أثار إعلان حكومة تأسيس المُكوَّنة من تحالف جماعات عسكرية وسياسية، أبرزها قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – جناح الحلو، في فبراير الماضي؛ اعتزامها تنظيم امتحانات للشهادة الثانوية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع بكردفان ودارفور، جدلاً واسعاً؛ لا سيما وأنه أعقب إعلان وزارة التعليم والتربية الوطنية «حكومة الأمل»، عقد امتحانات الشهادة السودانية في 13 أبريل الجاري، في مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية.
وفي مطلع مارس الماضي؛ أعلنت اللجنة الفنية لامتحانات الشهادة الثانوية في حكومة تأسيس، الرابعَ من شهر يونيو الُمقبل إلى السادس عشر منه، موعداً لامتحانات الشهادة الثانوية للطلاب والطالبات في جميع مناطق سيطرتها.
وبحسب مصدر مسؤول بالإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور، فإنّ إعلان حكومة تأسيس إجراء الامتحانات في يونيو المقبل، محاولةٌ لإنقاذ مستقبل مئات الآلاف من الطلاب والطالبات في دارفور وكردفان، ممن حُرموا من الجلوس للامتحانات لثلاث سنوات متتالية، إذ يُقدَّرون بنحو 150 ألف طالب وطالبة في جنوب دارفور وحدها، ويعانون من مشكلة تراكم الدفعات. المصدر الذي تحدث مع مراسل «أتَـر»، حول هذا الإعلان قال: «هذا الوضع المُلتبس، وضياع السنين والمستقبل التعليمي، خلق ضغطاً هائلاً على الأسر والطلاب والطالبات الذين يخشون ضياع سنوات من عمرهم بسبب الصراع المُسلّح، ونحن في تأسيس قرَّرنا أن لا يستمرَّ ذلك طويلاً».
استمارات للجلوس ولا إقبال
وزَّعت سلطات تأسيس استمارة ش.ث.2، لحصر الطلاب المُمتحَنين لهذا العام، على جميع المدارس بمناطق سيطرتها، لكن هذه الاستمارة تُواجَهُ بضعف الاستجابة، من قِبل أولياء الأمور، وفق ما ذكر معلم بالدرجة الخامسة في جنوب دارفور، لمراسل «أتَـر»، وأضاف أنهم تمكّنوا حتى الآن من ملء 25 استمارة فقط.
وقال رئيس اللجنة الفنية للامتحانات بحكومة تأسيس حافظ عمر، في تصريحات صحفية، إنّ اللجنة أقرَّت رسمياً قيام امتحانات الشهادة الثانوية في موعدها الرابع من يونيو المقبل. وأجازت اللجنة الجداول الخاصة بالعملية، وأنه ستُحدَّد أماكن مراكز الامتحانات بداخل السودان وخارجه. ودعا أولياء الأمور إلى تسجيل أبنائهم وبناتهم في جميع إدارات ومراكز التربية والتعليم بالولايات والمحليات والمدارس والانتظام في الدراسة التنشيطية، لتهيئتهم على نحوٍ جيد استعداداً للجلوس للامتحانات، مُعلناً توزيع استمارات ش.ث.2 لجميع الولايات عبر مديري التعليم فيها.
ووجّه حافظ في حديثه، مديري التعليم بالولايات التي تُسيطر عليها قوات الدعم السريع وحلفاؤها، بتهيئة البيئة لتمكين الطلاب والطالبات من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية، مُوضّحاً أنّ مراكز الامتحانات ستُوزَّع على أرياف وحاضرات الولايات وفق الظروف الأمنية العامة التي تُقرِّرها لجان أمن الأقاليم والولايات، وأضاف أنّ اللجنة فتحت قناة تواصل ونقاش مع منظمتي اليونيسف واليونسكو للمساهمة في التنسيق والترتيب والدعم لإنجاح هذه الخطوة. تواصلت «أتَـر» مع مكتب يونيسف في السودان، من أجل التحقق من صحة تلك التصريحات، لكن حتى نشر القصة، لم نتلقى أي رد.
كذلك ذكر رئيس الادارة المدنية بولاية جنوب دارفور، يوسف محمد يوسف، خلال مؤتمر صحفي، التزام إدارته بتدريب 5 آلاف من قيادات التعليم والمعلمين، ليكون ذلك بداية فعلية للترتيبات الأكاديمية للامتحانات، وذلك بالتزامن مع مباشرة اللجنة الفنية لأعمالها.
وخصّصت اللجنة الفنية لامتحانات الشهادة الثانوية، بوزارة التربية والتعليم بحكومة تأسيس، استمارة ش.ث.2، لحصر الطلاب المُمتحَنين لهذا العام، ووزَّعتها على جميع المدارس بمناطق سيطرتها، لكن هذه الاستمارة تُواجَهُ بضعف الاستجابة، من قِبل أولياء الأمور، وفق ما ذكر معلم بالدرجة الخامسة في جنوب دارفور، لمراسل «أتَـر»، وأضاف أنهم تمكّنوا حتى الآن من ملء 25 استمارة فقط.
المعلّم بالدرجة السابعة، عبد الجليل مصطفى (اسم مستعار)، أخبر مراسل «أتَـر»، بأنّ ما يُقدَّر بأكثر من نصف المدارس في ولاية جنوب دارفور منهارة، ويتفاوت مستوى الانهيار من مدرسة إلى أخرى، فهناك مدارس انهارت انهياراً كلياً بسبب القصف المدفعي، وأخرى جزئياً، وبعضها الآخر نُهِبَ إجلاسها، بينما دخلت حالياً 17 مدرسة فقط إلى الخدمة بمدينة نيالا ومحلية بليل ومعسكر كلمة، ومعظمها مدارس خاصة، وأضاف أن من يعملون بهذه المدارس، هم مُعلِّمون مُتطوِّعون معظمهم من خلفيات أكاديمية مختلفة، ولا علاقة لهم بالتربية والتعليم، بل يفتقرون إلى مهارات التدريس. يقول مصطفى مُعلِّقاً على الأمر: «لكننا نعمل في وضع استثنائي، ولا نملك خيارات أخرى، لذا سنُديرها بهذا النحو».
جدل التقسيم
ويرى تربويّون أن قيام امتحانات موازية يمثل تكريساً لتقسيم البلاد، وواقعاً جديداً لانفصال غير مُعلن، فالشهادة الثانوية السودانية، كانت دائماً رمزاً للوحدة الوطنية والمعيار الموحَّد الذي يجمع السودانيين. وفي هذا السياق، يرى الخبير التربوي صافي النور جمعة كافي، في حديثه لمُراسل «أتَـر» أن وجود نظامين للامتحانات يعني ازدواجية القرار التعليمي وتفتيت المركزية التربوية.
وانتقد كافي ما سمَّاه «التسييس واستخدام التعليم أداةَ ضغط»، وقال: «المؤسف أن كلّ طرف ينظر إلى هذه الخطوة سياسياً، على أنها محاولة لإثبات سيادته الكاملة على الأرض، وقدرته على إدارة مؤسسات الدولة»، مشيراً إلى أنّ استخدام ملف التعليم ليكون «كرتَ ضغط» في الصراع العسكري، يُعرِّض حيادية ومصداقية الشهادة الثانوية السودانية للخطر عالمياً، حتى التي تقوم عليها حكومة السودان في بورتسودان المُعترَف بها دولياً.
بينما يرى البعض في خطوة «حكومة تأسيس» حلاً اضطرارياً لطلاب المناطق المتضررة، يخشى آخرون من أن تكون هذه الخطوة بمثابة المسمار الأخير في نعش وحدة النظام التعليمي السوداني، ما قد يؤدّي إلى ظهور جيلين بشهادات تعليمية مختلفة لا يعترف أحدهما بالآخر.
وطالب بتكوين لجنة مهنية وطنية مستقلَّة تتجاوز حالة الانقسام وتعمل على تحييد قطاع التعليم عن الصراع السياسي والعسكري، مُقترحاً أن تكون من خبراء تربويين للإشراف على امتحان موحّد وشامل لجميع السودانيين لضمان العدالة وعدم حرمان أيِّ طالب بسبب موقعه الجغرافي. وأضاف قائلاً: «يمثل خيار اللجنة الوطنية المستقلة المَخرج الأكثر أماناً وحكمةً لتجنيب الطلاب تبعات الانقسام السياسي، لكنّ تنفيذ هذا الحل يتطلَّب إرادة حقيقية لتغليب مصلحة الجيل القادم على المكاسب العسكرية المؤقتة».
وبينما يرى البعض في خطوة «حكومة تأسيس» حلاً اضطرارياً لطلاب المناطق المتضررة، يخشى آخرون من أن تكون هذه الخطوة بمثابة المسمار الأخير في نعش وحدة النظام التعليمي السوداني، ما قد يؤدّي إلى ظهور جيلين بشهادات تعليمية مختلفة لا يعترف أحدهما بالآخر. ينظر صافي النور إلى خطوة «تأسيس» باعتبارها ردَّ فعل على الامتحانات التي تُجرى في مناطق سيطرة الجيش، مُشيراً إلى أن قضية قيام امتحانات الشهادة الثانوية في ظلّ الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان في بورتسودان أو نيالا، هي قضية مُعقَّدة تتداخل فيها الجوانب التربوية والأكاديمية بالجوانب السياسية واللوجستية. ويقول صافي النور: «بداهة، إنّ تأجيل الامتحانات لسنواتٍ يُعدّ من الناحية التربوية الصرفة، كارثةً أكاديميةً تؤدي إلى تراكم الدفعات وتكدّس للطلاب في مرحلة واحدة، كما أنّ انقطاع الطلاب والطالبات لمدّة طويلة عن الدراسة يؤدّي إلى ضعف المهارات الأكاديمية وصعوبة العودة إلى التحصيل العلمي»؛ بَيْد أنه عاد وأكّد على الصبغة السياسية لأيّ قرار في وقت الحرب، لافتاً إلى أنّ قيام امتحانات بهذه الطريقة هي خطوة سياسية، وليست مهنية.
![]()
انطلقت في الفترة الأخيرة المبادَرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، وهي مبادرة مجتمعية أطلقها فاعلون في المجتمع المدني وأكاديميون ومعلمون ومهتمون بالتعليم. وتهدف المبادرة إلى حماية حقّ مئات الآلاف من الطلاب والطالبات الذين حُرموا من أداء امتحانات الشهادة السودانية بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. وتعمل المبادَرة على حشد الدعم المجتمعي والوطني لضمان إقامة مراكز امتحانات في مناطق وجود الطلاب والطالبات، والدفاع عن حقّهم في الجلوس للامتحانات، مؤكّدةً أنّ التعليم يجب أن يبقى خارج دائرة الصراع، وأن مستقبل هذا الجيل لا يُمكن أن يَنتظر.
وترى المبادَرة أن هناك حلولاً وآليات مُمكنة للتنسيق بين مختلف الأطراف، بما يُمكِّن من إقامة مراكز امتحانات موحّدة في المناطق الواقعة تحت سيطرة كلّ من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بما يضمن تمكين جميع الطلاب من أداء امتحاناتهم دون تمييز أو حرمان، مع الحفاظ على الأمن والاستقرار داخل هذه المراكز التعليمية.
وتُقدِّر المبادرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، عدد الطلاب الذين حُرموا طوال سنين الحرب من الجلوس للامتحانات، بنحو 280 ألف طالب وطالبة في إقليمي دارفور وكردفان ومناطق أخرى، واقعة تحت سيطرة حكومة تأسيس، و65% من المحرومين هن فتيات.
طلاب على المحكّ
ذهب 10 من زميلاتي وزملائي للجلوس لامتحانات الشهادة في مناطق شرق السودان، وأهلي يرفضون جلوسي للامتحانات التي ستُقام في نيالا، لأنهم يرون انعدام الأمن والاستقرار فيها، كما يُشكِّكون في انعقاد الامتحانات بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة، والدمار الذي أصاب البنية التحتية.
«لكن أمتحن كيف؟»، هكذا ابتدرَتْ الطالبة فاطمة حديثها لمراسل «أتَـر»، وقد تقافزت من خلف سؤالها أسئلة أخرى، بعد حرمان من الجلوس لامتحانات الشهادة مدة ثلاث سنوات متتالية. وُلِدَتْ فاطمة في محلية بابنوسة بولاية غرب كردفان، ودرَست فيها الصفين الأول والثاني أساس، وانتقلت مع أسرتها إلى معسكر كلمة بولاية جنوب دارفور، وامتُحنت فيه للصف الثامن أساس في 2020، وأحرزت نسبة مُشرِّفة زادتها حماساً لمُواجهة المرحلة الثانوية، فانتقلت ثانية إلى مدينة نيالا لتدرس المرحلة الثانوية، وقبل الامتحانات في 2023، اندلعت الحرب.
تقول فاطمة لمراسل «أتَـر»، إنّ سؤال امتحان الشهادة، ظل يتردَّد في مُخيِّلتها لثلاث سنوات مُتتالية، وكانت الإجابة شعوراً خليطاً؛ من خوفٍ يَظهر كلما رأت إصرارَ أطراف الصراع وميلهم المُفرَط إلى حسم الصراع بالاقتتال، وشغفٍ وإصرارٍ على النجاح من جهة أخرى. لكنها رغم كل شيء، تعمل بجد من أجل إحراز نسبة تؤهّلها لتحقيق رغبتها في دراسة جراحة المخ والأعصاب.
«ذهب 10 من زميلاتي وزملائي للجلوس لامتحانات الشهادة في مناطق شرق السودان، وأهلي يرفضون جلوسي للامتحانات التي ستُقام في نيالا، لأنهم يرون انعدام الأمن والاستقرار فيها، كما يُشكِّكون في انعقاد الامتحانات بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة، والدمار الذي أصاب البنية التحتية»، تضيف فاطمة.
بينما يخبر عباس عمر موسى، الذي يسكن في حي النهضة بمدينة نيالا، وهو طالب مُقبلٌ على امتحانات الشهادة الثانوية، مراسل «أتَـر»، بأنه ذهب إلى المدرسة ووجد نصف زملائه في الصف الثالث الثانوي، قد سافروا إلى شرق السودان وشماله.
هل ستُوثِّق الخارجية السودانية – المعترَف بها دولياً – شهادات صادرة عن إدارة تعليمية تتبع لجهة عسكرية منافسة؟ نخشى أن نجد أبناءنا يحملون ورقة لا قيمة لها قانونياً خارج حدود منطقتهم الجغرافية، ما يمنعهم من المنح الدراسية أو الدراسة بالخارج.
وقال أحمد الجابري، لمراسل «أتَـر»، وهو ولي أمر أحد التلاميذ بولاية شرق دارفور، ويقيم الآن خارج السودان، إنه يَقلق لمستقبل ابنه، وإنه لا يثق في الشهادة الثانوية التي سوف تَعقد لها حكومة تأسيس امتحانات في يونيو المقبل. وأشار الجابري إلى أنّ مثل هذه الشهادات لا مستقبل قانونياً لها، خاصةً إنْ كان الطالب يودّ أن يدرس بها في الخارج، وقال: «علمتُ أنّ الشهادة لا تُقبَل في الخارج إلا موثّقةً من وزارة التربية، ثم الخارجية، ثم سفارة الدولة المعنية».
ويتساءل الجابري: «هل ستُوثِّق الخارجية السودانية – المعترَف بها دولياً – شهادات صادرة عن إدارة تعليمية تتبع لجهة عسكرية منافسة»، ويضيف: «نخشى أن نجد أبناءنا يحملون ورقة لا قيمة لها قانونياً خارج حدود منطقتهم الجغرافية، ما يمنعهم من المنح الدراسية أو الدراسة بالخارج».
«يا ابني، نحن بنزرع الأرض وما عارفين المطر بيصب ولا الجراد بياكل المحصول. لكن لازم نزرع»، هكذا كانت إجابة والد الطالب خضر بشير – غيّرنا اسمه لدواعٍ أمنية – ردّاً على سؤالٍ وجّهه إليه ابنه: «يا أبوي، لو نجحت، وين حأقرا الجامعة؟». وخضر طالب بإحدى المدارس الثانوية بمدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، ويستعد للجلوس لامتحان الشهادة الثانوية بمدينته في يونيو المقبل، وفقاً لما وعدته به حكومة تأسيس. قال لمراسل «أتَـر»، إنه يَقف اليوم في مُفترق طرق لم يخطر بباله حينما كان يُراجع دروسه في أوائل عام 2023، مُمنّياً نفسه بامتحان هادئ للشهادة الثانوية يدلف عبره لدراسة الطب في إحدى الجامعات. ويشرح مشاعره اليوم بأنها ليست محض «قلق امتحانات معتاد»، إنما هي صراع وجودي بين الرغبة في التمسّك بفرصة للحياة، وبين الخوف من السير نحو سراب، وفقاً لما قال. وأضاف: «بعد ثلاث سنوات من الانتظار المرير، أرى في هذا الإعلان فرصةً لكسر حلقة البطالة الإجبارية. الامتحان بالنسبة لي هو استرداد لكرامتي باعتباري طالباً؛ وهو المحاولة الأخيرة لإثبات أن أحلامي لم تُدفن تحت أنقاض الحرب».
ها هو خضر بشير، الذي يجلس في زاوية من غرفته التي اخترقت شظيّةٌ سقفَها في العام 2023، يَنظر إلى إعلان «حكومة تأسيس» عن قيام امتحانات الشهادة الثانوية، ويده ترتجف وهي تمسح الغبار عن القلم «البيك» الأزرق الذي جفَّ حبره منذ أمد، وفي داخله، يثور بركانٌ من المشاعر المتناقضة. يصرخ قلبه بفرح طفولي: «أخيراً! سأخرج من سجن الانتظار». يتخيّل نفسه مرتدياً الزي المدرسي المكويّ، ويمسك بورقة الامتحان، ويشعر بذلك التوتر اللذيذ الذي يسبق توزيع أوراق الامتحان. كان الإعلان بالنسبة له بمثابة اعتراف بأنه ما زال «طالباً»، وليس محض «نازح» أو «ناجٍ» من الموت. ويصف خضر حاله لمراسل «أتَـر»، وهو يرى في خياله زميله «آدم» الذي هاجر إلى مصر وبدأ يدرس هناك، وزميله الآخر الذي حمل السلاح منخرطاً في قوات الدعم السريع؛ بأنه يشعر بأنه يقف في «المنطقة الرمادية»؛ يُذاكر لشهادة قد لا تفتح له باباً، لكنه لا يملك غيرها ليطرق به أبواب الغد. هكذا وصفها.
وقال خضر إنه يشعر الآن بأن الزمن الذي توقّف في 2023 قد بدأ يتحرّك أخيراً، لكن في المقابل، ينهشه سؤال «الشرعية»، قائلاً إنه يعلم أنّ الشهادة جواز مرور إلى العالم بقدر ما هي نجاح أكاديميّ. ورغم فرحه بالجلوس لامتحان الشهادة هذه، إلا أنّ كونها صادرة عن جهة غير معترف بها دولياً أو حتى وطنياً من قِبَل مؤسسات التعليم العالي القائمة داخل البلاد، يُشْعِرُه بأنه يبني بيتاً فوق رمال متحركة. وقال إن أشدَّ ما يُؤلمه هو علمه التامّ بأن المنح الخارجية تتطلَّب شهادة مُوثّقة من وزارتَي الخارجية والتعليم العالي المعترف بهما.
صناديق الامتحانات المنقسمة!
مدير إحدى المدارس الثانوية بمحلية المُجْلَد التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع بولاية غرب كردفان، نَفَى لمراسل «أتَـر» وجود أي استعداد للامتحانات بولايته، ونبّه إلى ظاهرة انخراط طلاب الشهادة الثانوية بولايته في «القوى المسلحة المحلية» أو الهجرة نحو حقول النفط ومناطق الذهب لتأمين دخل لأسرهم، ما قلَّص قاعدة الطلاب الجالسين للامتحان بشدة. وكشف عن أن ما يُقدَّر بأكثر من نصف الطلاب الذكور بمحليته هجروا صفوف الدراسة أو تكاسلوا عنها لغياب أفقٍ واضحٍ للامتحانات.
الطلاب الذكور عددهم قليل جداً، وكُنَّا في السابق نهتمُّ بتعليم البنات، ولكننا الآن نحتاج إلى مُبادرات لنُعيد الطلاب الذكور إلى قاعة الدرس.
وقال المدير في حديثه لمُراسل «أتَـر»، إنهم سمعوا بالامتحانات التي أعلنتها حكومة تأسيس من وسائل الإعلام، وقال: «هناك حديث عن قيام امتحانات في مناطق سيطرة تأسيس وحتى الآن -نهاية شهر مارس- لم يصل إلينا أمر رسمي مثل استمارة ش.ث.2، وسمعنا بأنهم قالوا سيرسلونها قريباً». وقال إنّ بعضاً من الطلاب مثل دفعات 2023 و2024 و2025، يدرسون الآن بالمدارس، على نحوٍ مُتقطّع، بسبب الحرب والنزوح وما يُخلِّفه من عدم استقرار. وكشف عن أنّ النسبة الأكبر من الدارسين حالياً بالمجلد هي من الإناث، وقال: «الطلاب الذكور عددهم قليل جداً، وكُنَّا في السابق نهتمُّ بتعليم البنات، ولكننا الآن نحتاج إلى مُبادرات لنُعيد الطلاب الذكور إلى قاعة الدرس».
وذكر مدير المدرسة الثانوية بالمجلد، أنّ عدداً كبيراً من المُعلِّمين هجروا المهنة، أو غادروا مناطق سيطرة تأسيس إلى مناطق أُخرى داخل السودان وخارجه، خوفاً مما سمَّاه بمُلاحقة المُعلّمين قانونياً بتهمة المشاركة في عمليات تعليمية غير رسمية مُستقبلاً.
وقال لمراسل «أتَـر»، إنّ المُعلّمين في مناطق سيطرة تأسيس قلَّة قليلة، مُعتبراً أنّ عملية الامتحانات فيها، تُعرِّض الكوادر التربوية لمخاطر أمنية وقانونية تمنعهم من ممارسة مهنتهم مستقبلاً. ويرى أن الشهادة السودانية تظلّ أكثر من محض اختبار أكاديمي؛ ويضيف: «إنها العَقد الاجتماعي الأخير الذي يربط وجدان السودانيين ومستقبل أبنائهم بوحدة الدولة». وعَدّ أن الإصرار على تسييس هذا الملف وتحويله إلى أداة لفرض السيادة، يُهدِّد بهدم معايير الجودة والاعتراف التي صمدت لعقود مثلما يُهدِّدُ بضياع سنوات من عمر الطلاب، على حدّ وصفه.
وشدَّد على أن المَخرج من هذا النفق المُظلم لا يمرُّ عبر صناديق الامتحانات المُنقسمة، إنما عبر منصّة وطنية تربوية مستقلة، تُحيِّد التعليم عن الصراع، وتضمن لكلّ طالب وطالبة، في نيالا وفي بورتسودان وفي مخيمات اللجوء، حقاً متساوياً في شهادة معترف بها قانونياً ودولياً.
وكشفت متابعات مراسل «أتَـر»، عن اهتمامٍ كبيرٍ بالامتحانات المقرر انعقادها في يونيو في إقليم دارفور، على عكس ما هو عليه الوضع في المناطق الواقعة تحت سيطرة تحالف تأسيس بإقليم كردفان. يقول أحد المصادر، ويعمل معلماً بإحدى مدارس إقليم كردفان، إنّ قضية الامتحانات تحوّلت إلى قضية سياسية، فطوال فترة سيطرة قوات الدعم السريع، لم يكن هناك أيّ دعم للتعليم، ولم تفتح المدارس أبوابها في أغلب مناطق سيطرتها. وينوّه المصدر الذي فضّل حجب اسمه، لمراسل «أتَـر»، إلى أنّ المدارس التي فتحت أبوابها، وظلّت تعمل بنحو مُتقطّع خلال ثلاث سنوات، يُصرَف عليها وتُموَّل بجهود ذاتية من أهالي المنطقة، أو بدعم مُباشر من منظمات مجتمع مدني محلية ودولية. ويرى في حديث تأسيس عن هذه الامتحانات قفزةً في المجهول، ومحاولة للهروب من استحقاقات العملية التعليمية، التي تأتي الامتحانات تتويجاً لها وليست غاية في حدّ ذاتها. وأضاف أنّ «الوضع الآن لا يسمح بعقد امتحانات، فالطلاب لم يَدرُسوا، والمدارس مُنهارة، والمعلّمون إما نازحون أو لاجئون أو تحوّلوا إلى مهن أخرى»، وزاد: «الأجدى هو البحث عن صيغة وطنية شاملة لعقد الامتحانات باتفاق سياسي، وبضمانات دولية».
مُعلّمون أم عمال يوميات!
يتفاقم سوء الأوضاع المعيشية التي تُلاحق المُعلّمين، فمن بقي منهم في مناطق سيطرة الجيش، يَصطلي بنيران التضخُّم وضعف الرواتب وأحياناً غيابها. أما من بقي منهم في مناطق سيطرة حكومة تأسيس، فقد فَرَضَ عليه الانقسام الحادّ بفعل الحرب وضعاً لا مفرّ من سكاكينه المُتناحرة.
تحدّث مراسل «أتَـر»، مع عدد من المعلمين بولاية جنوب دارفور، فضّلوا حجب أسمائهم لدواعٍ أمنية. يقول أحدهم إنه تعرَّض رفقة سبعة من زملائه للاعتقال مطلع مارس الماضي، بتهمة أنهم لا يزالون معلّمين يتقاضون راتباً من «حكومة بورتسودان»، بينما أضاف آخر أنه فور دخول المعلّم إلى المدرسة في مناطق سيطرة الدعم السريع وبدء التدريس، تُوقف الوزارة الاتحادية ببورتسودان راتبه وتفصله من العمل، وقد يعتقله جنود الدعم السريع بدورهم، بتهمة العمل مع حكومة بورتسودان!
ويَحكي مُعلِّم آخر، لمُراسل «أتَـر»، أنهم عقب تردّي أوضاعهم المعيشية بفعل الحرب، قرَّروا فتح المدارس في محلية بليل بجهد أهلي، رفقة عدد من المعلّمين، الذين يُحركهم الضمير والواجب، وكان قصدهم بهذه الخطوة ردم الفراغ الذي خلَّفته الحرب، وصقل المهارات الأكاديمية للطلاب؛ ولكي يَستطيعوا تسيير العمل فرضوا رسوماً دراسية قدرها 7000 جنيه تُدفع أسبوعياً، تُسخَّر في الخدمات المكتبية ودفع حوافز للمعلمين وإفطارهم. لكنه يتأسى كذلك لهذا الحال الذي وصل إليه المعلمون في محليته، فقد باتوا أشبه بعمال يوميات – بحسب وصفه – لعدم كفاية الحوافز التي تُقدَّم لهم.
شهادة تأسيس: هل من اعتراف؟
في مؤتمرها الصحفي الذي عقدته في 17 مارس المنصرم، أعلنت إدارة امتحانات المرحلة الثانوية، بوزارة التربية والتعليم التابعة للإدارة المدنية بولاية وسـط دارفور، انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية السودانية للعام 2026م، مطلع يونيو المُقبل، مع وجود مراكز للامتحانات في زالنجي ومدن محليات الولاية. ودعت الإدارة أسر الطلاب للإسراع في التسجيل للدفعات 2023، و2024، و2025 للاستفادة من هذه الفرصة.
وبحسب المنصّة الرقمية لأمانة حكومة ولاية وسط دارفور، التي تعمل تحت إدارة حكومة تحالف «تأسيس»، فإنّ إدارة الامتحانات أوضحت خلال إجابتها عن تساؤلات الصحفيين أن هنالك ضمانات لما بعد الامتحانات، كالاعتراف بالشهادة ودخول الجامعات، وتمكُّن الطلاب، في مثل هذه الظروف الحرجة، من الجلوس للامتحانات، وبأن هذه الشهادة ذات اعتراف دولي وتضمن دخول جامعات عالمية وإقليمية ستكون لها أفرع داخل السودان، مع تشييد مدن جامعية جديدة وتشغيل الجامعات المتوقفة.
وكشفت الوزارة التابعة لتحالف تأسيس، عن تحديات تَشمل تدهور البيئة التعليمية وانعدام الإجلاس ونقص الكادر المُؤهَّل، بَيْد أنها قالت إنه سيجري تجاوز تلك التحديات بتضافر الجهود الشعبية والرسمية.
وكشف مصدر مسؤول بوزارة التربية والتعليم، التابعة للإدارة المدنية بولاية وسط دارفور، لمراسل «أتَـر»، أنّ عملية الدراسة والامتحانات ستكون بالمنهج السوداني نفسه، قبل التعديلات التي أُجريت عليه أخيراً في مناطق سيطرة الجيش، ونوّه إلى أن نخبة من المعلمين على مستوى البلاد، ستُصِّحح الامتحانات وترصد النتيجة في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور.
وأكّد نائب رئيس لجنة الامتحانات التابعة لحكومة تأسيس، النذير عبدالله برام، في حديثه مع مراسل «أتَـر» عن اتجاهٍ لفتح الجامعات في مناطق سيطرتهم، وأنّ هناك جامعات في دول مثل كينيا وجنوب السودان ويوغندا، ودول بغرب أفريقيا أبدت رغبتها في استقبال الطلاب، وقال: «بمزيد من التنسيق والمُتابعة مع هذه الدول سوف نستطيع إيجاد مقاعد كثيرة لطلابنا»، وزاد: «هذه دول صديقة لحكومة السلام والوحدة».
جبال النوبة: من سيُمتحَن وكيف؟
في مناطق سيطرة الحركة الشعبية شمال جناح الحلو، بولاية جنوب كردفان، والمتحالفة مع قوات الدعم السريع في إطار تحالف تأسيس، قال مدير التعليم بجبال النوبة ونائب رئيس لجنة الامتحانات في مناطق سيطرة تحالف تأسيس، النذير عبدالله برام، لمراسل «أتَـر»، إنّ عملية حصر وتسجيل الطلاب للامتحانات بدأت فعلياً في الرابع من شهر مارس، وإنها سوف تستمر حتى السابع من أبريل، مُنوّهاً إلى وضع خُطَّة شاملة لتأمين أطقم المراقبة والتصحيح، وأشار إلى أنهم يستهدفون الطلاب منذ العام 2023، وحتى العام الحالي.
ولفت برام إلى أن هذه الامتحانات تستهدف جميع الطلاب في المناطق الواقعة تحت سيطرة تحالف تأسيس، ومنهم طلاب القرى والبوادي ومعسكرات النازحين واللاجئين، مشيراً إلى أنّ استمارات التسجيل ستصل إلى كلّ طالب يريد أن يجلس لهذه الامتحانات، وإن كان قد فاته التسجيل، فيمكنه الحضور قبل الامتحان بساعتين وإكمال التسجيل، ومن ثم الجلوس للامتحان.
وكشف برام، لمراسل «أتَـر»، أن الرسوم المُقرَّرة تبلغ 40 ألف جنيه للمدارس الحكومية و50 ألف جنيه للمدارس الخاصة، وجميع هذه الرسوم تُصرف في إجراءات الامتحانات داخل الولايات. وأضاف أن اللجنة الفنية وضعت خطة مالية لتنفيذ الامتحانات، ورفعتها إلى حكومة تأسيس في المستوى القومي للتمويل.
أكّد برام حصرَ جميع المُعلَّمين في مناطق سيطرتهم، وأنهم سيكونون أساس عملية الامتحانات؛ «فجميع مديري التعليم بالولايات ومديري المرحلة الثانوية، هم أعضاء في اللجنة الفنية الإشرافية لامتحانات الشهادة الثانوية» التي سيعقدونها في يونيو. وعن أوضاع الطلاب الذين فقدوا أوراقهم الثبوتية، قال برام، إنّ هنالك لجاناً في كلّ ولاية تقوم بعملية التقصّي والتحقّق من كلّ طالب فقَد وثائقه.
وينظر برام إلى خطوتهم باعتبارها «خطوة أخلاقية ومهنية في المقام الأول»، على حدّ وصفه، مُشدِّداً على أنّ هؤلاء الطلاب لهم الحقّ في الامتحانات والالتحاق بالجامعات داخل مناطق سيطرتهم وخارج السودان، معتبراً ذلك بمثابة «حقّ لا يسقط بالتقادم»، وقال: «هذه امتحانات تتوفَّر فيها أخلاقيات المهنة مع مراعاة النزاهة والسرية التامة».
وكشف برام عن أن الامتحانات ستُجرى بالمنهج القديم، ومنهج «السودان الجديد» في مناطق سيطرة حركته، وقال: «كلّ طالب سيجلس للامتحان بالمنهج الذي درَس به»، مُشيراً إلى أنّ نظام التعليم في مناطق سيطرة الحركة الشعبية شمال هو بالأساس مختلف من حيث المنهج ومن حيث التقويم، عما هو عليه في مناطق تأسيس الأخرى، لافتاً إلى أنهم يعملون على توفيق أوضاع الطلاب النازحين إلى مناطق سيطرتهم.
وقال برام إنّ الامتحان لن يكون موحّداً، كاشفاً عن جلوس الطلاب في مناطق سيطرة حركته لامتحان الشهادة الثانوية قبل شهر من الآن، وأنهم ينتظرون النتائج، مشيراً إلى أن الطلاب الذين سيجلسون للامتحانات في يونيو القادم هم الطلاب الذين نزحوا إلى مناطق سيطرتهم من كادُقلي والدلنج.
خطوة سياسية أم ضرورة تعليمية؟
يُبيّن حافظ، لمراسل «أتَـر»، أنّ من أكثر التحديات التي تواجههم، هي رواتب وحوافز المعلمين، إذ يؤكّد أنه لثلاث سنوات ظلّ المعلمون في جنوب دارفور يعملون تطوّعاً بلا رواتب، وأكّد أنهم يعملون مع حكومة تأسيس والمنظمات لمُعالجة المشكلة.
يقول الأستاذ حافظ عمر، رئيس اللجنة الفنية للامتحانات، ووزير التربية والتعليم بالإدارة المدنية في ولاية جنوب دارفور، لـ«أتَـر»، إنهم بدأوا افتتاح المدارس وتجميع الطلاب بعد استيلاء الدعم السريع على الفرقة 16 مشاة بنيالا في أكتوبر 2023، وواجَهوا في الوزارة بعض التحديات، منها القصف بالطيران، لكنهم استطاعوا إقناع أولياء أمور الطلاب بضرورة التعليم والتسجيل للمدارس.
ويقول حافظ: «وفق قناعتنا، إذا أردنا أن نبني دولة مدنية سيكون ذلك بالتعليم، لذلك أصرَرْنا على ضرورة فتح المدارس، وأن يكون أطفالنا داخل قاعات الدراسة بدلاً عن أن يكونوا في الشوارع عرضةً لمُروّجي المخدرات».
يُخبر حافظ أنهم نجحوا في العام 2024، في عقد امتحانات طلاب المرحلة المتوسطة، وبلغ عدد الذين جلسوا حينها حوالي 2470 طالباً، بسبب اقتناع كثير من أولياء الأمور بتسجيل أبنائهم في المدارس -بحسب قوله -، ما مكَّنهم من فتح مدارس في 14 محلية من جملة 21 محلية، ما زاد عدد الطلاب الجالسين لامتحاني الشهادة الابتدائية والمتوسطة، في العام 2025، لما يُقارب 7600 طالب.
وعن العام الدراسي 2025-2026، يُخبر حافظ بأنّ عدد المدارس التي تَعمل حالياً بجميع محليات ولاية جنوب دارفور، يَبلغ أكثر من 200 مدرسة. وبلغ عدد المسجّلين لامتحاني الشهادة الابتدائية والمتوسطة أكثر من 24 ألف طالب، سيَجلسون للامتحانات في الرابع من أبريل الجاري.
ويُبيّن حافظ، لمراسل «أتَـر»، أنّ من أكثر التحديات التي تواجههم، هي رواتب وحوافز المعلمين، إذ يؤكّد أنه لثلاث سنوات ظلّ المعلمون في جنوب دارفور يعملون تطوّعاً بلا رواتب، وأكّد أنهم يعملون مع حكومة تأسيس والمنظمات لمُعالجة المشكلة.
وقال حافظ إنه فور إعلان عقد الامتحان وفتح المدارس، أوقفت الحكومة في بورتسودان رواتب المعلمين، معتبراً ذلك «جريمة كبيرة تتسبّب في تعطل الخدمة المدنية، يجب المحاسبة عليها، فالمعلّمون يقومون بواجبهم ودَورهم، وعلى الوزارة في بورتسودان أن تؤدّي واجبها كذلك» – بحسب قوله. وأضاف أنه لا يجب أن يُسيَّس التعليم وأنّ الحرب لا تُوقف الحقّ في التعليم.
وفقاً لحافظ، فإن عدد الطلاب المسجّلين لامتحانات العام 2023، قبل اندلاع الحرب، في ولاية جنوب دارفور، كان 35866 طالباً، بينهم 21 ألف طالبة، وقد تتالى حرمان هؤلاء من الامتحانات لمدة ثلاث سنوات. ويقرّ حافظ بغياب إحصاءات لعدد الطلاب والطالبات المؤهّلين لامتحانات الشهادة في 2024 و2025، إذ نزح عدد كبير منهم، واتجه آخرون للعمل في مناطق التعدين والأسواق وأعمال أخرى، بينما يقول إن عدد المعلمين في ولاية جنوب دارفور، يبلغ حوالي 6 آلاف معلم.
ويؤكّد حافظ أنهم أكملوا استعداداتهم لإنجاح امتحانات الشهادة الثانوية في يونيو المقبل، وأنّ الجميع متعاونون في سبيل ذلك، من معلمين وأولياء أمور وتلاميذ وحكومة تأسيس، وأنهم بصدد فتح الجامعات في مناطق سيطرتهم، فضلاً عن فرص ستُوفّرها الدول الصديقة والمُحِبَّة للسلام كما سمّاها حافظ، التي أعربت عن عزمها تقديم منح دراسية للطلاب للالتحاق بجامعاتها.
طلاب في تشاد ومعلّمون بلا رواتب
وفي ولاية غرب دارفور، قالت وزيرة التربية والتعليم، التابعة لتحالف تأسيس، ليلى جاد الرب، لمراسل «أتَـر»، إنّ عدد الطلاب والطالبات، المُسجَّلين لامتحانات الشهادة السودانية بالولاية، يبلغ 2523 طالباً وطالبة. ونوّهَتْ إلى أن عدداً كبيراً من طلاب الولاية نازحون حالياً في دولة تشاد، وأنهم يدرسون في هذا الوقت تمهيداً لجلوسهم للامتحانات هناك، بمساعدة منظمات دولية، وأشارت إلى أنّ المعلّمين الذين يدرّسونهم هم معلمون سودانيون، وقالت إنهم من سيقومون بأعمال المراقبة للامتحانات.
وفي داخل الولاية، أشارت جاد الرب إلى أنّ عدد المعلمين المسجَّلين بالوزارة حالياً يبلغ 52 معلماً ومعلمة فقط، وباقي الذين يعملون هم من المعاشيين والمتعاونين، ويجري تدريبهم على كيفية العمل في مراقبة وتصحيح الامتحانات. وقالت إنّ عدداً من الطلاب قد تمكّنوا من الالتحاق بمدارس تشادية، وأنهم امتُحنوا لنهاية المرحلة الثانوية في المدارس التشادية، لكنّ عددهم قليل، بسبب الرسوم المرتفعة والتكاليف الباهظة للدراسة في تشاد، وفصّلت قائلةً: «حين تريد أن تدرس بمدرسة تشادية تُطالَب بشهادة مؤهّل، وتدفع مقابلها 9 فرنكات تشادية، وهو ما يعادل 27 ألف جنيه سوداني» وزادت: «هذه تكاليف لا يتوافر عليها نازح».
وكشفت جاد الرب عن خروج محليتين من محليات الولاية الثماني، من دائرة الامتحانات لهذا العام، وقالت إنّ محلية سربا لا توجد بها مدرسة ثانوية تعمل منذ بداية الحرب وحتى الآن، لغياب الطلاب، ولفتت إلى أن أغلب طلاب المرحلة الثانوية فيها لجأوا إلى شرق تشاد، بعد تعرُّضهم لهجمات واسعة النطاق، والمحلية الثانية هي محلية هبيلا، التي كشفت الوزيرة عن توقف الدراسة بها لرفض المعلمين تدريس الطلاب منذ نهاية نوفمبر من العام الماضي، وذلك لانعدام الرواتب، وأشارت إلى أنّ إحدى المنظمات، كانت تدفع رواتب المعلّمين، لكنها توقفت في نوفمبر من العام الماضي، وقالت إن مُعلّمي المحلية رفضوا استئناف العملية التعليمية، رغم الجهود التي بُذلت معهم – على حدّ قولها. وقالت إنّ الطلاب السودانيين المقيمين بمخيمات اللجوء بدولة تشاد، تتعهّد بتعليمهم المنظمات الإنسانية الدولية، وتقدِّم لهم جميع الخدمات وتدفع رواتب المعلمين.
وكشفت عن قيام لجنة من تحالف تأسيس بزيارات لسبع عشرة دولة بشرق ووسط وغرب أفريقيا، بهدف التوافق على التحاق طلاب الشهادة المُمتَحنين في مناطق سيطرة حكومة تأسيس بجامعاتها، وأنهم تلقوا تعهّدات والتزامات من تلك الدول باستقبال الطلاب وتقديم مِنح مجانية.



