يقع مُخَيّم النهضة شرق مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، وهو أحد مراكز الإيواء التي استقبلت أعداداً كبيرةً من النازحين القادمين من دارفور وكردفان. يأوي المُخَيّم ما يزيد عن 14 ألف نازح، وصلوا إليه بعد رحلات نزوحٍ شاقةٍ استغرقت أياماً طويلة، اضطروا فيها إلى ترك منازلهم وممتلكاتهم بحثاً عن الأمان والاستقرار.
ويعيش هؤلاء النازحون ظروفاً صعبةً في المُخَيّم، إذ يقضون أيامهم وهم في حاجةٍ مستمرةٍ إلى الغذاء والماء والخدمات الأساسية. ولكن، رغم الأوضاع القاسية، وَجَدَ النازحون في المُخَيّم مساحاتٍ للتضامن والأمل، تخلَّقَ بعضُها بين الأُسَر النازحة، وبعضها الآخر بين النازحين وسكّان الولاية، إذ عملت مبادرة شارع الحوادث، ضمن مبادرات مجتمعيةٍ أخرى، على توفير الطعام والرعاية الصحية للمقيمين في المُخَيّم.
نزوحٌ قاسٍ
«أستاذ سجّلني.. أنا أمي وأبوي ماتوا»، هكذا نادى إسماعيل، وهو طفلٌ يبلغ سبع سنوات، مراسل «أتر». نزح إسماعيل من الفاشر إلى مُخَيّم النهضة رفقة جدته. وعندما سأله مُراسل «أتر» عن كيفية وفاة والديه أجاب بصوت خافت: «ماتوا موت الله»، ثمّ استدرك وقال بكلماتٍ تحمل وجعاً أكبر من عمره: «ماتوا في موت الدعم السريع».
أما مَكّة مصطفى جابر، فقالت لمراسل «أتر» إنّها وصلت إلى المخيم قبل حوالي ثلاثة أشهر قادمةً من الفاشر، بعد رحلةٍ استمرت عشرة أيام وصفتها بأنّها صعبة ومليئة بالمعاناة، خاصةً أنّها نزحت رفقة سبعةٍ من أطفالها. وقالت مَكّة إنّ نحو 25 شخصاً من أفراد عائلتها قُتِلُوا بسبب الحرب من بينهم شقيقها، وإنّها اضطرت لترك زوجها في الفاشر بعد أن أُصيب وأصبح غير قادرٍ على الحركة، وأضافت أنّها لا تَملك أيَّ معلوماتٍ عنه، إذ انقطع التواصل بينهما مذُ غادرت المدينة. وقالت مَكّة إنّ والدتها نزحت إلى تشاد، إلا أنّها تَعيشُ حالةً من القلق والحُزن لأنّ التواصل بينهما انقطع أيضاً. وقالت مَكّة، إنّ المخيم الذي تُقيم فيه يُوفِّر قدْراً من الأمان، إلا أنّ حياتهم اليومية تَعتمد بشدَّة على المساعدات التي تُقدِّمُها المُنظَّمات الإنسانية.
مساحاتٌ للتضامن والأمل
خلال فترة وجودها في القضارف، حاولت فاطمة إيجاد مصدر رزق لتُوفِّر احتياجات أسرتها، فعملت على إعداد الكَوَل، وأخذته معها بضاعةً تكسب بها رزقها في عطبرة.
رغم قسوة الرحلة ومرارة الحال، يعيش النازحون بالمُخَيّم في جوٍ من التضامن والتعاون، حيث تتقاسم الأُسَرُ المواردَ اليومية والخِيام وتساند بعضها بعضاً في مواجهة صعوبات النزوح، بينما يحاول نازحون آخرون كسب عيشهم في عطبرة من خلال أعمالٍ جديدة.
تعيش أسرتا فاطمة بابكر ومريم هارون منذ وصولهما إلى مخيم النهضة في خيمةٍ واحدة، وتتشاركان كل شيء وتقدمان الدعم لبعضهما في وجه ظروف الحياة الصعبة. نزحت الأسرتان معاً من الفاشر، التي تَعرَّض فيها شقيق مريم إلى إصابةٍ في عينيه، وذهبت الأسرتان في أوّل الأمر إلى القضارف، ثمّ اضطرَّتَا إلى التوجه نحو عطبرة طلباً للرعاية الصحية لشقيق مريم المُصاب. وفي عطبرة، تَكفّل فاعلو خيرٍ بإجراء عمليةٍ جراحيةٍ لشقيق مريم، وهو حالياً في حالة مُستقرَّة.
خلال فترة وجودها في القضارف، حاولت فاطمة إيجاد مصدر رزق لتُوفِّر احتياجات أسرتها، فعملت على إعداد الكَوَل (مسحوق نباتي يُتناوَل في دارفور وكردفان)، وأخذته معها بضاعةً تكسب بها رزقها في عطبرة.
متحدثاً لـ«أتر»، قال النور المرضي، القادم من مدينة الأبيّض حاضرة ولاية شمال كردفان، إنّ رحلة النزوح التي مرَّ بها مع أسرته كانت صعبةً جداً، إذ ضاعف ارتفاع أسعار تذاكر السفر من معاناة الطريق. ويُقيم النّور حاليّاً في المُخيّم مع زوجته آمنة الحاج وأطفاله من زوجته السابقة.
وأضاف النور، أنّه تزوج آمنة بعد وصولهما نازحَيْن إلى عطبرة، وأنّه استطاع مؤخراً أن يعمل طبّاخاً في أحد المطاعم، وهو ما ساعدَه قليلاً على التّأقلم مع الظروف الجديدة. وقال النور إنّ الأوضاع في الأًبيّض تحسَّنت نسبياً، لكنهم لا يُفكِّرون في العودة في الوقت الحالي. وأضاف أنّه رغم استقراره النسبي في العمل إلا أنّه لا يزال يأمل في أن يعودوا يوماً ما إلى مدينتهم. وأشاد النور بالدعم الكبير الذي وجدوه من المجتمع في الولاية، وأضاف قائلاً: «أهل الولاية إخوتنا، والسودان بلد واحد، رحبوا بنا ووقفوا معنا وقدموا لنا كثيراً من الدعم».
حكَتْ عفاف أنّها خَرَجت من المُخيّم يوماً ما طلباً للرزق، فتعرَّضت إحدى بناتها خلال ذلك اليوم لوعكةٍ صحيةٍ حادةٍ بسبب الزائدة الدودية، إلا أنّ مُتطوّعي شارع الحوادث بعطبرة تعاملوا مع الأمر بسرعة، ونقلوا الطفلة بسيارة إسعاف إلى المستشفى وأُجريت لها عملية جراحية ناجحة.
أما عفاف النيل يوسف جبارة، فقد نزحت رفقة زوجها وسبعةٍ من أبنائها من النهود إلى معسكر النهضة قبل أربعة أشهر بحثاً عن الأمان. وقالت إنّهم وجدوا نوعاً من الاستقرار بعد وصولهم إلى مُخيّم النهضة وإنّ الخدمات الأساسية مثل الطعام والرعاية الصحية متوفرة فيه، إلا أنّ أكبر تحدٍّ تُواجهه هو تعليم أبنائها، خاصةً أنّ بعض بناتها في مرحلة الشهادة السودانية، موضحةً أنّ تكلفة المواصلات اليومية للمدارس تصل إلى نحو 4 آلاف جنيه ذهاباً وإياباً وهو مبلغ يفوق قدرتهم المادية.
وحكَتْ عفاف أنّها خَرَجت من المُخيّم يوماً ما طلباً للرزق، فتعرَّضت إحدى بناتها خلال ذلك اليوم لوعكةٍ صحيةٍ حادةٍ بسبب الزائدة الدودية، إلا أنّ مُتطوّعي شارع الحوادث بعطبرة تعاملوا مع الأمر بسرعة، ونقلوا الطفلة بسيارة إسعاف إلى المستشفى وأُجريت لها عملية جراحية ناجحة. تعَبِّر عفاف عن امتنانها الكبير لمتطوعي شارع الحوادث قائلةً: «ديل أولادي وما قصروا معانا من يوم جينا».
تكايا وبروش رمضان
وخلال شهر رمضان الجاري، تَكَفّلت مبادرة شارع الحوادث بعطبرة، بتوفير وجبة الإفطار يومياً لسكان المُخَيّم. قَسّمت المبادرة المُخَيّم إلى ثماني تكايا مُخصَّصة للنساء وبرشين للرجال لتُسَهل توزيع الطعام. ويبدأ يوم العمل لدى شباب شارع الحوادث منذ ساعات الصباح الباكر حيث يجتمعون في مركزهم بمستشفى عطبرة لإعداد الطعام قبل توزيعه على المخيم ومراكز الإيواء المختلفة.
ومنذ انطلاقها في عطبرة، ظلّتْ مبادرة شارع الحوادث تُقدِّم نموذجاً نشطاً للعمل الإنساني والطوعي، إذ كَرَّس شباب المبادرة جهودهم لمُساعدة المرضى في مستشفى عطبرة، وتوفير وجبات خاصة لمرضى غسل الكلى، وتنظيم إفطارات الصائمين سنوياً في المستشفى. ومع اندلاع الحرب في 2023، تضاعفت مسؤوليات شباب المبادرة، فقد واجهت المدينة موجات نزوح بدأت بالخرطوم واستمرت بوصول النازحين من الفاشر وكردفان، فتوسع نطاق عمل المبادرة لمواكبة الاحتياجات المتزايدة.
تقول آمال عبد المُكرّم، وهي إحدى النساء المسؤولات عن التكايا بمُخَيّم النهضة، إنّها تعمل في تكايا المُخَيّم بالتنسيق مع مبادرة شارع الحوادث، تُشاركها نازحاتٌ أخريات منهن عفاف النيل. وتضيف أنّهن يشاركن في إعداد الطعام وتوزيعه للنازحين مقابل أجرٍ بسيطٍ يُساعدهن على المعيشة في ظل ظروف النزوح الصعبة. وتشير آمال إلى حُسْن المعاملة التي وجدنها من أهل مدينة عطبرة وأهل الولاية عموماً مؤكدةً أنّ روح التعاون والمساندة سائدةٌ بينهم.
ورغم الجهود الكبيرة التي يبذلها متطوعو شارع الحوادث، وروح التعاون بين الأسر، إلا أنّ كلّ أسرةٍ في المُخَيّم تحمل حكايةً تَخُصها عن فقدان الأهل والصعوبات اليومية. ولا تزال الحاجة إلى الدعم المستمر والتضامن المجتمعي قائمةً لتخفيف معاناة النازحين ومنحهم شعوراً بالأمان والأمل.



