كم يتلقَّى السودان من المساعدات الإنسانية؟
بين عامي 2016 و2023، كان السودان يتلقَّى سنويَّاً ما بين 500 مليون ومليار دولار أمريكي من المساعدات الإنسانية. وعقب اندلاع الحرب الحالية، ارتفعت هذه الأرقام على نحوٍ حادّ؛ لتصل إلى 2.1 مليار دولار في عام 2024، و1.7 مليار دولار في عام 2025، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية (أوتشا). وقد وُجّه قدر كبير من هذه الأموال إلى برامج الأمن الغذائي والتغذية، بما في ذلك المنظومة اللوجستية الضخمة اللازمة لتوزيع الإمدادات في بلدٍ شاسع ومُمَزَّق بالصراعات.
في 2024، وهو آخر عام توفرت فيه بيانات شاملة، وَزّع برنامج الأغذية العالمي 143.039 طن متري من الحبوب والعدس وزيت الطهي والملح، وكانت الحبوب تمثل الحصة الأكبر من تلك الحصص الغذائية. كما صرف البرنامج في العام ذاته 56 مليون دولار مُساعداتٍ نقدية مُخصّصة لشراء الغذاء. وإذا ما أُخذ التضخم وارتفاع الأسعار في بؤر المجاعة وتكاليف النقل في الحسبان، فمن المرجح أن يُعادل هذا المبلغ نحو 50 ألف طن من الذرة. وبذلك قد يكون إجمالي ما نقله برنامج الأغذية العالمي من غذاء إلى الأسر السودانية في عام 2024 قد بلغ نحو 200 ألف طن.
غير أن هذا الرقم لا يمثل سوى قدر ضئيل من الاحتياجات الوطنية. فقد قدَّرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن السودان يحتاج إلى نحو 7.7 مليون طن من الحبوب لإطعام سكانه في عام 2024. وعلى هذا الأساس، لم تتجاوز مساهمة برنامج الأغذية العالمي نحو 2% من الاستهلاك الكلي. ولو جرى توزيع ما يعادل 200 ألف طن من الحبوب على 24.6 مليون شخص، واجهوا أزمة مستويات الجوع في ذلك العام، لكان نصيب الفرد 8 كيلوجرامات خلال اثني عشر شهراً – أي ما يعادل نحو 20 جراماً لكل يوم.
الاستهداف يُنقذ الأرواح
رغم ضآلة نصيبها من إجمالي الاستهلاك، فقد كانت المساعدات الإنسانية منقذةً للحياة؛ إذ إنها كانت مساعدات موجهة؛ تُركَّز على مواسم ومناطق وفئات اجتماعية مُحدَّدة – فتصل خلال أشهر الشُّح، أو إلى الأسر الأكثر عرضةً للخطر. وشكَّل هذا الاستهداف جوهر قدرة برنامج الأغذية العالمي على إنقاذ الأرواح.
لكنّ هذا النظام تعرّض إلى ضغوطٍ هائلة في عام 2024. بحلول نهاية العام، قدَّر محللو الأمن الغذائي، بما في ذلك وكالات الأمن الغذائي المباشر، أن 24.6 مليون – أي أكثر من نصف السكان – كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحادّ، بما يُهدِّد حيواتهم أو سبل عيشهم. وبالنسبة لكثيرٍ من الأسر، كان البقاء يعني بيع الأرض أو الماشية أو الأدوات الزراعية، وتقليص الوجبات، أو الانخراط في أشكال عمل يائسة تُقوّض سُبل العيش على المدى الطويل.
إلى هذا، تحمَّل الأطفالُ الوطأةَ الأكبر، فسوء التغذية يزيد على نحوٍ كبير من قابلية الإصابة بأمراض يمكن علاجها عادةً. فالأطفال دون سنّ الخامسة المصابون بسوء التغذية المعتدل؛ يكونون أكثر عرضةً للوفاة بعدّة مرات نتيجة لعدوى روتينية مثل الإسهال أو أمراض الجهاز التنفسي. أما المصابون منهم بسوء التغذية الحاد الشديد، فيواجهون مخاطر أكبر بكثير.
وفقاً للجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، كان معظم الأطفال دون الخامسة في شمال دارفور وجنوب كردفان خلال عام 2024 يعانون من التهابات تنفسية، بينما أصيب أكثر من ثلثهم بالإسهال. وتشير الأرقام الصادرة في فبراير 2026 إلى أن الوضع ازداد تدهوراً.
وتُعرَّف المجاعة وفق مراحل الجوع: انعدام أمن غذائي شديد يصيب أُسْرة واحدة على الأقل من بين كل خمس أُسَر، وسوء تغذية حادّ لدى أكثر من 30% من الأطفال، ووقوع ما لا يقلّ عن حالتي وفاة يومياً مرتبطة بالجوع وسط كلّ 10 آلاف شخص. يهدف نظام المساعدات الموجّهة إلى منع بلوغ هذه المعايير القاتلة. وقد عُزِيَ الفضلُ في بدايات القرن الحادي والعشرين إلى هذا النموذج التقني، إذ حال دون تفشّي المجاعة في عدة مناطق، ما عزَّز قدراً من التفاؤل الحذر بإمكان القضاء على المجاعة.
المساعدات الإنسانية تتراجع
نجَمَ عن الحرب، إلى جانب التحوّلات العالمية، تراجُعٌ في تقديم المساعدات الغذائية. فبين عامي 2023 و2024، انخفض توزيع الغذاء العيني إلى مستويات أدنى من تلك المُسجّلة في عام 2018. وكان هذا التراجع غير متكافئ جغرافياً. فالمناطق التي تشهد قتالاً عنيفاً، بما في ذلك الأراضي الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، يُعتقد على نطاقٍ واسع أنها تتلقّى مساعدات إنسانية أقلّ بكثير من المناطق التي يمكن الوصول إليها عبر بورتسودان على ساحل البحر الأحمر. وقد شكّلت التحويلات النقدية أحد الحلول لتجاوز قيود الوصول، إلا أنها بدَورها شهدت ركوداً.
وعلى الرغم من أنّ عام 2024 هو آخر عام توافرت فيه بيانات وطنية كاملة، فإنّ المؤشرات تدلُّ على مزيدٍ من التدهور. في ديسمبر 2025، حذّر برنامج الأغذية العالمي من خفض الحصص الغذائية. وبحلول فبراير 2026، عادت ظروف المجاعة للظهور في أجزاء من كردفان ودارفور. وعلى هذا، تضرّر على نحوٍ بالغ نظام المساعدات الموجهة، الذي كان يوماً ما يقي المجتمعات السودانية المجاعة الجماعية.
لم تعد المساعدات الغذائية الموجّهة كافية
لم يعُد النموذج التقني الذي يعتمده برنامج الأغذية العالمي – القائم على تعظيم الأثر عبر الاستهداف – قادراً على منع المجاعة في القرن الأفريقي. فالمساعدات الغذائية آخذةٌ في التقلّص، والحرب تجعل إيصالها أكثر صعوبةً. وقد يساعد السودان في تفسير أسباب ذلك، وربما يقدّم، رغم بشاعة الحاضر، ملامح لطريقٍ بديل.
يمتلك السودان نظاماً قاسياً لإنتاج الغذاء، تتلخّص آلية عمله في أن تشنّ مليشيات ما حروباً في مناطق نائية؛ تعتمد على الاكتفاء الذاتي، فتخلق بذلك حالة جوع تدفع ملايين العمّال الزراعيين إلى المزارع التجارية التي تحيط بالعاصمة، حيث يحقّقون للمُلاك أرباحاً، وأمام أعينهم يعاني أطفالهم من الجوع. وقد أخبرني أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي قبل سنوات أنّ البرنامج كان يشتري الذرة من مَزارع القضارف، ثم يوزّعها أحياناً على أطفال عمّال تلك المزارع، ممن يعانون المجاعة.
وفي المناطق النائية، يفقد الناس تدريجياً قدرتهم على الاكتفاء الذاتي، ويُستدرجون إلى عمق الأسواق وإلى هجرات مضنية للبقاء على قيد الحياة.
في 2024 – حتى في ظلّ انتشار المجاعة – صدَّر السودان نحو 800 ألف طن من البذور الزيتية والكبكابيه، إضافةً إلى ماشية تقارب قيمتها نصف مليار دولار. ويرى منتقدون أنّ نموذج النمو هذا قد أغنى الفاعلين المُسلّحين والنخب التجارية، بينما قوَّض أنظمة الكفاف.
صاغ الباحث تيسير علي عبارة «زراعة الجوع» لوصف هذه المفارقة، فحين يزداد الإنتاج الغذائي، تبقى قدرة الوصول إلى الغذاء أكثر هشاشة بالنسبة للفقراء. فالمليشيات، التي تعمل بوصفها جهات وسيطة شبه خاصة، استولت على الأراضي وسَهَّلَتْ الصادرات، وأسهمت في تفكُّك الدولة. لقد استولت على أراضٍ في مناطق كانت مكتفية ذاتياً، وبدأت تصدير اللُّحوم والسمسم والفول السوداني من مناطق كانت تعاني أصلاً من الجوع.
لقد عزَّز نظام المليشيات هذا حركة الصادرات في السودان، إلا أنّه دمَّر البلاد. ومثّلت المليشيات النسخة السودانية من النيوليبرالية – ذلك المزيج من السياسات الذي يحوّل معظم جوانب الحياة إلى سوقٍ تنافسية، ويُقلِّص دَور الدولة عبر الخصخصة. وفي الحالة السودانية، أدَّت الخصخصة إلى تحويل الدولة نفسها إلى ائتلاف متنازع من المليشيات وأجهزة الأمن التي تعيش على الحرب، وتضمن أن تكون أنظمة إنتاج الغذاء منحازة ضد المزارعين والعمّال.
لم تفشل النيوليبرالية في السودان وحده، ففي أنحاء الشمال العالمي، تحوّلت كثير من النخب السياسية إلى مساعدين تنفيذيين لطبقةٍ جديدة من أصحاب المليارات. ومع تراجُع الأرباح الكبيرة في الصناعة والتكنولوجيا، جَنحَ هؤلاء إلى خصخصة السكن والتعليم والرعاية الصحية والغذاء، فضلاً عن التلاعب بأسواق الحاجات الأساسية بما يفضي إلى تعظيم أرباحهم. أخذ هذا النظام في التَّصدُّع في أعقاب الأزمة المالية الكبرى عام 2007-2008، حين أدرك معظم الناس – باستثناء المليارديرات – أنه نظام معطوب. لكن السياسيين، ممن كانوا يعملون في الغالب لمصالح تلك الطبقة، لم يستطيعوا إلى تغييره سبيلاً أو حتى تفسيره لناخبيهم. وبدلاً من ذلك، صوَّت كثير من الناخبين لسياسيين عنصريين؛ قدّموا الكراهية حلاً للأزمة. وهذه هي الدول نفسها التي أنشأت نظام المساعدات العالمي، وابتكرت تعريفات تقنية للمجاعة وحلولاً تقنية لاستهدافها.
واليوم، تُلقي جميع هذه العمليات بظلالها على رؤوس أطفال السودان الجياع. فالدول التي كانت تُرسل المساعدات الغذائية، أضحت تحكمها سياسات الكراهية، ما حدا بها إلى تقليص المساعدات الغذائية وتوجيه الأموال نحو الحرب. أما دولٌ مثل السودان، فتمزّقها مليشياتها وقواتها الأمنية المخصخصة. إنّ المساعدات الغذائية لا تصل، وحتى حينما تصل فإنها لا تستطيع عبور خطوط القتال إلى المحتاجين.
هل للسودان من مقاربة جديدة؟
تتخلَّل أفكارُ التضامن كثيراً من المؤسسات في المجتمع السوداني، من بينها التكيّة – الوجبة الجماعية المجّانية التي تقدّمها الطرق الصوفية – والنفير، وغرف الطوارئ التي تشكّلت بوصفها تنظيمات خدمية ثورية ديمقراطية.
تختلف برامج الأمن الغذائي القائمة على التضامن في السودان جذرياً عن تدخّلات المنظمات الإنسانية الدولية القائمة على الاستهداف. فالمنظمات الإنسانية تُحدِّدُ الأكثر حاجة: الأطفال الذين تذبل أذرعهم، والأمّهات المرضعات بلا حليب، والأسر النازحة التي فقدت مَزارعها. ثمّ تقدّم لهم ما يكفي بالكاد لتجاوز الأزمة.
أما أنظمة التضامن فإنها مختلفة تماماً، يرمز إليها قدح البليلة أو العصيدة الضخم الذي يحرِّكه الشيوخ الصوفيون ويوزَّع بلا أي استهداف. إنها أقداح تَعِد بالشمول والمصير المشترك والانتماء، فهي تساعد الناس على البقاء أحياء، وفي أفضل أحوالها تجعل الحياة جديرةً بأن تُعاش.
لأنظمة التضامن في السودان جذور راسخة ضمن أنظمة الإنتاج القديمة القائمة على الاكتفاء الذاتي – تلك التي دمّرتها حملات التصدير التي قادتها المليشيات. كانت أنظمة إنتاج الغذاء القديمة تُنظَّم حول القرابة والجوار والعلاقات الاجتماعية. وكانت تغذي معظم الناس على نحو جيد، وتمكِّنهم من إدارة مواردهم بأنفسهم. لم تكن أنظمةً قائمةً على السوق، إنما على التضامن والمساندة. وبدلاً من دفع الأجور، استخدمت نظام النفير، فعندما يبلغ الطلب على العمل ذروته، يتجمّع الناس للعمل معاً مقابل احتفال تتخلّله المَريسة (البيرة السودانية المصنوعة من الذرة).
بَيد أن هذه الأنظمة القائمة على القرابة والتضامن تآكلت بفعل الديون والأسواق والمليشيات. ومع ذلك لا تزال مبادئ التضامن تمثل مورداً ثقافياً استَعادته قطاعات واسعة من السودانيين خلال الثورة والحرب، إذ ظهرت مطابخ جماعية في كلِّ مكان. وقد موَّل برنامج الأغذية العالمي بعض هذه المطابخ، غير أنّ كثيراً منها تموّله الجاليات السودانية في الخارج.
قد تكون تحويلات المغتربين أكثر قيمة بكثير من المساعدات الغذائية الدولية. فقد قدَّرت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2020 أن التحويلات بلغت نحو 3 مليارات دولار سنوياً – أي أكثر من ثلاثة أضعاف المساعدات الإنسانية في ذلك العام.
تمثل هذه التحويلات البُعد المُعَولم لأنظمة التضامن السودانية، وهي تتكوَّن غالباً من مساهمات صغيرة. فقد وجدت الدراسة أنّ معظم التحويلات الفردية تقلّ عن 500 دولار، وأنّ معظمها تقريباً أقل من ألف دولار. كما تُحوَّل غالبية هذه الأموال عبر قنوات غير رسمية، ويُصرف 91% منها على الاستهلاك أو التعليم أو الصحة. وتُمثل هذه المبالغ الصغيرة ثروة أنتجها عملُ المهاجرين الذين انتقلوا من مناطق الأزمات في السودان إلى أسواق العمل في الشرق الأوسط وأوروبا.
ليست التحويلات هي المصدر الوحيد لدعم أنظمة التضامن في السودان. فهذه الأنظمة تستند أساساً إلى الإنتاج لا إلى التبرّعات الخيرية. في ما مضى، كان السودانيون ينظّمون الإنتاج بحكم العلاقات؛ لا على أساس الأسواق. وقد تمتع كثيرٌ منهم ممن ينتجون الغذاء من خلال هذه الأنظمة بحياة جيدة.
وقد أعادت الحرب الحالية – على نحوٍ مفارق – إحياء هذه الأنظمة. ففي جنوب دارفور، أنشئت غرف طوارئ زراعية في خضمّ الحرب. وفي هذا المنحى، يقول حسن عبد المطلب إنّ الحرب دفعت كثيراً من الناس إلى الزراعة جماعياً في المنازل وساحات الأحياء والأماكن المعاد توظيفها. وفي العام الماضي، تبرع مزارعو جبل مرة بإنتاجهم للنازحين الفارّين من المعارك في العاصمة الدارفورية، مدينة الفاشر، ما يُعدُّ شكلاً آخر من أشكال التضامن. وترى مُزن النِّيل أن إنتاج الغذاء جماعياً يُعتبر وسيلةً للحِفاظ على جذوةِ الثورة السودانية.
لا يبدو المستقبل وردياً
هذه ليست قصة ذات نهاية سعيدة. فالحرب والمجاعة تتفاقمان، والمتطوّعون الذين يديرون أنظمة التضامن يزدادون فقراً وتقدّماً في السن. بعضهم أجَّل الزواج، وبعضهم أصبح لاجئاً، وبعضهم اقتيد إلى مراكز تعذيب.
بدأ المانحون الدوليون يلاحظون دَور أنظمة التضامن في إبقاء السودان حياً، وبدأوا الاستثمار فيها أيضاً. لكنهم غالباً ما ينظرون إليها من خلال منطق العقود أو الفاعلية من حيث التكلفة، وهو منطق من شأنه أن يبدِّد روح التبادلية المفتوحة والالتزام التي ترتكز عليها هذه الأنظمة. ولسنوات طويلة، كانت هذه العملية تُقوِّض بالفعل أنظمة الإنتاج الغذائية المستندة إلى التضامن، التي تعرَّضت بدورها لضغوط الأسواق.
لا يبدو المستقبل وردياً. لكن من المُرجَّح أن تستمر المساعدات الغذائية – التي هيمنت ردحاً من الزمن على سياسات الأمن الغذائي – في التراجع. بينما ستغدو أنظمة التضامن، التي تدعمها الجاليات في الخارج أو المبادرات المحلية، هي الأكثر أهمية للبقاء. فالأمن الغذائي القائم على التضامن لا يستهدف الفئات الأشدّ هشاشةً فحسب، إنما يوفر الغذاء للجميع، ويُعيد تعريف العلاقات الاجتماعية وإمكانات السياسة في الوقت ذاته. إنها تُبقي السودان على قيد الحياة.



