1
برز التعليم بوصفه إحدى ساحات الصراع السياسي أثناء الحرب الجارية في السودان، حين قرّرت حكومة الأمر الواقع من عاصمتها الإدارية المُؤقّتة في بورتسودان عقدَ امتحانات الشهادة السودانية لدفعة العام الدراسي 2023 المؤجَّلة، وذلك في ديسمبر 2024. وقد سبقت انعقادَ الامتحانات ومعظم الإجراءات الروتينية المُصاحبة لها، من طباعة الامتحانات وتجهيز المراكز وغرف الكُنترول، حملةٌ إعلاميةٌ واسعةٌ ومُكثّفةٌ انطلقت قبل ذلك بمدَّة طويلة.
ولا شكّ أن قيام الامتحانات أمرٌ محمودٌ في ذاته؛ فجُلوس الطلاب للامتحانات للمرَّة الثانية منذ اندلاع الحرب يُعدُّ مكسباً مُهمَّاً بالحسابات السياسية الوطنية والتربوية على حدٍّ سواء. ذلك أن الكلفة الباهظة، مُتوسِّطة وبعيدة المدى، لتسرّب الطلاب من المدارس، أو عدم التحاقهم بها من الأساس، تكاد تكون مستحيلة التعويض بأي شكل. وفي السودان، تُعدّ أزمة التسرّب والأطفال غير الملتحقين بالمدارس قضية مُزمِنةً ومُؤرِّقة، إذ سجّل السودان حتى قبل الحرب، أحد أعلى معدلات التسرُّب ونِسَب الأطفال غير المُلتحقين بالمدارس في العالم، لا سيما في المناطق الريفية والأطراف ووسط الأسر الفقيرة. ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإنّ ما يقرب من 6.9 مليون طفل -أي نحو ثلث الأطفال في سنّ الدراسة- لا يَذهبون إلى المدارس في السودان، بينما يعاني عدد أكبر من أولئك الذين التحقوا بها سابقاً من انقطاع مُتكرّر في سنوات دراستهم. من هنا، فإن الاحتفاء بإقامة الامتحانات في ظرف بالغ الخطورة والتعقيد كهذا، هو احتفاء مستحَقٌّ دون جدال.
مع ذلك، تُظهِر إحصائيات التسرّب والأطفال غير المُلتحقين بالمدارس ما قبل الحرب حقيقةً واضحةً وصريحة: أنّ إقامة الامتحانات لم تكن مدفوعة في الأساس بالخشية من آثار تفشّي التسرّب أو الأمية، ولا يبدو أن هذه القضايا كانت حاضرة في تصوّرات القيادة السياسية وهي تُقْدِم على هذه الخطوة. والدليل أنّ هذه السُّلطة هي ذاتها التي تولّت الحكم منذ عام 2019، لو أنّ هذه الأرقام كانت تؤرّقها فعلاً، لبادرت إلى معالجتها قبل اندلاع الحرب، وهو ما لم يَحدث.
أما الأرقام التي برَزَتْ بعد الحرب فهي مُزلْزلة وتنذر بعواقب كارثية. بحسب دراسة حديثة بعنوان «دراسة حالة: الوضع التعليمي الراهن في السودان» للباحثين ريبيكا قليد وأحمد البشير، صادرة عن مركز دعم أبحاث التعليم في حالات النزاع والأزمات الممتدة، فإنّ من أصل 12.5 مليون طفل كانوا مسجّلين في عام 2023، لم يتمكّن 10.5 مليون طفل من العودة إلى المدارس بحلول أوائل عام 2025. ولم تفتح سوى 33% من المدارس أبوابها، بينما التحق 3 ملايين طفل فقط بالمدارس من أصل 17 مليوناً في سنّ الدراسة، وهو ما ترك 14 مليون طفل بلا أي إمكان للوصول إلى التعليم.
2
ترافقت هذه الأزمة مع جدل كثيف حول تشكيل «حكومة تأسيس»، المُناصِرَة للطرف الآخر في هذه الحرب؛ قوات الدعم السريع. وليس خافياً أن الهدف الأساسي من تشكيل هذه الحكومة هو مُنازعة شرعية الدولة ومؤسساتها، وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية.
بدأت هذه المعركة الدستورية -وهي في جوهرها معركة سياسية كسائر المعارك، بما فيها الحرب- عندما أعلنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها، من العاصمة الكينية نيروبي في 22 فبراير 2025، توقيع وثيقة لتأسيس حكومة موازية، في خطوة تصعيدية تهدف إلى تحدي شرعية الدولة القائمة. لكن الردّ جاء سريعاً من الحكومة السودانية، التي أعلنت عبر وكالة السودان للأنباء (سونا) في 23 فبراير 2025 عن إدخال تعديلات على الوثيقة الدستورية، وهي التعديلات التي أجريت بالفعل قبل أسبوع من إعلان وثيقة الحكومة الموازية ونُشرت بالجريدة الرسمية سلفاً، أي في 15 فبراير 2025، ما يعزّز تصوراً بأنّ إعلان التعديلات كان غرضه الأساسي الرد على توقيع وثيقة تأسيس. وكان أول ما أعلنه وزير العدل، محمد عثمان، هو حذف اسم قوات الدعم السريع وقوى الحرية والتغيير من الوثيقة الدستورية، في إظهار لرفض الحكومة منح أي شرعية لكيان موازٍ قبل حتى أن يرى النور.
جاء هذا التطور في ظلّ التقدم الميداني الذي أحرزته القوات المسلحة السودانية منذ أواخر العام 2024 في مقابل تقهقر قوات الدعم السريع، ليضيف إلى النزاع على الشرعية ساحةً جديدةً للمواجهة، لكن هذه المرة عبر أدوات القانون والدستور.
وليست هذه المعركة الأولى في منازعة الشرعية، لكنها الأبرز باستخدام أدوات السياسة المباشرة والناعمة، والأكثر وضوحاً حتى الآن. وقد سبقتها جبهات عديدة ومتنوّعة للنزاع على الشرعية، والحرب ذاتها هي أمُّ المعارك للنزاع على الشرعية. غير أن ثمة معارك أخرى أقل صخباً، خفية أو مستترة، وربما ملتبسة في أفضل الأحوال. ومن بين أكثرها تخفّياً تأتي جبهة التعليم.
3
انفتحت جبهة الصراع حول التعليم فعلياً عندما عارضت قوات الدعم السريع وتحالف «تقدّم» (تحالف نشأ بعد الحرب أسّسته قوى الحرية والتغيير «المركزي» مع أطراف أخرى، ثم انشطر لاحقاً إلى تحالف «تأسيس» وتحالف «صمود») انعقاد امتحانات الشهادة السودانية، بحجّة أنّ الطلاب في مناطق سيطرة الدعم السريع محرومون من حقّهم في المشاركة. ووفقاً لتصريح وزير التربية والتعليم آنذاك، في يناير 2025، فقد سجّل للامتحانات نحو 350 ألف طالب من أصل 513 ألفاً. لكن 250 ألفاً فقط تمكّنوا من الجلوس فعلياً، ما يعني حرمان قرابة 263 ألف طالب من أداء الامتحانات، أكثر من نصفهم –بحسب صحيفة الشرق الأوسط- كانوا يقيمون في مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع وقتها. ومع بدء الامتحانات، هدّد بعض مُقاتلي الدعم السريع باستهداف مراكز الامتحانات باعتبارها جزءاً من المعركة، رغم أن قيادتهم أعلنت -وفق صحيفة سودان تربيون- عن تدابير لحماية حقوق الطلاب حتى في المناطق التي لا توجد فيها مراكز امتحانات.
في يناير 2024، ومع توسّع رقعة سيطرتها، دخلت قوات الدعم السريع على جبهة التعليم لأول مرة، حين وقّعت مع تحالف «تقدّم» إعلان مبادئ في أديس أبابا. ومن خلال هذا الإعلان، حاولت استثمار بندٍ ينصّ على «تشكيل إدارات مدنية، بتوافق أهل المناطق المتأثرة بالحرب، تتولَّى مَهمَّة ضمان عودة الحياة إلى طبيعتها وتوفير الاحتياجات الأساسية للمدنيين»، وركّزت دعايتها السياسية على أنّ الإعلان يستهدف أساساً تحسين أوضاع المواطنين في مناطق سيطرتها، بما في ذلك قضية التعليم، وبخاصة الطلاب الذين حُرموا من امتحانات دفعة 2023. لكن ما تكشّف لاحقاً هو أن قوات الدعم السريع منعت فعلياً الطلاب في مناطقها من السفر إلى الولايات الآمنة للمشاركة في الامتحانات التي نظّمتها وزارة التربية والتعليم من بورتسودان، وهو ما يناقض المزاعم التي روّجت لها حول أنّ إعلان أديس أبابا جاء لمُعالجة قضايا الناس ومنهم الطلاب. هكذا يتّضح أن التعليم لم يكن بالنسبة للدعم السريع سوى ورقة سياسية في صراع الشرعية. والإعلان الذي رُوّج له ليكون إطاراً لخدمة المواطنين تحوّل في الواقع إلى أداة دعائية، بينما استمرت القيود والانتهاكات على الأرض. اللافت أيضاً أنّ تحالف «تقدّم» لم يُبدِ حينها الحماس نفسه في انتقاد حميدتي وقواته كما فعل مراراً مع الجيش في هذا السياق، إنما ظلّ يُغدق الإشادة على حضور حميدتي وتوقيعه على إعلان أديس، الذي خرقته قواته مراراً وتكراراً، في مُفارقة تكشف ازدواجية المعايير.
وفي مطلع أغسطس 2025، خرج أحد قيادات تحالف «تقدُّم»، وهو الدكتور النور حمد – المثقّف الذي اشتُهر بخطابه المناهض لـ «العقل الرعوي»، وانتهى به المطاف أخيراً إلى أن يكون أحد أبرز دعاة العقل الرعوي ذاته بعد انضمامه إلى تحالف «تأسيس» – عبر بودكاست «الطريق 18» ليؤكّد الفكرة ذاتها. قال إنّ مشروعية تشكيل حكومة في نيالا عبر «تحالف تأسيس» تأتي من محاولة سدِّ الفراغ الخدمي في إقليم دارفور، حيث تسيطر قوات الدعم السريع، مُشيراً على وجه التحديد إلى التعليم وإلى قضية امتحانات الشهادة السودانية. ولم ينسَ أن يُضيف أن أحد أهداف تشكيل تلك الحكومة هو «استرداد الشرعية المسروقة»، بحسب تعبيره.
وعلى الرغم من أن الطرفين -الحكومة السودانية والدعم السريع- مدفوعان بهذا الهاجس، «هاجس الشرعية»، بدرجة أو بأخرى، إلا أنّ الفرق بينهما ليس فرق مقدار إنما فرق نوع. لقد سيطرت الدعم السريع في إحدى لحظات الحرب على ما يقارب ثلثي البلاد، وأنشأت بالفعل إدارات مدنية خرجت من معطف إعلان أديس أبابا، لكن نتيجة ذلك كله لم تكن سوى مزيدٍ من الانتهاكات والفوضى. أما حكومة الأمر الواقع في بورتسودان فقد نجحت فعلياً في عقد امتحانات الشهادة السودانية داخل البلاد وخارجها لمرتين مُتتاليتَيْن، وهو ما يَعكس اختلافاً جوهرياً في المُمارسة.
4
دخل مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور المقيم في بورتسودان، والمتحالف مع القوات المسلحة السودانية، على جبهة التعليم عندما أعلن عن إطلاق الحكومة السودانية منصّة «كلاسيرا» للتعليم الذكي، مؤكّداً أنها ستُلبّي احتياجات الطلاب في الإقليم الذي تخضع ولاياته لسيطرة قوات الدعم السريع. وجاء الإعلان عبر بيان نشره مناوي على صفحته الرسمية في فيسبوك يوم 18 فبراير 2025، أي بعد يوم واحد فقط من إعلان الدعم السريع وحلفائها نيّتهم عقد مؤتمر لتشكيل تحالف يَسعى إلى إقامة حكومة مُوازية مقرّها نيالا، تعمل على إحلال السلام وتقديم الخدمات، بما فيها التعليم، ما يوحي بأن هذا الإعلان يأتي في سياق نزع أيِّ شرعية من وثيقة تأسيس.
ورغم التأكيدات الرسمية على أن المنصة ستُغطي مرحلتي التعليم العام والعالي، أبدى مصدر بوزارة التربية والتعليم شكوكاً حيال ذلك، مشيراً إلى أن «كلاسيرا» مُخصَّصة للتعليم العالي فقط. كما أوضح أن منصة «Sudan Learning Passport»، التي أطلقتها منظمة اليونيسف بالتعاون مع الوزارة خلال جائحة كورونا، ما زالت فعّالة ويمكنها أن توفر خدماتها للطلاب. فما الحاجة إذاً إلى منصة جديدة؟ يكاد لا يوجد تفسير أرجح من كونها محاولة سياسية لتعزيز شرعية مناوي على الإقليم، وترسيخ حضور حكومة الأمر الواقع في الدولة. وكأن الرسالة هي: حتى إنْ عجزنا عن الوصول المادي إلى الطلاب الذين تُحاصرهم قوات الدعم السريع داخل مناطق سيطرتها في دارفور، فإننا قادرون على الوصول إليهم رقمياً عبر هذه المنصة، لنؤكد أننا نمثل الشرعية، وننزعها في المقابل من الدعم السريع وتحالف تأسيس الذين لم يقدّموا خدمات تعليمية ملموسة حتى الآن.
بذلك يتّضح أن الصراع حول التعليم في زمن الحرب، لم يكن محض نزاع حول تقديم الخدمات، إنما كان بالأساس ساحة من ساحات المنازعة على الشرعية. ومع ذلك، تبقى الشرعية الأكثر رسوخاً، وإن كانت منقوصة، في يد القوات المسلحة السودانية ومؤسّسات الدولة المُتمركزة في بورتسودان، والتي بدأت تدريجياً تُعيد بناء حضورها في العاصمة الفعلية الخرطوم.
5
لفهم هذا كلّه لا بدّ من العودة إلى الجذور. تاريخياً، منذ بداية الحكم الثنائي في السودان عام 1899 وحتى اندلاع الحرب في أبريل 2023، ظلّ مسار التعليم العام محكوماً بعوامل تاريخية وسياسية واجتماعية رسّخت تفاوتاً واضحاً، على وجه الخصوص بين المراكز الحضرية والمناطق الريفية من جهة، وبين الطبقات الأغنى والطبقات الأفقر من جهة أخرى. في العهد الاستعماري (1899–1956)، فتَحَ الاستعمار المدارس أولاً في الخرطوم والمديريات الشمالية، مع تهميش مُتعمَّد لجميع مناطق نفوذ أنصار الثورة المهدية (صديق أمبده. قلم التعليم وبَلم المتعلّمين: مقالات في التعليم والتنمية. ط 1. السودان: مدارك، 2017. ص 67). تجدر الإشارة هنا كما يذكر دكتور صديق أمبده في المرجع السابق إلى أنّ دارفور لم يجرِ إخضاعُها وضمُّها إلى بقية أقاليم السودان إلا في عام 1916، وأنّ الجنوب لم يجر البتّ في أمر بقائه جزءاً من السودان أو انضمامه إلى يوغندا إلا في حوالي 1946، وهذه الحقائق التاريخية من بين أخرى، هي التي شكّلت التوزيع الجغرافي لوصول الطلاب إلى التعليم العام والعالي على حدٍّ سواء، فضلاً عن كونها وَضَعت الأساس لتعميق التفاوتات التي نشهدها اليوم.
بعد الاستقلال عام 1956 وحتى أواخر الثمانينيات، توسّع نطاق التعليم ببطء، لكنّ الفجوة بين المركز والأطراف ظلّت واسعة، إذ إنّ المراكز الحضرية مثل الخرطوم بقيت في وضع متقدّم، بينما عانت المناطق الريفية من ضعف الإمداد المدرسي وبُعد المسافات. ورغم التوسّع في قطاع التعليم في عهد الإنقاذ، فإنّ الرسوم المدرسية والمساهمات الأسرية والنمو السكاني السريع استمرَّت في حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من التعليم، بخاصة في المناطق الريفية ووسط أطفال الأسر الأفقر. وفي العقد الثاني من الألفية، أي بعد اتفاقية نيفاشا، شهدت البلاد بعض التحسّن في نسب الالتحاق بالتعليم الأساسي، غير أن هذا التحسّن كان غير متكافئ، إذ أظهرت المؤشرات استمرار ضعف البقاء حتى الصف الثامن، إلى جانب فجوات كبيرة بين الحضر والريف، وكذلك بين الشرائح الغنية والفقيرة.
يَقع هذا السوء كله برغم الوعود المبذولة والشعارات المرفوعة تاريخياً من قبل غالب التيارات السياسية بتحسين وضع التعليم متى بلغوا السلطة، وهو ما لم يحدث على الإطلاق. وظلّ التعليم على الدوام جبهةً للصراع غرضها الوصول إلى السلطة.
يُشير تحليل قطاعي، قامت به وزارة التربية والتعليم الاتحادية بالتعاون مع منظمة الشراكة العالمية من أجل التعليم، ويغطي غالبية العقدين المتأخّرين من عمر نظام الإنقاذ، إلى فجوة تصاعدية ما بين الحضر والريف نُلاحظها كلما تقدّمنا في مراحل التعليم، ففي العادة من المُرجَّح ألا يَلتحق 3% من الأطفال في المراكز الحضرية بالمدرسة، مقارنةً بـ 11% في المناطق الريفية. وبحلول نهاية التعليم الأساسي، يُحتمل أن يُكمل 8 من كلّ 10 طلاب في المراكز الحضرية الصف الثامن. أما في المناطق الريفية، فلا يتمكّن سوى نصف الأطفال الذين يلتحقون بالمدرسة من إكمال تعليمهم الأساسي. وفي المرحلة الثانوية، يتضاعف الفارق كثيراً، حيث تزيد احتمالية التحاق الأطفال من المراكز الحضرية بالمدارس الثانوية بأكثر من ضعفي احتمالية التحاق الأطفال من المناطق الريفية. وبالنسبة لإتمام التعليم الثانوي، تقلُّ احتمالية إكمال الأطفال في المناطق الريفية للتعليم الثانوي بستّ مرات مقارنةً بأقرانهم في المراكز الحضرية.
من جانب آخر، فإن فجوة الوصول إلى التعليم ما بين الفقراء والأغنياء كبيرة. وبهذا يمكنُ الزعم أن نظام التعليم العام في السودان مُخصَّص لأطفال الأسر الأشد ثراءً وقلة من أطفال الطبقة الوسطى، بخاصة المراحل التعليمية المُتقدّمة مثل الصف الثامن والمرحلة الثانوية، من حيث نسب الوصول والاستكمال؛ إذ إنّ الأطفال الفقراء يواجهون وصولاً محدوداً إلى التعليم في جميع المراحل، ولا يُتوقع أن يكون أكثر من طفلين فقط من بين كلّ 100 في الصف النهائي من المرحلة الثانوية مُسجّلين فعلياً. أما في الصف الأول، فإن معدّلات الالتحاق مُرتفعة نسبياً عبر مُختلف الفئات الاجتماعية-الاقتصادية، مع وجود فارق كبير بين أطفال الأسر الأشدّ فقراً وأطفال الأسر الأشد ثراءً. ومن المرجّح كما تشير بيانات وزارة التربية والتعليم الاتحادية، أن 2 من كل 10 أطفال من الأسر الأشدّ فقراً، لن يتمكّنوا من دخول المدرسة، بينما جميع الأطفال تقريباً في الفئة الأغنى من السكان يُرجَّح أن يلتحقوا بالمدرسة. وفي حين أنّ طفلاً واحداً فقط من بين كل 3 أطفال من الأسر الأشد فقراً يُتوقع أن يُكمل التعليم الأساسي، فإن أكثر من 90% من أطفال الأسر الأشد ثراءً سيكملون هذا المستوى بلا ريب.
أما في المرحلة الثانوية، فالفجوة كارثية. يُتوقّع أن يصل أقل من 10% من أطفال الأسر الأشد فقراً إلى الصف التاسع، مقارنةً بثلاثة أرباع أطفال الفئة الأغنى. وبعبارة أخرى، فإن أطفال الأسر الأشد ثراءً هم أكثر احتمالاً بثماني مرات للحصول على تعليم ثانوي، مقارنةً بأطفال الأسر الفقيرة. والواقع أنّ الوصول إلى التعليم الثانوي ضعيف في الشرائح الثلاث الأولى من السكان (تحليل الوزارة القطاعي هذا قسَّم أسر الأطفال في مرحلة التعليم، من حيث مستوى الدخل إلى خمسة أخماس/فئات). وحتى في الطبقة الوسطى، فإنّ طفلاً واحداً فقط من بين كل أربعة أطفال يُتوقع أن يلتحق بالمدرسة الثانوية. ومن بين كل مائة طفل من الأسر الأشد فقراً يُتوقع وصولهم إلى الصف النهائي من التعليم العام، لا يُسجَّل فعلياً سوى طفلين فقط، مقابل قرابة ثلثي الأطفال من الأسر الأشد ثراءً. وهذا يعني أنّ أطفال الأسر الأشد ثراءً أكثر احتمالاً بـ 30 مرة أن يكونوا في الصف النهائي من التعليم العام مقارنةً بأطفال الأسر الفقيرة، وأكثر احتمالاً بـ 20 مرة أن يُكملوا المرحلة الثانوية مقارنةً بالفئة الثانية من حيث الفقر. بالطبع حينما نسترجع حقيقة أن هذه الإحصائيات صادرة عن وزارة التعليم الاتحادية، ونتذكر أنها على الأرجح أرقام شديدة التحفّظ، نَخلُص إلى أن الوضع أسوأ مما نتخيّل.
وفي عشية الحرب في أبريل 2023، كان السودان يُواجه بالفعل أزمة تعليمية عميقة، إذ قدّرت اليونيسف عدد الأطفال خارج المدرسة بنحو ما يقارب 7 ملايين طفل، معظمهم في الولايات الطرفية والأشدّ تأثراً بالحرب مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق (أقول الأشد تأثراً، ذلك أن غالب أقاليم السودان، بما في ذلك الخرطوم قد اختبرت الحرب مرة واحدة على أقل تقدير قبل حرب أبريل 2023). وبذلك يمكن القول إنّ تاريخ التعليم العام في السودان من الاستعمار وحتى ما قبل حرب أبريل، يعكس مساراً متكرّراً من التوسّع المحدود، مع حدة متصاعدة في تفاوتات الوصول إلى التعليم بين الحضر والريف وعلى نحو أشدّ حدة عند المقارنة ما بين الطبقات الأكثر غنىً وتلك الأشد فقراً.
6
ربما تكشف لنا جميعُ هذه الوقائع والأرقام النقابَ عن جزء من الطبيعة العنيفة في تناول مسألة التعليم بوصفه شعاراً وسلّماً للصعود إلى السلطة. وربما سيَكون من الجيد لو تأمّلنا الدرس الأخير الذي يقدّمه لنا شهيد ثورة ديسمبر 2018 الأستاذ «أحمد الخير» المُعلّم والنقابي والثائر الذي قُتل في معتقلات النظام السابق عام 2019، والخطابات التي تشكّلت حوله، ليس بوصفه أستاذاً فقط، ولا بصفته النقابية، بل والأهم بصفته سياسي إسلامي أيضاً.
لقد تحوَّلَ الرجل بعد مقتله إلى سلعة سياسية متنازَع عليها: الإسلاميون من جانب، يرغبون في شهادته ليطعنوا في حقيقة أن ثورة ديسمبر خرجت بالأساس ضدهم وضد مشروعهم القائم، وأرادوا شهادته دون تحمّل دمه المسفوك ببشاعة بأياديهم. الإسلاميون أرادوا إسلامية أحمد الخير ولا غيرها. أما الحكام الجدد وقتذاك من تحالف قوى الحرية والتغيير، من جانب آخر، فقد أرادوا من أحمد الخير في مقتلته لا شهادته، بقدر ما أرادوا الحفاظ على سردية «من قتل الخير بتلك البشاعة؟». لكن بالنسبة لهذا التحالف الحاكم، لا يهم ما هو أبعد من ذلك. المهم هو الحفاظ فقط على تلك السردية، لا أكثر ولا أقل. إنهم يريدون هذا دون كونه إسلامياً.
لكن لا أحد من الطرفين -وهم يمثلون غالب النخب السياسية السودانية- يهتم لمآثر الشهيد أحمد الخير، بصفته معلّماً ونقابياً مناضلاً في ميادين التعليم. والمُخزي، أنه حتى تلك التنظيمات النقابية، التي ينتمي إليها الخير، لا برباط الهُوية الهشّ، إنما برباط الموقع المادي بحكم مهنته، بالكاد تُذيع من صيته. ولن تجد عندها ترسيخاً للرجل رمزاً ضمن فئتها. إنما هي بيانات مُبتسرة هنا وهناك، ثم يخبو كلّ بيان وينحسر.
هذا النوع من تجارة التجزئة بلغة الحداثيين، يُمثّل أحد أشكال العنف التي ترغب في الآخَر بلا آخَريته other without otherness في تعبير سلافوي جيجك لما يُسمّيه «مجتمع ضد المخاطرة de-caf society». وهي حالة مُشابهة، وربما امتدادٌ لفلسفة المستعمر حول التعليم في بلادنا، أو ما سَمَّاه بروفيسور عبد الله علي إبراهيم «عقيدة إلجام العوام» (عبد الله علي إبراهيم. بخت الرضا: الاستعمار والتعليم. ط 2. السودان: هيئة الخرطوم للصحافة والنشر، 2013. ص 21-39)؛ فالمستعمر يُريد أبناءنا صفحة بيضاء خاليةً من معارف أهاليهم ولسانهم وثقافتهم؛ صفحة بيضاء ليكتب هو عليها بمداد حضارة عبء الرجل الأبيض (يريده آخرَ بلا آخَريته).
لذلك، نُلاحظ أنّ الغالبية من الخطابات السياسية حول التعليم عندنا ظلّت، تاريخياً وإلى يوم الناس هذا، ترفع التعليم على أسنَّة الرماح متى كان ذلك في مَصلحتها، لكنّ الأرقام تَظهر أنها سرعان ما تتخلّى عن هذا الشعار متى كان الأمر في غير مصلحتها، وهو ما قد يفسّر حضور التعليم أثناء حرب أبريل 2023 الجارية في السودان بوصفه جبهةً أُخرى للقتال. لذا، وبعبارة التراث البليغة، يُمكننا القول إن التعليم قد ظلّ بالنسبة للغالب من النخب السياسية (من العسكريين والمدنيين) محضَ تلويحةٍ أٌخرى بـ«قميص عثمان». لا أكثر ولا أقل.



