أتر

ذهب السودان شمالاً… كلّ الطرق تؤدي إلى الإمارات

تشير بيانات بنك السودان المركزي إلى أن إجمالي صادرات السودان خلال عام 2025 بلغ نحو 2.639 مليار دولار، استحوذ الذهب منها على 1.536 مليار دولار بكميات مصدّرة رسمياً تقارب 14.7 طن. في المقابل، يُقدَّر الإنتاج المعلن للذهب بنحو 70 طناً، وفق بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية، ما يخلق فجوة تبلغ 55.3 طن، أي نحو 79% من الإنتاج.

في تقرير سابق، تساءلت «أتَـر»، كيف تعكس هذه الفجوة حيزاً مفقوداً واسعاً في سلسلة التوريد، يرتبط بتصاعد الاقتصاد الموازي خلال الحرب، وتحوُّل الذهب إلى قناة لنقل القيمة خارج النظام المالي. وفي الوقت ذاته، تكشف البيانات عن إعادة تشكيل خريطة الصادرات، إذ تراجعت حصة الإمارات في صادرات السودان من الذهب، من أكثر من 90% سابقاً إلى 56.3% في 2025، مقابل صعود ملحوظ لمصر إلى 33.6%، تليها عمان 5%، فقطر 3%، ثم إثيوبيا 2%. ورغم هذا التحوّل، لا تعكس البيانات الرسمية الحجم الفعلي للمفقود في سلسلة التوريد (نحو 79% من الإنتاج)، الذي يُرجّح أن معظمه مر عبر التهريب، ما يعمّق الفجوة بين الإنتاج والصادر ويزيد من خسائر الدولة في عوائد الصادرات والرسوم.

في سياق التوتر السياسي بين السودان والإمارات خلال 2025، أعيد تشكيل مسار الصادرات. فخلال الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر، أي بعد قرار توقف العلاقات التجارية في 8 أغسطس 2025، تراجعت صادرات السودان إلى الإمارات إلى نحو 10.115 مليون دولار فقط، مقارنة بإجمالي سنوي بلغ 926.232 مليون دولار. أي أن قيمة الصادرات السودانية إلى الإمارات بعد قطع العلاقات مثلت نحو 1.09% من إجمالي الصادرات خلال العام إلى هذا السوق، ما يعكس انخفاضاً حاداً في التدفقات التصديرية خلال فترة وجيزة، ويشير إلى انكماش شبه تامّ في القناة التصديرية عقب توقف العلاقات والتوتر السياسي بعد أن كانت الإمارات أكبر شريك تجاري للسودان.

وتُظهر تركيبة التبادل التجاري درجة عالية من التركّز، إذ شكّل الذهب العمود الفقري للعلاقة بين البلدين، بقيمة صادرات بلغت نحو 864.929 مليون دولار في 2025. وقبل القطيعة، صدّر السودان حتى نهاية الربع الثالث نحو 10 أطنان من الذهب بقيمة تقارب 1.04 مليار دولار، استحوذت الإمارات على النصيب الأكبر منها، ما يعكس اعتماداً واضحاً على منفذ تصديري واحد شديد الحساسية لأي تغيرات سياسية أو تنظيمية.

دفع هذا التحوّل جزءاً من التدفّقات خارج القنوات الرسمية، إذ تتجه السلع عالية السيولة مثل الذهب إلى مسارات بديلة أقل شفافية وأعلى تكلفة، بالتوازي مع تراجع الصادرات المسجّلة. وتعيد هذه الديناميكية تشكيل السوق، وتوسّع الفجوة بين الإنتاج الفعلي والصادر المعلن.

وعلى نحو أوسع، تعكس هذه المؤشرات نموذجاً تصديرياً قائماً على تركّز مرتفع في سلعة استراتيجية وسوق محدّد، ما يزيد حساسية الاقتصاد للتحوّلات السياسية المرتبطة بقنوات التصدير، ويجعل تدفّقات النقد الأجنبي أكثر عرضة لإعادة التشكّل السريع، مع انعكاسات مباشرة على توازنات السوق وهيكل التجارة الخارجية.

الشكل (1): نسبة صادرات الذهب إلى الإمارات من مجمل صادرات الذهب السوداني في الأعوام 2018-2025

المصدر: تقارير بنك السودان المركزي

مسارات التهريب

يقود سؤال «أين يذهب الإنتاج الفعلي؟» إلى الحدود الشمالية، التي أصبحت أحد أبرز مسارات التهريب خلال الحرب. في هذا السياق، لا يُعامَل الذهب باعتباره سلعةً تقليدية، إنما بوصفه وسيطاً لنقل القيمة، يُخرَج من الاقتصاد، ويُسيّل في مراكز مالية خارجية، خاصة الإمارات، ثم يعود في صورة سيولة بالعملة الصعبة لتمويل الواردات أو تغذية السوق الموازي أو الاكتناز. بهذا المعنى، يتحوّل الذهب إلى أداة لإدارة رأس المال خارج القيود المحلية، متجاوزاً كونه بنداً في الميزان التجاري.

وتُظهر البيانات للفترة 2015–2025 فجوة مستمرة بين الإنتاج والصادرات، بلغت في 2025 نحو 70,000 كجم إنتاجاً مقابل 14,722 كجم صادرات، بفقد قدره 55,278  كجم بنسبة 78.97%، ما يؤكّد اتساع نطاق التسرّب.

الشكل (2): الفرق بين إنتاج الذهب حسب التقارير الرسمية والصادرات المُسجّلة خلال الأعوام 2015-2024

في مقابلة لـ «أتَـر» في يناير الماضي مع أحد مهرّبي الذهب عبر الحدود مع مصر، أوضح أنه يتلقّى المدفوعات من مشترين ينتمون إلى جنسيات مُتعدِّدة، بينها المصرية والليبية والتونسية، عبر شبكات يتعامل معها مباشرة، قبل تحويل الأموال إلى حساباته في الإمارات. ويُعاد توظيف هذه العائدات في تمويل واردات إلى السودان عبر مصر أو عُمان، ضمن دورة مالية مترابطة تجعل الذهب أداة لتسوية التجارة خارج الجهاز المصرفي.

وعند إعادة التواصل معه في مارس، أشار إلى اتساع النشاط على الحدود، لافتاً إلى أن جنوب مصر، خاصة محيط أسوان، أصبح مركزاً نشطاً للتعدين التقليدي، ما عزّز الترابط بين المعدّنين السودانيين والأسواق المصرية. كما أشار إلى نشاط لمعدّنين سودانيين في مناطق حدودية بولاية البحر الأحمر مثل نورايا والأنصار وجبل نمر، حيث يلعب الفارق السعري دَوراً حاسماً في توجيه التدفّقات.

وأوضح أن تسعير الذهب يبدأ منذ خروجه من مناطق الإنتاج وفق السعر العالمي المرتبط بسوق دبي، بالدولار أو الدرهم، مع إضافة هامش للنقل والمخاطر، قائلاً: «السعر عندنا معروف من البداية، مربوط بدبي، والفرق بين السعرين هو حق الطريق، وكل ما الفرق يزيد، الحركة بتنشط في الحدود».

وفي وصفه للعمل الميداني، أشار إلى أن الشحنات تتحرّك ضمن ترتيبات منظمة تختلف حسب الكميات، وتشمل مرافقة بسيارات إضافية وعناصر مُسلَّحة حتى نقطة التسليم، ما يعكس طبيعة النشاط وقيمته المرتفعة، خاصة مع ارتباطه بعائدات بالعملة الأجنبية يُحتفظ بها خارج السودان. وأضاف أنّ المسارات تُدار عبر مجموعات تمتلك معرفة دقيقة بالجغرافيا ونقاط العبور، قائلاً: «في خطوط معروفة بين الناس الشغالة في المجال… والناس البتعرف الأرض دي هي البتحدد المسارات ونقاط التسليم».

كما لفت إلى تطوّر أساليب الإخفاء، عبر تعديل هياكل المركبات أو توزيع الشحنات على أكثر من وسيلة نقل لتقليل المخاطر، موضحاً: «أحياناً نُقسّم الشحنة على أكثر من عربة، وأحياناً نمضي بكمية كبيرة بتأمين أعلى، حسب الاتفاق وحجم الطلب».

وفي جانب التمويل، أشار إلى أنّ العمليات تُنجَز عبر شبكات قائمة على الثقة بين أطراف داخل السودان وخارجه، خاصة في الإمارات، حيث تُنجز التحويلات بسرعة ودون إجراءات رسمية معقدة، قائلاً: «في تجّار بيدفعوا مقدّماً، وفي شغل بيتم بعد التسليم… لكن في شبكة معروفة والتعامل فيها سريع».

مصر: الحلقة الوسيطة

يتشكّل المسار الشمالي عبر مصر حلقةً وسيطةً في تدفّقات الذهب السوداني ضمن شبكة إقليمية تنتهي في الإمارات، وتبرز ملامح هذا الدور بوضوح عند قراءة اتجاهات التجارة بين البلدين خلال العامين الأخيرين. فقد بلغت صادرات مصر إلى الإمارات نحو 3.3 مليار دولار في 2024، استحوذ الذهب منها على نحو مليارَي دولار، أي 62.5% من الإجمالي. وفي 2025، قفزت الصادرات إلى نحو 7 مليارات دولار، منها 5.8 مليار دولار ضمن بند اللؤلؤ والأحجار الكريمة التي تتضمّن الذهب، بما يعادل 82.9%، في تحوّل واضح جعل الذهب المكوّن الأقوى تأثيراً في هيكل التبادل التجاري.

تتعمّق هذه القراءة عند النظر إلى المؤشرات الكمية، إذ تُظهر بيانات التجارة الدولية ارتفاع صادرات مصر إلى الإمارات ضمن بند اللؤلؤ والأحجار الكريمة والحُلِي من نحو 1.01 مليار دولار في 2023 إلى حوالي 2.06 مليار دولار في 2024، مع تسارع واضح خلال 2025 لتصل إلى نحو 5.86 مليار دولار.

ويأتي هذا التصاعد السريع في قيمة الصادرات، إلى جانب ارتفاع مساهمة هذا البند في مجمل صادرات مصر إلى الإمارات، من 49.5% في 2023 إلى 82.9%%في 2025 رغم توسّع الإجمالي، متقاطعاً زمنياً مع زيادة التدفقات القادمة من السودان نحو مصر، ما يعزّز موقع مصر لتكون حلقة وسيطة في سلسلة إعادة توجيه المَعْدن نحو أسواق الخليج، حيث يُعاد إدخال هذه التدفقات ضمن القنوات التجارية الرسمية تحت تصنيفات تصديرية مُختلفة.

ولا تُظهِر السجلّات المصرية هذا الذهب بوصفه مُنتجاً ذا منشأ سوداني، وهو ما يمكن تفسيره بثلاثة عوامل مترابطة: أولاً، خروج كميات عبر التهريب خارج الأطر الجمركية، ما يحدّ من تسجيلها؛ ثانياً، خضوع الذهب لعمليات صهر وخلط تُزيل أثر المنشأ الأول؛ وثالثاً، اعتبارات الامتثال الدولي، إذ يُصنَّف الذهب القادم من مناطق النزاع بأنه عالي المخاطر وفق معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ويخضع لرقابة منظمة مجموعة العمل المالي (FATF)، ما يجعل تحديد منشئه مسألة حساسة.

ويُفسَّر اعتماد هذا المسار بعوامل عملية، أبرزها اتساع الحدود وصعوبة ضبطها، والقرب الجغرافي، وتوفر مسارات تجارة قائمة يمكن إدماج الذهب ضمنها بسرعة، إلى جانب البيئة غير المستقرة في مناطق التعدين داخل السودان التي تدفع المنتجين للبحث عن قنوات أكثر مرونة وسيولة.

كما يُعزّز هذا المسار توسّع التعدين التقليدي داخل مصر، خاصة في المنطقة الشرقية ومحيط أسوان، حيث نشأت أسواق تستوعب جزءاً من الإنتاج القادم من الحدود، ما خلق شبكة تفاعل مباشرة بين المُعدِّنين في البلدين، تشمل تبادل الذهب مقابل مدخلات التعدين مثل السيانيد، ضمن اقتصاد ظلّ عابر للحدود.

تتركز أنشطة تعدين الذهب في مصر في الصحراء الشرقية وجنوب البلاد، خاصة مرسى علم، وحلايب وشلاتين – اللتين استحوذت عليهما مصر – وأسوان، حيث تنتشر مواقع الاستخراج على امتداد جبال البحر الأحمر. ويقود النشاط المُنظّم منجم السكري بالشراكة بين سنتامين وهيئة الثروة المعدنية، إلى جانب مواقع أصغر تديرها شركات وطنية، أبرزها شركة شلاتين، وشركات خاصة ضمن الامتيازات الجديدة.

وتُعد شلاتين الذراع الرئيسة للدولة في استغلال الذهب جنوب الصحراء الشرقية، بامتيازات بين خطي عرض 22 و24 شمالاً، وتعمل عبر تشغيل مباشر لمواقع مثل إيقات، وتنظيم التعدين التقليدي ضمن مجمعات صناعية قيد الإنشاء في أسوان، لرفع القيمة المُضافة وتقليل التهريب. وبلغ إنتاجها أكثر من 900 كيلوجرام في 2024، مع خطة لرفعه إلى نحو 6 أطنان خلال خمس سنوات، بالتوازي مع زيادة توريد الذهب للبنك المركزي ودمج المُعدّنين في القنوات الرسمية.

ويُضاف إلى ذلك بُعد اقتصادي وتنظيمي، إذ تُوفّر مصر بيئة قادرة على استيعاب الذهب وإعادة دمجه عبر التكرير أو التصنيع، ثم تصديره بشهادات منشأ جديدة، ما يُصعِّبُ تتبّع مصدره الأصلي. كما أن البنية التجارية بين مصر والإمارات، التي يشكّل الذهب فيها النسبة الأكبر من الصادرات، تُوفِّر قناة جاهزة لإعادة تصدير هذه الكميات.

وتعكس بيانات الإنتاج والتصدير فجوة واضحة، إذ تتجاوز صادرات الذهب إلى الإمارات حجم الإنتاج المحلي المصري في عدة سنوات، خاصة 2020 و2023 و2024 و2025، ما يُشير إلى تدفقات إضافية من خارج الإنتاج المحلي.

السنة إنتاج مصر (بالطن) صادرات للإمارات (بالطن)
2022 13.7 13.2
2023 17.38 28.5
2024 19.9 31
2025 17.3 50

الجدول (1): إنتاج مصر من الذهب حسب تصريحات المسؤولين، وكمية صادرات مصر من الذهب إلى الإمارات

(لم تتحصّل أتَـر على تقارير رسمية حول الإنتاج المصري، لذلك جُمعت الإحصاءات من تصريحات مسؤولين في الصحف).

وفي هذا السياق، يُشير مصدر لـ«أتَـر» إلى أنّ «جزءاً كبيراً من الذهب المُتدفّق عبر المسارات غير الرسمية لا يبقى في حالته الخام، بل يدخل مباشرة في عمليات الصقل والإذابة داخل ورش ومصانع محلية، حيث يُعاد تشكيله في هيئة سبائك صغيرة أو مشغولات ذهبية قابلة للتداول». ويضيف أن «هذه العمليات تمنح الذهب قيمة إضافية وتُسهل إدخاله ضمن دورة الإنتاج الصناعي، عبر إعادة تصنيفه باعتباره منتجاً محلياً بعد المرور بمراحل تحويل شكلية وفنية».

ووفقاً له، فإنّ «توسّع نشاط المشغولات في السوق المصري خلق مساحة واسعة لاستيعاب هذه الكميات، إذ تُدمج داخل خطوط الإنتاج ثم تُطرَح لاحقاً في الأسواق أو تُوجّه إلى التصدير. كما أن جزءاً كبيراً من هذه الكميات يستقرُّ داخل السوق المصرية في صورة ذهب مشغول يغذّي الطلب المحلي، إلى جانب كميات تتجه لاحقاً إلى التصدير نحو الإمارات، ما يُعيد تقديم الذهب في صورة مُختلفة ويَمنحه مساراً نظامياً ظاهرياً قبل انتقاله إلى وجهاته النهائية».

Scroll to Top