسنا والشعور بأننا نترك جزءاً من حياتنا وراءنا. عندما قررتُ المغادرة، لم يكن القرار سهلاً، خاصة وأنا أتحمَّل مسؤوليات إضافية تجاه أسرتي والمجتمع من حولي».
لدى عودتها فرحت قسمة لرؤية الجيران والعائلة، والشوارع التي اعتادت عليها، فالجميع – كما تقول – تعاملوا معها بمحبّة، ولم يكن هناك لوم أو سؤال عن سبب الغياب. هذا ما جعلها تشعر بالراحة النفسية والسلامة. لكنها عادت بخلاصة: «أفهم أن كل شخص اتخذ قراره بناءً على ظروفه». وتستدرك: «لكن المهم أن نتمكَّن من إعادة حياتنا وربط أنفسنا مرة أخرى بالمكان والناس، وبناء روابط اجتماعية مُتجدِّدة».
مشاعر لا تُقال
عندما عاد محمد عادل، 26 عاماً، إلى حيه شمبات بالخرطوم بحري، شعر بمزيج من الفرح والخوف والحذر: «البيوت مألوفة لكنها مختلفة، الشوارع تبدو غريبة، والجيران تغيروا أو رحل بعضهم. لكن شعور الانتماء بدأ يعود شيئاً فشيئاً. كل زاوية كنت أعرفها أصبحت بوابة لأستعيد نفسي، لأتذكر من أنا وإلى أين أنتمي».
قاسى عادل سلسلة انتقالات مُضنية بين مدن لم يشعر يوماً أنها بديل حقيقي عن بيته وأهله. نزح في يونيو 2023 بدايةً إلى دنقلا بالولاية الشمالية بعد اندلاع الحرب، هارباً من الدمار، لكن كل خطوة كانت تثقل كاهله؛ كما يقول في حديثه لـ«أتَر».
مكث في دنقلا عدة أشهر قبل أن يُقرِّر السفر إلى مصر في ديسمبر 2023 عبر الطريق البري الذي يمر بوادي حلفا ثم إلى أسوان، وهو المسار الذي استخدمه آلاف السودانيين خلال موجة النزوح الأولى: «هناك واجهتُ شعور الغربة، لم يكن المكان بيتاً، ولم أشعر بالانتماء الكامل، رغم الأمان النسبي». وبعد نحو خمسة أشهر في مصر، عاد إلى بورتسودان في مايو 2024، لكنه لم يمكث طويلاً هناك. لقد كان قلبه مُعلَّقاً بالخرطوم، فعاد مرة أخرى إلى المكان الذي تربى فيه، والشوارع التي يعرف كل زاوية فيها، ووجوه الجيران وصراخ أطفالهم، والتفاصيل الصغيرة.
بارتباك فاضح، تصف أم كلثوم النور (اسم مستعار)، 45 سنة، شعورها، وهي أم لثلاث بنات، من حي الثورة بمحلية كرري: «كنتُ حزينةً وسعيدةً في الوقت نفسه، بعودة الناس لرؤية أقاربهم وأصدقائهم، وكان هناك شعور دائم بالقلق وأن ثمة شيئاً ما ناقصاً». وتُضيف أم كلثوم، التي لم تُغادر منزلها بكرري منذ نشوب الحرب: «عائلتي الكبيرة نزحت إلى سنجة في يوليو 2023 بداية الحرب، لكنني لم أُخبر بناتي بموعد عودتهم رغم إلحاحهن المُستمر. عشنا فترات وظروفاً صعبة لا يحتملها إنسان، كنتُ أراقب عيون العائدين الحائرة». وتواصل: «كل بيت تعرض للنهب والتخريب. حتى الأشجار تبدو غريبة في حَيِّنا، كأنها شاهدة على العنف الذي وقع هنا».
كان علينا أن نتعلَّم كيف نثق مرة أخرى، كيف نستعيد الألفة التي فقدناها خلال سنوات النزوح، وكيف نعيد تشكيل حياتنا بعد الصدمة.
وفي يناير 2024، نزحت منى موسى، 33 سنة، وهي أم لطفلين، من بلدة العجيجة بمحلية كرري إلى بورتسودان، وبقيت هناك سنة وعدة أشهر، قبل أن تعود إلى حيها مرة أخرى، والذي شعرت بأنه بيوته وشوارعه الأليفة قد باتت مُخيفة، لكنها تشعر أحياناً بالذنب، وكأنها قد هربت من الخطر بينما بقي أحباؤها يواجهونه مباشرة. تقول لـ«أتَر» طاردة هذا الإحساس: «لكن في الوقت نفسه كنتُ مُضطرةً لحماية أطفالي وضمان سلامتهم».
وتؤكد منى أن العلاقات مع الجيران والعائلة بدأت تعود تدريجياً، لكن الحذر كان حاضراً عند كل لقاء: «كان علينا أن نتعلَّم كيف نثق مرة أخرى، كيف نستعيد الألفة التي فقدناها خلال سنوات النزوح، وكيف نعيد تشكيل حياتنا بعد الصدمة».
هل يبدأ التعافي بالاعتراف؟
بعد رحلتها الطويلة من حي الكلاكلة اللفة، في أغسطس 2024، إلى جوبا عاصمة جنوب السودان، مروراً بكوستي والرنك وملكال، لتقضي 10 أشهر خارج البيت، ها هي الكاتبة عناب علمان، 22 عاماً، تنعم بشعور عميق وهي داخل بيتها في الكلاكلة مرَّة أخرى وترى غرفتها وأفراد أسرتها. تقول في حديثها لـ«أتَر»، إن وقت العودة كان مناسباً، فالمدينة بدأت تستعيد حياتها تدريجياً، وصار الارتباط بالمكان بالنسبة لها أقوى من أي وقت مضى.
استغرق منها قرار مغادرتها أثناء الحرب حوالي ثمانية أشهر من التفكير والموازنة بين نتائج البقاء أو الرحيل: «كان القرار أصعب مما توقَّعت. كنتُ أُراقب الأحداث وأحاول أن أقرر ما إذا كان البقاء خياراً آمناً أم أن الرحيل سيكون الأفضل لعائلتي ولنفسي، لكن إضافة إلى وعورة سبل الفرار كان هنالك شعور بالعجز أيضاً».
وتقول: «كان من المفترض أن يغادر شخص واحد على الأقل من الأسرة بينما قرر الآخرون البقاء. كنت أحس بأن الرحيل قد يبدو للبعض خيانة، لكن في داخلي شعرتُ بأنه ضرورة للبقاء على قيد الحياة».
لدى عودتها، لاحظَتْ عناب تحسُّناً في علاقتها بالمكان والمُجتمع المُحيط، وأن العودة أعادت إليها شعور الانتماء، وأن ما عاشته من نزوح وصعوبات قد منحها تقديراً أكبر للروابط الاجتماعية، وأهمية التواصل مع الناس والجيران، خاصة بعد تجربة الانقطاع الطويلة.
متحدثة لـ«أتَر»، توضح الاختصاصية النفسية د. سمية فاروق، أن تجربة العودة بعد النزوح صراع نفسي واجتماعي مُتعدِّد الطبقات بقولها، إن «ما يحدث بين من بقوا في الخرطوم ومن غادروها ثم عادوا يمكن فهمه في إطار ما يُطلق عليه في علم النفس الاجتماعي «السرديات المتوازية». فكلُّ طرف يحمل رواية مكتملة عن الألم الذي عاشه، والتوتر ينشأ حين يشعر كُلُّ طرف بأن تجربته غير مفهومة أو مرئية لدى الآخر».
تشرح د. سمية المشاعر المركبة لدى الطرفين: من بقوا في مناطق الخطر يتداخل شعورهم بالفقد مع الاعتداد بتحمل الصعاب ومعايشتهم للمأساة كاملة، وقد يَتسلَّلُ إليه غضب غير مُعلَن تجاه من غادروا. أما العائدون، فيواجهون شعوراً بأنهم اختاروا الأمان وتركوا خلفهم الآخرين.
وتُضيف: «كثيرون يرون أنهم شعروا بالحاجة لتبرير قرار الرحيل، حتى لو لم يُطلب منهم ذلك. هذا الشعور لا يعني أنهم أخطأوا، بل هو انعكاس لصدمة جماعية جعلت الناس يُشكِّكون في أبسط قراراتهم».
وترى د. سمية أن كلا الشعورين استجابة طبيعية لظروف قسرية وعنيفة مرَّت بها مجتمعات كاملة. فالبقاء لم يكن بطولة مطلقة، والرحيل لم يكن خيانة.
وتُشير إلى أن التعافي يبدأ بإعادة فتح مساحات آمنة للحكي والتعبير، بلا مقارنة، وبلا حكم على التجارب المُختلفة، «فالاعتراف بأن التجارب مُختلفة لكنها متساوية في الألم هو الخطوة الأولى لإعادة ترميم الثقة والنسيج الاجتماعي، وبناء روابط اجتماعية متينة بعد الحرب والنزوح».



