أتر

وقائع اعتصام مُعلن: لعمّال السكة الحديد بشرق السودان قضية

في 28 يناير الماضي، وبينما كان عمّال السكة الحديد في مدينة بورتسودان، ينتظرون رواتب شهر يناير، وصلت إليهم «إشارة» من الحسابات – إخطار في عُرْف عمّال السكة الحديد يُستخدم في المخاطبات الداخلية والخارجية – تفيد بأنّ بنك السودان المركزي لم يُخوَّل بالصرف للعام المالي 2026، ومن ثمّ فإنّ رواتب العاملين لن تصل إليهم. ووفقاً لخطاب من إدارة الحسابات بهيئة سكك حديد السودان طالعه مراسل «أتَـر»، فإنّ صرف الاستحقاق مربوط بالتخويل بالصرف.

انتظر العمال شهراً عسى أن يتغيَّر الحال، فتصلهم الرواتب، بَيد أن الأيام تسرَّبت من بين أيديهم، ولا حلَّ يلوح في الأفق، كما قال محمد عبد الرحمن العامل بالحركة بالقطاع الشرقي لمراسل «أتر».

وفي 27 فبراير الماضي، تسلَّمت إدارة الهيئة «إشارة» من عمال القطاع الشرقي ببورتسودان تُفيدُ بأنهم سيدخلون في اعتصام مفتوح، إلى حين تحقيق جملة من مطالب على رأسها صرف الرواتب والفروقات والبدلات. وأمهل العمّالُ الهيئةَ، وفقاً لإشارة صادرة منهم، مدة 72 ساعة، لتنفيذ المطالب قبل الدخول في الاعتصام. وقالوا في إشارتهم: «لن نعمل مستقبلاً بالمجان». وتنعقد مطالبهم، بحسب الإشارة رقم 19 بدفتر 66 بمحطة المدينة، والمُعنونة إلى مديري ورؤساء الأقسام، وناظر المحطة، في فَرْق التعديل «للمواصلات والاجتماعية، لشهري فبراير ومارس 2025م، ومبلغ 50 ألف جنيه لشهور ديسمبر ويناير وفبراير، أقرّ به مجلس الإدارة لكل عامل، إضافة إلى راتب فبراير كاملاً، ببديله النقدي، وحافز العيد كراتب معدل كامل».

وفي الأول من مارس وصلت إليهم إشارة من عمّال السكة الحديد بهيا، تُفيد بانضمامهم إلى اعتصام زملائهم ببورتسودان، تضامناً، ومُطالبةً بذات الحقوق التي يجتهدون جميعاً لنيلها. وفي الثالث من مارس، دخل عمال بورتسودان وهيا في اعتصام مفتوح، أمام مباني أمام رئاسة القطاع الشرقي، بهيئة سكك حديد السودان، في بورتسودان، حتى تحقيق مطالبهم.

وفي الرابع من مارس، انعقد اجتماع لهيئة سكك حديد السودان في عطبرة، وأقرّ حزمة من القرارات، لكنه قطع زمناً لتنفيذها وهو بعد عيد الأضحى المُبارك، ليرفض العمال جملة وتفصيلاً ما خرج من الاجتماع معلنين التمسّك باعتصامهم، قبل أن يعلقوه في الثامن من مارس عقب مبادرة ووساطات من إدارات أهلية وقيادات محلية.

صَمّمت الإدارة البريطانية مدينة بورتسودان ضمن جهودها لتأسيس كيان حضري جديد يتسق مع نظرتها إلى المدينة المثالية وكيفية تخطيطها وتنظيم إدارتها. وخلال عقود تطوّرت المدينة من مرسى صغير يُسمّى «الشيخ برءوت» إلى ميناء بحري حديث عامر بالنشاط التجاري والصناعي، ومركز جاذب للعمالة من داخل السودان وخارجه، وقد تحوّلت إلى مدينة كوزموبوليتانية، بحسب تعبير أستاذ التاريخ الأفريقي أحمد العوض سكينجه، لتربط، عبر القطاع الشرقي لهيئة سكك حديد السودان، بين ميناء المدينة بالبحر الأحمر وبقية أنحاء السودان. وتكمن أهمية القطاع الشرقي، في أنه الممرُّ الرئيس لنقل البضائع المُستورَدة من الميناء إلى بقية الولايات، ونقل المحاصيل الزراعية مثل القطن والسمسم للصادر من أنحاء السودان إلى الميناء. ويتفرَّع مسار منه ليشمل الربط مع مدينة كسلا وصولاً إلى القضارف، ليَخدم بذلك مناطق الإنتاج الزراعي المطري. وتعدُّ هيا محطة تقاطع استراتيجية، يتفرَّع منها الخط المُتّجه جنوباً نحو كسلا والقضارف وسنار، والمُتّجه غرباً نحو عطبرة.

وتُعدّ سكك حديد السودان من أعرق الشبكات في أفريقيا، ويمثّل القطاع الشرقي شريان الحياة الاقتصادي للبلاد، كونه يربط مناطق الإنتاج بالميناء الرئيس على البحر الأحمر.

ويُواجه القطاع الشرقي، كغيره من قطاعات السكة الحديد في السودان، عدة تحديات في السنوات الأخيرة، أبرزها أنّ أغلب الخطوط قديمة، وتحتاج إلى استبدال القضبان لزيادة السرعة والحمولة. وقد زاد نتيجة لذلك الاعتماد على الشاحنات نتيجة تدهور كفاءة القطارات، ما رفع كلفة النقل، فضلاً عن تعرّض بعض أجزاء الخط في شرق السودان أحياناً للانجرافات بسبب الأمطار والسيول الجبلية، على الرغم من جهود ومشاريع قبل الحرب، هدفت إلى إدخال القضبان الثقيلة والقاطرات الحديثة لزيادة سعة الشحن، وتحويل النظام إلى نظام رقمي للتحكم في حركة القطارات لتقليل الحوادث وزيادة الكفاءة، لكنها توقفت وفقاً لما أفاد به مسؤول بالقطاع مراسل «أتَـر».

أوضاع كارثية وقرارات سلطوية

يقف العم إدريس وهو ينظر إلى الراتب الذي يتبخَّر في أول أسبوع بين «سيد الدكان» ومصاريف العلاج. إدريس الذي يسكن في غرفتين من «الجالوص» في أطراف المدينة، يدفع إيجارها بنصف قلبه ونصف راتبه، أصبح «أبَروله» حائل اللون رداءَه الرسمي في الأفراح والأتراح.

تحت وهج شمس بورتسودان التي لا ترحم، وبالقرب من قضبان السكة الحديد التي تآكلت أطرافها بفعل الملوحة والرطوبة، يقف «العم إدريس»؛ وملامح وجهه تحمل خارطة ثلاثين عاماً من الشقاء، رسَمَتْ عليها ذرات الغبار وزيوت المحركات أخاديد عميقة لا تمحوها مياه البحر.

قضَى العمُّ إدريس ثلاثة عقود وهو يضبط إيقاع القطارات، وهو يحمل مفتاحه الضخم، ويزحف تحت العربات الثقيلة في «القطاع الشرقي» للمدينة. ثلاثون سنةً مرَّت وهو يَرَى القطارات تأتي وتذهب، تَحمِلُ البضائعَ والخيرات، بينما هو يقف في مكانه؛ لا بيتَ يملكه يأوي أسرته، ولا مدخرات تحميه من غدر الأيام. يقف وهو ينظر إلى الراتب الذي يتبخَّر في أول أسبوع بين «سيد الدكان» ومصاريف العلاج. إدريس الذي يسكن في غرفتين من «الجالوص» في أطراف المدينة، يدفع إيجارها بنصف قلبه ونصف راتبه، أصبح «أبَروله» حائل اللون رداءَه الرسمي في الأفراح والأتراح.

وبينما كان العم إدريس يزداد شحوباً، كان «رفقاء النضال» في النقابة يزدادون بريقاً ونعيماً. هؤلاء الذين فوّضهم ليتحدّثوا بلسانه، ويهتفوا بحقوقه، أصبحوا يسكنون الڤلل الفاخرة في أحياء بورتسودان الراقية، ويركبون السيارات المُظلَّلة التي لا يرى إدريس من خلف زجاجها سوى انعكاس فقره، حسبما حَدَّثَ مراسل «أتر».

لقد تحوَّلَتْ النقابةُ من «درع للعامل» إلى «جسر للثراء»، وأصبح قادتها يصافحون المسؤولين في الصالونات المُكيَّفة، بينما يتركون أمثالنا يواجهون لهيب الأسعار بصدور عارية.

يقول العم إدريس بنبرة حادة، لم يألفها عنه زملاؤه في القطاع: «لقد تحوَّلَتْ النقابةُ من «درع للعامل» إلى «جسر للثراء»، وأصبح قادتها يصافحون المسؤولين في الصالونات المُكيَّفة، بينما يتركون أمثالنا يواجهون لهيب الأسعار بصدور عارية». لذا لم يعد العم إدريس يمسك بمفتاحه الحديدي، إنما يمسك بقطعة كرتون مهترئة كَتَبَ عليها بيده المرتعشة عبارةً صارمة: «أريد حقّ ثلاثين عاماً.. أريد مرتباً يكفي خبز أولادي، حقنا كامل وما بنجامل».

كان العم إدريس مُشاركاً في الاعتصام، وأجرى مراسل «أتَـر» المقابلة معه قبل تعليقه، وهو يفترش الأرض أمام مبنى الإدارة، يُحيط به زملاء تشابهت قصصهم وتطابقت جراحهم. يعتصم والصمت يلفّه، ليس صمت العجز، بل صمت «الزلزال» الذي يسبق الانفجار، ينظر إلى قضبان السكة الحديد التي خدمها بدمه، ويشعر بأنها أوفى له من البشر؛ فهي على الأقل لا تزال ثابتة في مكانها، بينما تحركت ضمائر من ائتمَنهم فباعوه في سوق المصالح، حسبما قال لمراسل «أتَـر».

«ليس أصعب على الرجل من أن يشيب شعره وهو لا يملك سقفاً يسمّيه ملكه، بينما يبني الآخرون قصورهم من عرق جبينه»؛ هكذا قالها بدوره العامل عبد الرحيم طه، وهو يشكو حاله: «لقد قضيتُ عقدين في خدمة هذه المؤسسة العريقة، دخلناها بوجوه نضرة وخرجنا منها بظهور منحنية وأجساد أكلها المرض والرطوبة».

ويتساءل في حديثه لمراسل «أتَـر»: «هل يُعقل أن يقضي العامل 20 سنةً أو أكثر في الخدمة ولا يمتلك «طوبة» واحدة في منزل يأويه»، ويقول: «من غير المعقول أن يُصرَف لنا راتب لا يصمد أمام غلاء السوق لأكثر من 7 أيام، لنقضي بقية الشهر في ذلّ الاستدانة والديون»، وزاد: «حتى الآن لم نصرف مرتبَي يناير وفبراير». ويقول إنهم لا يطالبون في اعتصامهم بامتيازات خرافية، بل بـ«مرتب عادل» يحفظ لهم كرامتهم، وبحقوقهم التاريخية في السكن والتعويض عن سنوات الخدمة الشاقة.

راتبي يقارب سعر إسطوانة غاز واحدة، وتباع أسطوانة الغاز بـ 74 ألف جنيه، في بورتسودان وعطبرة.

ويواجه عمال القطاع الشرقي بسكك حديد السودان ظروفاً بالغة التعقيد، وقد تصاعدت حدة احتجاجاتهم في مطلع عام 2026 نتيجة تراكم الأزمات المعيشية والإدارية. ويَبلغ راتب العامل حالياً حوالي 120 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ لا يُغطِّي الاحتياجات الأساسية في ظل التضخُّم الذي يحيق بالبلاد.

قال مصطفى طه العامل بالإدارة ببورتسودان، لمراسل «أتَـر»: «راتبي يقارب سعر إسطوانة غاز واحدة، وتباع أسطوانة الغاز بـ 74 ألف جنيه، في بورتسودان وعطبرة»، وزاد: «على أية حال هو لا يكفيني لخمسة أيام من الشهر».  وأشار إلى أن رواتبهم لم تشهد زيادات حقيقية تواكب الواقع الاقتصادي منذ سنوات طويلة، وتحديداً منذ العام 2012.

بحسب مهندس وعضو مجلس إدارة بهيئة السكة الحديد، فضّل حجب اسمه، يَسُود استياء كبير بسبب قرارات إدارية بنقل بعض أعضاء اللجان المطلبية أو استدعائهم للتحقيق، وهو ما يراه العمال محاولات لكسر وحدتهم، وقد ضمّنوا شروط إلغاء القرارات الصادرة في حقّ قيادة الاعتصام، لتكون مطلباً من مطالب الاعتصام الأساسية. ويشتكي العاملون الذين تحدثوا لمراسل «أتَـر» من انعدام فرص التدريب الداخلي والخارجي، ما يؤدي إلى تراجع مهارات الكوادر الفنية في قطاع حسّاس، وبه تطور يومي في التكنولوجيا.

وفي المقابل، تعاني الورش والمحطات من نقص حادّ في قطع الغيار والمعدات الحديثة، ما يضاعف الجهد البدني على العمّال ويزيد من مخاطر العمل. وكشف مصدر مطّلع من داخل هيئة السكة الحديد لمراسل «أتَـر»، عن لجوء الهيئة أخيراً للتعاقد مع شاحنات تجارية لتغطية عجز القطارات. وقال أحد النقابيين تعليقاً على ذلك إن هذه الخطوة تُشكِّل تهديداً لاستمرارية دَور السكة الحديد باعتبارها مؤسسة وطنية.

فراغ نقابي وأزمة ثقة

من جهته يرى النقابي في هيئة سكك حديد عطبرة، أمين علي الحسن، في حديثه لمراسل «أتَـر»، أنّ الفراغ النقابي خلق خللاً وسط العمال، واعتبَر أن بدء الإعلان عن الاعتصام من قِبل عمال الحركة ببورتسودان خطوة «جيدة»، وقال إن مطالب العاملين من فروقات ومستحقات مُجازة من قبل مجلس الإدارة، تتعنّت جهات داخل المؤسسة في تنفيذها، هي سبب من أسباب الاعتصام.

وقال قيادي في لجنة اعتصام القطاع الشرقي، إن هناك أزمة حقيقية في قطاع السكة الحديد. وأشار القيادي الذي طلب حجب اسمه لمراسل «أتَـر»، إلى أن حل هذه الأزمة يتطلَّب ما سمَّاه «الوقوف بصرامة»، وأضاف قائلاً: «تكمن الأزمة في عدم توفر الثقة بين العامل والمدير، حتى أصبح العامل لا يستطيع الحديث عن حقوقه المشروعة لأن آلة القرارات السلطوية والنقل والتشريد موجودة». وأشار إلى أن من ضمن أسباب تفاقم مشكلة القطاع الشرقي هو انعدام الشفافية، وقال إنّ مطالبهم الأولية تتمثل في زيادة الأجور وفتح ملف الترقيات، وصيانة المنازل وفتح ملف الاستثمار، إضافة إلى فتح ملف الفساد الإداري والمالي ومعالجة التدهور، والنظر إلى ملف التعيينات والتدريب، بجانب مراجعة الموارد، وقال: «الأهم هو فتح ملف الأراضي والتعديات، والعقارات الاستثمارية»، مُطالباً بإقالة المدير العام ونوابه ومديري الأقاليم.

متحدثاً لمراسل «أتَـر»، قال شيخ الدين حامد أوكير العامل بقسم الحركة بالقطاع الشرقي، إنه لا بد من تغيير الإدارة: «لا يُعقل أن يكون راتب العامل ما بين 120 و170 ألف جنيه، في وقت ينشغل فيه المديرون بالحوافز ويطردون عمّالاً مؤقتين – وهم عمّال تتعاقد معهم الهيئة في مواسم معينة لعمل محدد، أو سدّ نقص في محطة أو ورشة – ويستعينون بآخرين لا خبرة لهم في العمل»، وكشف عن أن العمّال يتقاضون حوافز ما بين 3 و5 آلاف جنيه في الشهر، وقال: «أعرف عاملاً يعمل في قسم الحركة «قطرجي» حافزه الشهري ألفا جنيه، وأحياناً لا يصله». وزاد قائلاً: «تعيش الهيئة هذه الأيام في أسوأ مراحلها، إذ إنّ الإدارة الحالية ليست مشغولة بالورش وأوضاع العمال، إنما هي مشغولة بالتجارة في العقارات التابعة للمؤسسة، بينما يُحرَم العمال من السكن فيها»، وطالب الحكومة الاتحادية بالتدخل من أجل إنقاذ المؤسسة. وقال: «جميع الذين يعملون في إدارة الهيئة معاشيون وبالتالي هم بعيدون عن معاناة العمال».

عامل بقطاع الحركة، بالإقليم الشرقي، من المعتصمين، تحدّث لمراسل «أتَـر»، طالباً حجب اسمه، قائلاً إنه تقدّم بطلب لإسكانه بمنزل من منازل الهيئة منذ العام 2009، ولم يحصل عليه حتى الآن، وكشف عن أنه يعرف شخصاً يسكن بمنزل تابع للهيئة وهو لا يعمل في قطاع السكة الحديد ولا علاقة له به، لكن «تجمعه صلة قرابة بمسؤول بالهيئة»، بحسب ما قال، وأشار إلى أن بعض العاملين ممَّن جرى تعيينهم قبل أقل من خمس سنوات، مُنحوا منازل بينما هو لا يزال ينتظر، وقال: «أعرف أيضاً من زملائي ممن أحيلوا إلى التقاعد لبلوغهم السن القانونية ولم يحصلوا على منازل، ويسكنون في منازل مؤجرة». وكشف عامل آخر عن تقدمه بخطاب لسكن منزل، منذ العام 1998، بينما هناك معاشيون يسكنون في المنازل حتى بعد تقاعدهم.

تعليق الاعتصام أم تأجيل للأزمة

رفض العمّال الخطاب الصادر من المدير، وعلَّقوا اعتصامهم في انتظار تنفيذ الوعود على الرغم من عدم قبولهم لها، لأنها لا تتناسب وحجم المطالب التي اعتصموا من أجلها.

لاحقاً، في مساء 8 مارس، علّق العمّال اعتصامهم. ووفقاً لخطاب، اطلعت عليه «أتَـر»، صادر عن الإدارة التنفيذية والعلاقات العامة بهيئة السكة الحديد، فحواه أن تعليق الاعتصام كان «بمبادرة كريمة ومجموعة من الوساطات والإدارة الأهلية والقيادات المحلية، وكبادرة حسن نية»، فإن المدير العام للهيئة أمر بصرف حافز مجلس الإدارة «100» ألف جنيه لكل عامل، قبل عطلة عيد الفطر، مع تأجيل صرف منحة عيد الفطر، لما بعد صرف راتب شهر مارس، في حد أقصاه نهاية شهر أبريل القادم، وصرف الشهر الثالث من حافز الشهور الثلاثة وأي فروقات أخرى قبل 30 يوليو القادم، وإلغاء الاستدعاءات لمفتش الخطوط عبد الرحيم عبد الدائم، والناظر حمد عيسى، المُحالَين إلى التحقيق برئاسة الهيئة بعطبرة. وشدَّدَ المدير على أن تتولّى النقابة رفع مَطالب العمّال، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للعاملين، ولا يُسمَح لأي جهة بتناول مطالب العمّال عبر أي وسيط إعلامي.

ورفض العمّال الخطاب الصادر من المدير، وعلَّقوا اعتصامهم في انتظار تنفيذ الوعود على الرغم من عدم قبولهم لها، لأنها لا تتناسب وحجم المطالب التي اعتصموا من أجلها. وقال أحد العمّال المعتصمين لمراسل «أتَـر»: «استجبنا لطلب لجنة الاعتصام برفعه، لكننا سنُناقش لاحقاً هذا الخطاب، وسنُصعّد من وسائلنا لنيل حقوقنا».

وقال عامل آخر: «ما الذي يُدخل الإدارة الأهلية في أمر كهذا، نحن مظلومون من قِبل الإدارة ولدينا حقوق، ما دخل الإدارة الأهلية بها؟!»، وأضاف قائلاً: «هذا صراع بين العامل والمدير فقط»، وزاد: «أنا ليست لدي مشكلة قبَلية لتأتي الإدارة الأهلية».

ويرفض العمال تسمية الإدارة لاعتصامهم بأنه اعتصام «الشرق». وقال العامل في قطاع الحركة الطاهر كربوس لمراسل «أتَـر»، إنّ هذه التسمية تؤطر لجهوية وعنصرية، وأشار إلى أن المعتصمين هم عمال بالهيئة ومن مختلف أقاليم السودان، «لذا لا داعي لحصر الاعتصام في شرق السودان، لمجرد أن القطاع يُسمّى القطاع الشرقي»، وقال: «هذه تسمية جغرافية، تخص تقسيمات الهيئة لتسيير العمل ولا علاقة لها بجهة أو عنصر مُعيَّن».

وفي منحى آخر، قال مصدر مطلع بوزارة المالية الاتحادية لمراسل «أتَـر»، إنّ بنك السودان لن يأذن للوزارة بصرف رواتب العاملين بهيئة السكة الحديد، لأن إدارة هيئة السكة الحديد رفعت في العام المالي الحالي «ميزانية صفرية»، أي أنّ الإيراد يُساوي المنصرف، وبموجب ذلك لا تَدخل إلى خزانة وزارة المالية أيُّ إيرادات. وحتى إذا أذِن المركزي للمالية بصرف تلك الرواتب، فستكون بمثابة سلفية. وأضاف: «منذ فترة ترفع هيئة سكك حديد السودان ميزانيات صفرية، وما يُعطَى لها بالفصل الأول من رواتب هو إعانة شهرية، وهذا وضع لن يستمر طويلاً».

ويَنظر عدد من العمال الذين تحدّث إليهم مراسل «أتَـر» إلى الوعود التي تلقوها من هيئة السكة الحديد، بأنها «وعود جوفاء»، كما وصفها عبد الرحمن الفكي، العامل بالإدارة، الذي قال إنّ «المبالغ التي تحدّثوا عنها هزيلة وستفقد قيمتها لأنّ الأوقات التي يتعين السداد فيها أوقات بعيدة، والعمال يحتاجون إليها اليوم»، وزاد: «لم نكن نريد تعليق الاعتصام، لكننا سننتظر ونرى، وإن عادوا عدنا». وقال العامل فكي أوشيك محمد دين، إنهم باتوا يشعرون بأن لا أحد يُدافِع عنهم، وأنّ حقوقهم ستُهدَر إن لم يتّحدوا ويتوافقوا على موقف واحد.

وقال نقابي سابق، وهو بالمعاش حالياً، وقد عمل بالسكة الحديد بعطبرة، لمراسل «أتَـر»، إن ما خرج به اجتماع مجلس الإدارة من وعود، رغم عدم يقين العمال بتنفيذها، دون المستوى والطموح، وأضاف قائلاً: «غالباً ما يجري تعليق الاعتصامات بناءً على وعود حكومية أو تسويات جزئية، لكنها لن تصمد لضعفها ولعدم التزام قاطعيها بها»، مُحذّراً من أن مثل هذه التسويات الجزئية تُسبِّبُ تآكل الثقة، حينما يشعر العامل بأن قياداته النقابية أو الجهات المُفاوِضة قد قبلت بـ«أنصاف حلول» لا تغطي تكاليف المعيشة المتصاعدة. وأشار إلى أنه في ظلّ التضخم، تصبح المخرجات التي كانت تبدو مقبولة قبل شهر، غير ذات قيمة لحظة التنفيذ.

وأشار إلى أنّ تفكير العامل في العودة للاعتصام، هو مؤشر على أن الأسباب الجذرية للأزمة لم تُعالج، منوهاً إلى أن سلاح الاعتصام أو الإضراب هو أقوى أسلحة العمال، لكنّ تكراره بنحوٍ مُتقطّع دون تنظيم قد يؤدي إلى «إنهاك» القاعدة العمالية وفقدان الزخم. وقال إنّ عمال السكة الحديد في بورتسودان يُدركون أن توقفهم يسدّ شريانَ إمداد أساسياً للبلاد، وهذا يضعهم تحت ضغط أخلاقي كبير بين حقّهم الشخصي ومصلحة المجتمع.

Scroll to Top