الدبّة: مُسيّرات في صبيحة العيد
مراسل أتر
منذ فجر 20 مارس الجاري، الموافق لأول أيام عيد الفطر المبارك، هاجمت مُسيّرات تابعة لقوات الدعم السريع مدينة الدبة بالولاية الشمالية، على مدار ثلاثة أيام. متحدثة لـ«أتَـر»، قالت مصادر عسكرية، إن الهجوم أدّى إلى إصابة ثلاثة عسكريين بإصابات خفيفة ولا وفيات أو إصابات وسط المدنيين. ووفقاً للمصادر، بدأ الهجوم في أول أيام العيد، حوالي الساعة الرابعة صباحاً في مناطق متفرقة من المدينة. وهاجمت المُسيّرات صباح اليوم الثاني مقرَّ اللواء 73 مشاة التابع للجيش السوداني، وأتبعته بهجوم صباح ثالث أيام العيد.
وقالت مصادر متعدّدة لـ«أتَـر»، إنّ المُسيّرات استهدفت عدة مناطق في محيط سوق الدبة وبالقرب منه، منها مقرٌّ للقوات المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني، إضافة إلى مبانٍ لكلية الهندسة بجامعة دنقلا. وأكّدت مصادر أخرى انقطاع التيار الكهربائي أثناء هجومٍ استهدف محوّلات كهرباء في المدينة، لكنه عاد على نحو متقطع بعد أكثر من يومين، قبل أن يَستقرَّ أخيراً.
وازدهرت مدينة الدبة ازدهاراً فارقاً، خاصة بعد سقوط مدينة الفاشر في دارفور، إذ احتضنت معسكر العفاض للنازحين الذي يأوي الآف النازحين من الفاشر وغرب السودان. لكنّ ازدهار الدبة بدأ قبل ذلك. مُنذ تزايدِ أعداد النازحين إلى الولاية الشمالية، وتعثّر وإغلاق الطرق التجارية بين وسط السودان وغربه، عقب نشوب الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، صارت الدبة مركزاً تجارياً رئيساً للتجارة مع غرب السودان. وفي الآونة الأخيرة عاد كثيرٌ من سكّانها لقضاء إجازة العيد. وفي المقابل، لوحظ انخفاض موجات النزوح من الخرطوم لا سيما عقب استعادة الجيش لولاية الخرطوم كاملة في 20 مايو 2025.
يقدر الصادق صالح، وهو صاحب بقالة وتاجر محاصيل في سوق الدبة، في حديثه لـ«أتَـر»، أنّ السوق فقد قرابة 50% من نشاطه بعد استعادة ولاية الخرطوم إلى قبضة الجيش السوداني، ويعزو ذلك إلى عودة النازحين والتجار إلى ولاية الخرطوم. ويقول إنّ جميع المناطق على حدود دنقلا ومناطق أخرى ممتدة على الضفة الشرقية تعتمد على الدبة في التسوّق والإمداد باحتياجاتها، وخاصة في مواقيت التسوّق الأسبوعية يومي الخميس والاثنين، إذ يفد الناس إليها من المناطق الريفية في ولايتي نهر النيل والشمالية.
ويضيف صالح، أنّ هجوم مُسيّرات الدعم السريع في الفترات السابقة أربك السوق، وأضعف من إقبال المتسوّقين من خارج المدينة على نحو ملموس: «عندما يسمع الناس أنّ مسيرات ضربت الدبة يتجنبون الذهاب إلى السوق».
أما بالنسبة للسلامة الشخصية للتجار، فيرى صالح أنّ هجوم المُسيرات قد خلَقَ وضعَ استعداد في نفوس التجار في المدينة، بينما يرى تاجر آخر في سوق الدبة أن أكثر المتأثرين بهجمات المسيرات هم التجار النازحون، وأن تجارتهم ومُزاولتهم لأنشطتهم تتأثّر بشدة بعد تداول الأخبار عن حدوث هجمات مسيرات الدعم السريع.
وبحسب صالح، فإنّ سوق الدبة قد استعاد نشاطه بعد عطلة عيد الفطر المبارك، رغم أنها عودة وصفها بالمنقوصة، لأنّ معظم تجار المدينة من مناطق بعيدة في أنحاء السودان من ولايتي الجزيرة والنيل الأبيض، ولم يعودوا حتى الآن من عطلة العيد.
الطينة: هجوم من الدعم السريع ونزوح وأوضاع كارثية
مراسل أتر
تمكَّنَتْ قوات الجيش السوداني وحلفاؤها، من صدِّ هجوم شنَّته قوات الدعم السريع، على مدينة الطينة الحدودية مع دولة تشاد، والواقعة بولاية شمال دارفور، نهار الاثنين 16 مارس الجاري. وكشفت مصادر محلية، تحدّثت لمراسل «أتَـر»، عن أنّ القوات المهاجمة انسحبت نحو منطقة «كرنوي»، الواقعة شرقاً من الطينة، فأحكمت سيطرتها عليها في اليوم ذاته.
وأخبر مصدر من القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، مراسل «أتَـر»، أنّ قوات الجيش والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية، صدّوا هجوماً كبيراً شنّته قوات الدعم السريع وحركة تجمّع قوى تحرير السودان جناح الطاهر حجر، من ثلاثة محاور على المنطقة، لتتمكَّن من التوغل إلى داخل المنطقة، قبل أن تباغتها قوات الجيش وحلفاؤها بهجوم مصحوب بالمُسيّرات استطاع تدمير القوات المهاجمة، التي قال المصدر «إنها ولَّت هاربة ومنسحبة، بعد خسائر كبيرة في صفوفها».
وتُعدّ مدينة الطينة آخر المعاقل التي تقع تحت سيطرة قوات الجيش السوداني وحلفائه في إقليم دارفور، وقد شهدت في 21 فبراير الماضي مواجهاتٍ عسكريةً واسعة النطاق، فقد شنّت عليها قوات الدعم السريع هجوماً بالمُسيّرات، وتوغلت في أجزاء من المدينة لفترة وجيزة، وأعلنت حينها سيطرتها على المدينة، لتعلن القوة المشتركة استعادتها في اليوم التالي.
وفي 10 مارس الجاري، قال مجلس غرفة طوارئ محلية الطينة، في بيان له، إنّ أكثر من 760 أسرة، بينها نحو 80 حالة من النساء الحوامل والمرضعات، نزحت حديثاً من منطقة كرنوي، وتعيش في العراء تحت أشعة الشمس الحارقة، بلا مأوى أو مياه نظيفة، وبلا مواد غذائية أو خدمات صحية.
وبحسب مصدر في غرف طوارئ محلية الطينة، تحدّث لمراسل «أتَـر»، فإنّ النازحين الذين خرجوا من المدينة إلى أطرافها يتركّزون في أربعة مواقع، ويُعانون من فجوة إغاثية كبيرة، وإنّ استمرار تجاهلهم يهدد بكارثة إنسانية مُضاعَفة. بينما قال مواطن من الطينة، لمراسل «أتر»، إن جُل سكان المدينة نزحوا منها مع الهجوم الأول عليها في فبراير الماضي نحو دولة تشاد، أو في مناطق خلوية بمحلية الطينة، وأشار إلى أنه لم يبقَ في المدينة إلا التشكيلات العسكرية التي تُحارب ضد الدعم السريع. وقال: «أغلبنا يقطن في مناطق مكشوفة وفي الوديان، ونعيش ظروفاً صعبة».
وكشف المواطن، عن أنّ آلاف الأسر هربت من المعارك سيراً على الأقدام أو على الدواب، باتجاه الحدود التشادية، وأشار إلى أنهم يعيشون الآن في مخيمات مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وقال: «أشد ما نعانيه هو الحصول على مياه شرب صحية». وأضاف: «في الأيام الماضية كان النازحون من قرى «الزرق» و«باهي» و«شرق الجبل» يَعيشون في ظروف صعبة في كرنوي، وبعد سيطرة الدعم السريع عليها غادروا نحو الطينة ومناطقها، والآن مع اشتداد المعارك حول الطينة التي كان بها نازحون من الفاشر، فإنهم جميعاً يغادرون نحو المجهول، في طرق صحراوية، داخل حدود السودان وخارجه».
وأدى التوتر الأمني المستمر، إلى إغلاق السوق الكبير في مدينة الطينة. وقال أحد السكان لمراسل «أتَـر»، إن التجار نقلوا بضائعهم إلى داخل الأراضي التشادية، خوفاً من النهب أو التدمير خلال الاشتباكات. وأشار إلى أنّ قرار السلطات التشادية، بإغلاق المعابر الحدودية أدى إلى ارتفاع شديد في أسعار السلع الأساسية وندرة في الإمدادات الضرورية التي كانت تنساب عبر الحدود. وأضاف: «يبحث الناس حالياً عن الطعام ولا يجدونه، وأعرف من يأكل وجبة واحدة خلال يومين كاملين».
متحدّثاً لمراسل «أتَـر»، قال خبير عسكري طلب حجب اسمه، إن مدينة الطينة تعيش لحظة مفصلية، خاصة أنها الموقع الأخير للجيش في دارفور، وتسعى قوات الدعم السريع حثيثاً للسيطرة عليها، لتأمين منفذ من منافذ الإمداد لها، وأشار إلى أن الانسحاب المُتكرِّر من المنطقة يَعكس أزمة حقيقية في تأمين خطوط الإمداد الطويلة وصعوبة في الاحتفاظ بالأرض مقابل قوات تمتاز بخفة الحركة. وقال إن انسحاب المدنيين من الطينة يُشكّل «إعلان انهيار» لمنظومة الحماية، ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع فظائع الحرب بلا غطاء أمني كافٍ.
وقال أحد الفارّين من الطينة السودانية إلى الطينة التشادية، لمراسل «أتَـر»، إنهم قضوا شهر رمضان في ظروف بالغة القسوة، وقد صاموا نهارات الشهر في العراء، وتحت أشعة الشمس المُباشرة، وأضاف قائلاً: «أحياناً لا نجد شجرة نستظلّ بها، ولو وجدناها نتركها للأطفال الصغار وحديثي الولادة». وكشف عن موجات نزوح يومية من المنطقة، وقال: «في النهار نشهد من ثلاث إلى أربع موجات نزوح جديدة من الطينة والمناطق التي حولها نحو شرق تشاد»، وقال إن عدداً كبيراً من الأسر تضطر إلى تغيير مواقع نزوحها بحثاً عن الأمان.
وقالت مصادر محلية إن الجيش التشادي قد عزز مواقع قواته على الحدود مع السودان، واعتقل لاجئين سودانيين لم يُعرف مصيرهم بعد، ولا الأسباب التي دعت لاعتقالهم.
الدلنج: قصف وهجمات برية ترعب السكان
مراسل أتر
في وقت لم تتعافَ فيه مدينة الدلنج بعدُ من آثار الحصار الذي فُرِضَ عليها من قِبَلِ قوات الدعم السريع والجيش الشعبي المُتحالف معها، وانتهى جزئياً في أواخر يناير الماضي؛ شهدت المدينة تصعيداً عسكرياً دام أسبوعاً واختتم في صباح الاثنين 16 مارس بهجوم بري، بحسب مصادر محلية تحدثت لمراسل «أتر”. وتقدمت قوات الدعم السريع من الاتجاه الشمالي، بينما تحركت قوات الحركة الشعبية المتحالفة معها من الجهة الغربية. وتمكن اللواء 54، من صد الهجوم من الاتجاه الشمالي عبر (الطريق القومي)، أما المحور الغربي فشهد معارك في منطقة الحجيرات، إضافة إلى الاتجاه الشرقي في حي المطار. وقد استمرت الهجمات المتقطعة والمناوشات حتى منتصف النهار، بحسب مصادر محلية.
وفي صباح الثلاثاء 17 مارس، تعرَّضت الدلنج لقصف مدفعي استهدف عدداً من الأحياء السكنية بالاتجاه الشمالي، وتكرر القصف مرة أخرى صباح الأربعاء 18 مارس، كما استمر في الأيام التالية بوتيرة متفاوتة. وفي يوم 19 مارس، أفاد مصدر محلي بحي التومات بوفاة امرأتين بحيّي الطرق وفريش جراء القصف المدفعي، في وقت استمر فيه استهداف المدينة حتى خلال ثاني أيام عيد الفطر، وردّت القوات المسلحة بدورها بقصف مدفعي استهدف مواقع غرب الدلنج.
وقال خليل زروق، الذي يقطن بحي فريش، إنه في يوم الأحد 15 مارس، سقطت قذائف مدفعية على أحياء متفرقة، من بينها فريش والمرافيت. وأضاف زروق أنّ القصف أسفر عن مقتل امرأة تدعى نفيسة علي موسى، وإصابة بنتها وشقيقتها وجرى نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج.
ولا تزال مناطق متفرقة بجنوب كردفان، تشهد هجمات بالمُسيّرات بجانب هجمات برية متقطعة، على مناطق الكويك والتقاطع والقرى المحيطة بمدينة كادُقلي. وانعكس القصف المستمر على الحياة اليومية في الدلنج، حيث أصبح التنقل داخل المدينة محفوفاً بالمخاطر، خاصة في الأحياء الشمالية والغربية، التي تعرَّضت للاستهداف المُتكرِّر، ولجأ كثيرٌ من سكّانهما إلى أحياء أخرى. واتجه سكان الأحياء الغربية والشمالية قسراً إلى أحياء الحلة الجديدة، والمرافيت، والسلام، والتضامن، وقعر الحجر.
وقالت مواطنة بحي التومات، لمراسل «أتَـر»، إنّ الخوف أصبح جزءاً من الحياة اليومية: «في السابق كنا نرتاح قليلاً في الليل لأنّ المسيرات كانت تأتي فقط صباحاً أو نهاراً، لكن الآن لم نعد نفرّق بين الليل والنهار، ففي أي وقت يمكننا أن نسمع صوت القذائف أو المسيّرات، وحتى الأطفال باتوا يخافون من أي صوت عالٍ، فحينما تردّ قوات اللواء 54 بمدفعيتها وتُصوِّب نحو الأماكن التي تأتي منها مسيرات الدعم السريع أو مدافع الجيش الشعبي، يتسبب ذلك في حالة من الفزع». وأضافت المواطنة، أن كثيراً من الأسر باتت تضع خططاً سريعة للتصرف عند بدء القصف، مثل تجهيز الماء والكِسْرة للغذاء، أو نقل المُسنِّين إلى أحياء أخرى أقل خطراً.
وتتمركز قوات الحركة الشعبية جناح الحلو غرباً في مناطق النتل والكدر. أما الدعم السريع فتتمركز شمالاً على الطريق القومي وحتى طيبة الدبيبات. ونتيجة للتداخلات الاجتماعية وقرب المسافة، يتناقل السكان الأخبار إن جاءت قوات جديدة إلى هذه التمركزات. وفي الأيام التي سبقت الهجوم، تداول السكان معلومات عن تجمعات لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية في مناطق قريبة من الدلنج، من بينها الكدر والنتل وفرشاية.
يقول سليمان محمدين عضو غرفة طوارئ الدلنج، لمراسل «أتر»، إن هذه التحركات كانت واضحة بالنسبة للسكان، فمنذ أيام قبل الهجوم، تداول الناس معلومات بوجود تحرّكات وتجمّعات لقوات لدعم السريع والجيش الشعبي، بغربي وشمالي الدلنج، وأضاف أن تزايد القصف بالمدفعية وتوقف المسيرات نسبياً خاصة يومي السبت والأحد، كان دليلاً على قرب مسافة القوات المُهاجمة، ما خلق شعوراً عاماً بأن أمراً ما سيحدث، واعتبره البعض تمهيداً لهجوم برّي محتمل. وفي مساء يوم الأحد 15 مارس شنّت القوات المسلحة هجمات بالمسيرات على تلك التجمعات بالنتل وشمال الدلنج.
وتحوّلت منطقة كرتالا بالجبال الستة إلى منفذ حيوي لدخول البضائع والسلع إلى مدنيتي الدلنج وهبيلا. وبحسب مصادر محلية بكرتالا تحدثت لمراسل «أتَـر»، تعبر كل يومين نحو ثلاثة دفارات قادمة من الرهد أبو دكنة بشمال كردفان، وبعد أن تكمل الإجراءات الأمنية بكرتالا تخرج عبر الطوف، وتُؤمَّن لها الطرق بواسطة القوات المسلحة، حتى تصل إلى هبيلا، ومن ثم ترافقها قوة أخرى وصولاً إلى الدلنج.



