أتر

سوق تندلتي: قلّة في وراد المحاصيل والماشية

بحسب إفادات تجّار ومزارعين تحدّثت معهم «أتَـر»، قلّت هذا الموسم واردات المحاصيل الزراعية في سوق مدينة تندلتي بولاية النيل الأبيض. وتُجلَب عادة من مناطق الإنتاج، لا سيما الحبوب الغذائية والنقدية وخاصة محصول السمسم بأنواعه الثلاثة والذرة بأنواعها المختلفة والصمغ العربي وغيرها من المُنتجات الزراعية.

متحدّثاً لـ«أتَـر»، قال المُزارع كرم الله حاج الطاهر، الذي حضر إلى سوق تندلتي، إنه أحسّ بفرق شاسع بين ما كان عليه حال السوق في هذا الموسم والذي سبقه، وأضاف: «في السابق كُنَّا نعتمد في شراء بضائعنا ومستلزماتنا على محاصيلنا التي نأتي بها إلى السوق، لكن هذا العام، كان الإنتاج ضعيفاً، وأثَّر ذلك على حركتنا في الأسواق». ويتفق عماد باهي التوم، التاجر بسوق تندلتي مع المزارع حاج الطاهر، قائلاً: «هذا الموسم انخفض الوارد بما يقارب 45% من المواسم الماضية، ما أثّر على حركة السوق»، وأشار إلى وفرة البضائع لكنّ هناك ضعفاً في القدرة الشرائية، بحسب تقديره.

وقال كرم الله إنّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة جعلت المُنتجين يعزفون عن زراعة مساحات واسعة من الأراضي، مشيراً إلى أنه بفعل ارتفاع أسعار الجازولين «يُباع الجالون ما بين 20 و25 ألف جنيه»، فضلاً عن ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، كما أنّ غياب التمويل الكافي من البنوك المتخصّصة، جعل المزارعين يعتمدون على بذور تقليدية ويزرعون مساحات أقلّ مما كانوا يزرعون في السابق، وهو ما أدّى إلى تدني الإنتاج وقلة الوارد لأسواق المنطقة.

ونوّه كرم الله إلى أن هذه الأيام هي نهاية موسم الحصاد في المنطقة التي تعتمد على الزراعة المطرية، وفي السابق كانت الكميات المعروضة في ذروتها في مثل هذه الأيام، ما قد يسبّب استقراراً أو انخفاضاً طفيفاً في الأسعار مقارنة ببقية أشهر السنة، إلا أن هذا الموسم يُعدّ استثناءً إذ إنّ الوارد من «الخلا» قليل جداً بحسب كرم الله.

ويُعدّ سوق تندلتي من أهم الركائز الاقتصادية في ولاية النيل الأبيض بالسودان، وبمتاخمة المدينة لولاية شمال كردفان تُعَدُّ بوابة تجارية حيوية تربط بين وسط البلاد وغربها. واكتسبت المدينة أهميتها من موقعها الاستراتيجي بتوسّطها لمناطق الإنتاج الزراعي والحيواني.

وتُعدُّ محلية تندلتي مركزاً استراتيجياً لتجارة الثروة الحيوانية، حيث تلتقي فيها قطعان الماشية القادمة من مراعي شمال كردفان مع تجار النيل الأبيض والخرطوم. ونظراً إلى الظروف الراهنة في السودان، شهدت أسعار الماشية ارتفاعاً ملحوظاً في فبراير الماضي، بالتزامن مع اقتراب شهر رمضان المبارك الذي يزداد فيه الطلب.

متحدّثاً لـ«أتَـر»، قال أبو طالب بلة الجُك، تاجر مواشٍ بسوق تندلتي، إنّ أسعار الخراف بدأت ترتفع خاصة مع شحّ الوارد من مناطق وازدياد معدلات الشراء المتوقع لعيد الأضحى الذي تبقى له أكثر من شهرين ونصف. وقال الجُك، إنّ سعر الخروف الكبير في تندلتي وصل إلى 650 ألف جنيه بعد أن كان يُباع ما بين 300 و350 ألف جنيه، وُتباع «النعجة» الواحدة بـ 300 ألف جنيه بعد أن كان سعرها 150 ألف جنيه في العام الماضي، ويبدأ سعر الثور الكبير من 1,800,000 جنيه ويصل إلى 2,800,000 جنيه للأحجام الضخمة، أما العجول فتتراوح أسعارها ما بين 1,200,000 و1,600,000 جنيه سوداني.

وقد ارتفعت أسعار الماعز أيضاً. ويُتراوح سعر «التيس» ما بين 180,000 و250,000 جنيه سوداني. بينما تتراوح أسعار أنثى الماعز «اللبينة – الوالدة» بين 150,000 و220,000 جنيه سوداني. كذلك ارتفعت أسعار الإبل، ليُباع الجمل صغير السِّن «قعود اللحم» بمبلغ 1,500,000 جنيه سوداني، ويَتجاوز سعر الناقة الكبيرة 3,500,000 جنيه سوداني حسب السلالة والوزن. وبلغ سعر كيلو اللحم العجالي الصافي (الشرموط) 30 ألف جنيه، والضأن 36 ألف جنيه.

وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الماشية، يشتكي التجّار في سوق تندلتي من أن تكلفة نقل الرأس الواحد إلى الخرطوم أو بورتسودان، أصبحت تُشكِّل عبئاً كبيراً، ما يَجعل الأسعار داخل سوق تندلتي أقلّ بكثير منها في المدن الكبرى.

وكشف حامد أبو عصا، تاجر مواشٍ بالسوق لمُراسل «أتَـر»، أنه بفعل الحرب ظهرت مسارات جديدة للماشية، واندثرت المسارات التقليدية، وقال: «أصبحت مواشي كردفان تَذهب نحو جنوب السودان وتشاد بطرق أخرى ولا تأتي إلينا هنا في تندلتي، ونحن نعتمد الآن على الماشية المحلّية التي تناقصَتْ أعدادُها بفعل الأمراض والجفاف وعدم توفر المراعي الطبيعية»، مُعتبراً ذلك من الأسباب الرئيسة في ارتفاع أسعار الماشية. وقال أبو عصا، إنّ المواشي التي كانت تأتي من كردفان، تؤثّر على السوق، بخاصة الضأن الحمري، الذي أشار إلى أنه لم يُجلب منذ عام 2024.

وتعتمد تندلتي على أربعة أسواق رئيسة: هي السوق المركزي، وسوق الجمعة، وسوق المواشي، وسوق المحاصيل. ويمتدُّ السوق المركزي من خط السكة الحديد شمالاً حتى الجامع الكبير جنوباً، وتتوفَّر فيه جميع السلع الاستهلاكية، والملابس، والمصنوعات المحلية. أما سوق الجمعة، فهو سوقٌ أسبوعيٌّ يَجمع سكّان القرى والبوادي المُحيطة، وله طابع اجتماعي وثقافي خاص، حيث تُقام أحياناً مراسم المولد النبوي والاحتفالات الدينية.

وتنتشر حول الأسواق مصانع الزيوت وقشّارات الفول، وهي صناعات تحويلية صغيرة تعتمد على المحاصيل المحلية، ما يُوفّر فرص عمل واسعة، لكنّ مرتادين لهذه المصانع والقشّارات نوّهوا إلى قلة الوارد، حيث ارتفع سعر جركانة الزيت 36 رطلاً من 60 ألف جنيه إلى 90 ألف جنيه.

ووصف مواطنون وتجّار بسوق تندلتي بولاية النيل الأبيض الحركة التجارية بأنها فوق المتوسّط بالسوق الذي يتاخم مناطق كانت تشهد اشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وقال مواطنون لـ«أتَـر» إنّ الحركة التجارية بالسوق، كانت تسير على نحو جيد في الأيام الأولى من شهر رمضان.

لكن عبد الرحمن جابر أبو الكرام، وهو معلم بمدارس تندلتي، قال لـ«أتَـر»، إن العاملين بالولاية لم يتلقوا رواتبهم، حتى مع اقتراب انقضاء شهر رمضان وقُدوم العيد، لذلك لم يتمكّنوا من شراء مُستلزماتهم في حدّها الأدنى، وأشار إلى أنّ الناس باتوا يَعتمدون على التحويلات البنكية التي تَرد إليهم من ذويهم خارج السودان. وأضاف قائلاً: «حتى الآن، جُلّ الذين يتسوّقون هم الذين تأتيهم أموال من الخارج».

بينما قالت مواطنة، من تندلتي لـ«أتَـر»، إنها ذهبت إلى السوق لشراء مُستلزمات رمضان، عقب تسلّمها مبلغاً مالياً أرسله ابنها الذي يعمل بإحدى مناطق التعدين بالولاية الشمالية، بَيد أنها اشتكت من ارتفاع أسعار السلع، وقالت: «وجدتُ أسعار السلع مرتفعة، ولم يكفني المبلغ إلا نصف ما كتبتُ على قائمة المُستلزمات التي كنت أحملها».

Scroll to Top