يتابع مئات الآلاف من السودانيين داخل البلاد وخارجها بقلق متزايد مؤشرات التصعيد العسكري في منطقة الخليج، في ظلّ تنامي التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع تسارع التطوّرات، تتزايد المخاوف من انزلاق الخليج الذي ظلّ لعقود أحد أكثر المراكز الاقتصادية استقراراً إلى ساحة مواجهة مفتوحة، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود الدول المنخرطة مباشرة في الصراع. لكن أثر هذا التصعيد يتخطّى حدوده الجيوسياسية ليمسّ ملايين السودانيين الذين باتت حيواتهم مرتبطة ارتباطاً مباشراً باستقرار هذه المنطقة.
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، تحوّلت دول الخليج إلى شريان اقتصادي حيوي، تعتمد عليه ملايين الأسر عبر التحويلات المالية القادمة من أبنائها العاملين هناك. لذا فإنّ أي اضطراب في الخليج لا يعني اهتزاز الأسواق فحسب، بل يهدّد مصادر العيش داخل السودان أيضاً.
![]()
شكّل استهداف جزيرة خرج وحقل فارس الجنوبي في إيران خلال مارس 2026 نقطة تحوّل في مسار التصعيد، إذ انتقل الصراع من نطاق عسكري تقليدي إلى استهداف مباشر لمصادر الطاقة. فجزيرة «خرج» تمثل الشريان الرئيس لصادرات النفط الإيرانية، بينما يُعدّ حقل بارس الجنوبي أكبر حقل غاز في العالم، ما يجعل استهدافهما مؤشراً على انتقال الصراع إلى ما يمكن وصفه بـ«حرب طاقة».
ويرى الباحث د. إسماعيل الناير عثمان، أنّ الخليج يقف اليوم عند «تقاطع استراتيجي شديد الحساسية»، باعتباره حزاماً يمتدّ من البحر الأحمر إلى قلب الخليج، ويشكّل محوراً أساسياً في معادلة الطاقة والتجارة العالمية. ويُشير إلى أنّ أي تصعيد سينعكس سريعاً على الأسواق والاقتصادات الدولية، نظراً إلى موقع المنطقة في قلب منظومة الطاقة العالمية.
ويضيف الناير أنّ التصعيد لا يزال محكوماً بمنطق «الردع المتبادل المنضبط»، إذ تسعى الأطراف إلى إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع استمرار الضغوط عبر ضربات محدودة وأدوات غير تقليدية، بما في ذلك الهجمات السيبرانية. غير أنّ هذا الإطار بدأ يتآكل، مع انتقال التصعيد إلى استهداف مباشر إلى قطاع الطاقة.
ويحذّر الناير من أنّ استمرار هذا التصعيد قد يؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتراجُع ثقة المستثمرين، ما يدفع الحكومات إلى إعادة توجيه مواردها نحو الأمن والدفاع على حساب الإنفاق التنموي.
من الاستقرار إلى النزوح
في قلب هذه التحوّلات، يقف مئات الآلاف من السودانيين الذين يرتبط وجودهم في الخليج بسياق أقدم من الأزمة الحالية، موزَّعين بين قطاعات التعليم والصحة والخدمات والتجارة.
وتشير البيانات إلى وجود نحو 816 ألف سوداني في السعودية حتى عام 2022. وفي 2020، كان تعداد السودانيين في الإمارات نحو 133 ألفاً، وفي قطر 23 ألفاً، وفي عمان نحو 20 ألفاً، وفي الكويت نحو 49 ألفاً، وفي البحرين نحو 14 ألفاً، مكوّنين بذلك واحدة من أكبر الجاليات العربية والأفريقية في منطقة الخليج. غير أن هذه الخارطة تغيّرت بسرعة بعد الحرب، إذ دفعت موجات النزوح أعداداً كبيرة إلى الخليج. ودخل كثيرٌ من الفارّين السودانيين إلى السعودية عبر تأشيرات زيارة، واستقبلت الإمارات أعداداً ضمن ترتيبات إقامة إنسانية «إقامة كوارث»، بينما اتجه آخرون إلى سلطنة عمان عبر برامج استثمارية. وبذلك ارتفع العدد الإجمالي للسودانيين في الخليج إلى ما لا يقل عن 1.1 مليون شخص، في زيادة تعكس أثر النزوح أكثر مما تعكس توسعاً طبيعياً في نطاق الهجرة. ولم يكن وصول كثير منهم إلى السعودية أو الإمارات أو قطر أو عمان نهاية رحلة الهروب من الصراع، فقد كانت بداية حياة جديدة محفوفة بالهشاشة وعدم اليقين.
يقول إبراهيم، ربّ أسرة سودانية استقرّت في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية بعد فرارها من الحرب في السودان عبر تأشيرة زيارة عائلية: «وصلنا إلى هنا بعد أن فقدنا منزلنا في الخرطوم. نحن نعيش حالياً على إعالة ابننا الأكبر الذي يعمل هنا منذ سنوات. صحيح أننا وجدنا الأمان، لكننا نعرف أنّ وجودنا مؤقت لأنّ إقامتنا مرتبطة بزيارة عائلية. لذلك فإن الحرب في المنطقة تجعلنا نخشى أن نفقد هذا الاستقرار الذي بالكاد بدأنا نشعر به».
مثل إبراهيم وأسرته، لم يدخل معظم السودانيين إلى دول الخليج بصفة لاجئين معترف بهم دولياً، بل عبر تأشيرات زيارة أو ترتيبات إقامة مؤقتة مرتبطة بالعمل أو الكفالة. وهذا يعني أن استقرارهم القانوني يعتمد في الغالب على وظيفة أو كفيل أو قريب من الدرجة الأولى، وقد يؤدّي فقدان العمل أو انتهاء مدة التأشيرة إلى فقدان حقّ الإقامة. وفي ظل غياب صفة اللجوء الرسمية، يواجه كثير منهم صعوبة في الوصول إلى شبكات الحماية الاجتماعية أو برامج الدعم الإنساني، ما يجعلهم يعتمدون بشدة على مساعدات الأقارب، أو وظائف غير مستقرة أو على تضامن الجاليات السودانية في المهجر. وهذا يجعل وضعهم القانوني رهيناً باستقرار سوق العمل والسياسات المحلية في دول الاستضافة.
سوق العمل الخليجي: ضغط متصاعد
نحن هنا مرتبطون بالعمل بشدة، إذا توقف أو تأثرت حياتنا، ليس فقط هنا، بل أسرنا في السودان أيضاً.
وتتجلّى هذه الهشاشة بنحو مباشر في سوق العمل، الذي يشكّل نقطة الارتكاز الأساسية لوجود السودانيين في الخليج. فالتوترات الإقليمية تنعكس على مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتمتد إلى قطاعات حيوية تستوعب أعداداً كبيرة من العمالة السودانية، مثل التعليم والصحة والخدمات والبناء، وهي قطاعات غالباً ما تكون من أول القطاعات المتأثرة بتباطؤ الإنفاق أو تجميد المشاريع. وبما أن العمالة الوافدة تمثل مكوناً أساسياً في سوق العمل الخليجي، فإنها تكون الأكثر عرضة لتبعات هذه التحولات، خاصة في ظل طبيعة العقود المؤقتة أو المرتبطة بالكفالة.
وهنا يشير د. الناير إلى أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى تباطؤ التوظيف وزيادة الحذر في تجديد العقود، لا سيما في القطاعات الأقل أولوية.
وفي وصف مباشر لهذا الواقع، يقول ناصر، أحد السودانيين العاملين في الرياض: «نحن هنا مرتبطون بالعمل بشدة، إذا توقف أو تأثرت حياتنا، ليس فقط هنا، بل أسرنا في السودان أيضاً».
وتكمن خطورة هذا الواقع في أن فقدان الوظيفة لا يعني تراجع الدخل فقط، بل قد يؤدي مباشرة إلى فقدان الإقامة القانونية، ما يضع آلاف السودانيين أمام معادلة قاسية تربط بين البقاء القانوني والعمل. وفي ظل هذا الترابط، تصبح أي صدمة في سوق العمل ذات أثر مضاعف على الأفراد، وتمتد إلى أسر تعتمد على تحويلاتهم داخل السودان.
التحويلات: طوق نجاة في خضم الكارثة
لكنّ خطورة هذا التحوّل لا تتضح بالكامل إلا عند النظر إلى ما يحدث داخل السودان. فقد خلّفت الحرب واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث نزح أكثر من 10 ملايين شخص، بينما لجأ نحو 4 ملايين إلى الخارج، وسط تصنيف دولي للأزمة ضمن الأكبر عالمياً من حيث النزوح والجوع.
راتب ابنتنا في الخارج هو ما يُبقينا قادرين على الاستمرار. هي ترسل لنا المال كل شهر لنسكن ونشتري الغذاء والدواء وندفع مصاريف المدارس. إذا حدث أيّ اضطراب في الخليج أو تأثّرت وظيفتها هناك، فإنّ حياتنا هنا ستتغير بالكامل، لأننا ببساطة لا نملك أي مصدر دخل آخر.
وجاء ذلك في وقت تشهد فيه برامج المساعدات الإنسانية الدولية تراجعاً في مستوى الاستجابة نتيجة فجوات التمويل، ما أدى إلى تفاقم الضغوط على الأسر المتضررة. وفي هذا الفراغ تحديداً، برزت التحويلات المالية بوصفها شبكة أمان حيوية. فبعد أن كانت دعماً أسرياً محدوداً، أصبحت بعد الحرب مصدراً أساسياً للعيش، تعيل مئات الآلاف من الأسر، وتمتد آثارها إلى ملايين المستفيدين بنحوٍ مُباشر أو غير مُباشر، في ظل غياب بدائل مُستقرَّة للدخل داخل البلاد.
تقول آمنة، ربة أسرة نازحة، وتقيم حالياً في مدينة عطبرة، وتعتمد على تحويلات ابنتها الطبيبة العاملة في قطر: «راتب ابنتنا في الخارج هو ما يُبقينا قادرين على الاستمرار. هي ترسل لنا المال كل شهر لنسكن ونشتري الغذاء والدواء وندفع مصاريف المدارس. إذا حدث أيّ اضطراب في الخليج أو تأثّرت وظيفتها هناك، فإنّ حياتنا هنا ستتغير بالكامل، لأننا ببساطة لا نملك أي مصدر دخل آخر».
وتشير بيانات صندوق الأمم المتحدة لتنمية رأس المال إلى أنّ التحويلات الرسمية بلغت نحو 465 مليون دولار في عام 2021، غير أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الفعلي، إذ يجري تحويل نسبة مُقدَّرة من الأموال عبر قنوات غير رسمية، نتيجة ضعف النظام المصرفي والفجوة في أسعار الصرف.
ويقدّر تقرير اقتصادي صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحجم الحقيقي لتحويلات السودانيين في 2020 يتراوح بين 3 و6 مليارات دولار سنوياً، يأتي معظمها من دول الخليج، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على هذه المنطقة مصدراً رئيساً للدخل.
ثلاثة مسارات تهدد السودانيين في الخليج
في المحصلة، تتقاطع هذه العوامل لتشكّل ثلاثة مسارات رئيسة تُهدِّد السودانيين في الخليج. على المستوى الاقتصادي، فإنّ أي تباطؤ في سوق العمل أو تراجع في المشاريع والاستثمارات، سيُؤدِّي إلى تقليص التحويلات المالية، ويُفاقم الأزمة المعيشية داخل السودان حيث تعتمد شريحة واسعة من الأسر على هذا الدخل للبقاء.
وعلى المستوى القانوني والإنساني، يُواجه آلاف السودانيين، بخاصة الذين وصلوا إلى الخليج بعد أبريل 2023، أوضاعاً هشة نتيجة إقامتهم عبر تأشيرات مؤقتة أو غير مُستقرَّة، ما يحدّ من قدرتهم على الوصول إلى الحماية الاجتماعية ويجعل استقرارهم معلقاً بإجراءات قد تتخذها حكومات دول الخليج حيالهم.
أما على المستوى الجيوسياسي، فيجد السودانيون أنفسهم عالقين بين حرب داخلية دفعتهم إلى النزوح، وتصعيد إقليمي في المنطقة التي أصبحت ملاذهم الاقتصادي، وهو ما يضعهم في موقع شديد الحساسية أمام تقلبات لا يملكون التأثير عليها.
أمام هذا التشابك، أصبح وضع السودانيين في الخليج جزءاً من أزمة إقليمية معقدة؛ إذ يتحول السودانيون إلى مؤشّر حسّاس لتداخل الأزمات بين الداخل السوداني والبيئة الإقليمية، فاستقرارهم أصبح مرهوناً بمعادلة أوسع ترتبط بأمن الطاقة، وأوضاعهم الهجرية، وأسواق العمل، والتوازنات الجيوسياسية.



