قيسان: نازحون مشرّدون في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد
مراسل أتر
كشف سكّان بمدينة قيسان، حاضرة محافظة قيسان الحدودية بإقليم النيل الأزرق، الواقعة بجنوب شرق السودان على الحدود مع دولة إثيوبيا، عن تلقّيهم توجيهات من قوات الجيش السوداني بالخروج من المدينة نحو مناطق أكثر أمناً، عقب معلومات عن حشود بقرى محيطة بالمدينة لقوات تحالف تأسيس التي تضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية، يُتوقّع أن تهاجم المدينة.
وقال قمر الدابي، أحد سكّان قيسان الذين نزحوا إلى مدينة الدمازين، إنّ توجيهاتٍ وَرَدت إليهم من القوات المسلحة، بمغادرة المدينة، التي يتوقع أن تشهد اشتباكات بين قوات الجيش الموجودة داخلها وقوات تأسيس التي تسعى للسيطرة عليها، عقب سيطرتها على محافظة الكرمك المُجاورة.
وقال الأمين العام لمبادرة المجتمع المدني بالنيل الأزرق علي هجو علي لمراسل «أتَـر»، إنه منذ سقوط الكرمك بيد قوات تأسيس، أحسّ السكّان بالخطر، خاصة وأنّ قوات من الحركة الشعبية شمال، ظلت موجودة لسنوات طويلة بالجبال المحيطة بمدينة قيسان. وأضاف أنّ توجيهات قوات الجيش السوداني قد وصلت إلى السكان «شفاهة»، وطالبت السكّان بإخلاء المدينة حفاظاً على سلامتهم، لكونها أصبحت منطقة عمليات «نشطة». وقال هجو: «بدأت أعداد كبيرة من سكّان المدينة والقرى المحيطة بها رحلة نزوح يومية، مشياً على الأقدام متجهين إلى منطقة بكوري بمحافظة ود الماحي، وهي مسافة تستغرق أربع ساعات مشياً». وأشار إلى وصول عدد كبير من النازحين إلى منطقتي بكوري وبلقوة بمحافظة ود الماحي بإقليم النيل الأزرق، ووصل آخرون إلى الدمازين، بينما وصل بعضهم إلى إثيوبيا. ووفقاً لتقديره الأوليّ في ظل صعوبة الرصد نسبةً لرداءة الاتصالات، بلغ عدد النازحين من محافظة قيسان عشرات الآلاف. كذلك قال إنّ بعضهم قد وصلوا إلى المناطق التي تُسيطر عليها قوات الحركة الشعبية شمال، ويكابدون أوضاعاً قاسية لغياب التدخلات من قبل المنظمات المحلية والإقليمية، في ظل محدودية تدخلات غرف الطوارئ والمجتمعات المُستضيفة التي تعتمد على إمكانات شحيحة تنوء بأعداد النازحين المتزايدة. وقال إن أغلب النازحين يوجدون حالياً في معسكرات ومدارس، وإن جزءاً كبيراً منهم لا يزال في العراء وتحت الأشجار في الأودية والخيران.
وقالت غرفة طوارئ قيسان الإنسانية إنّ المدينة والقرى المُجاوِرة لها، قد شهدت موجات نزوح في ظلّ ظروف وأمنية وإنسانية صعبة، مُشيرةً إلى أن تدهور الأوضاع الأمنية قد أجبر أعداداً كبيرة من السكّان على مغادرة منازلهم خوفاً من مصير الكرمك وبحثاً عن الأمان والاستقرار. وأحصت الغرفة منهم 425 أسرة نزحت إلى مناطق الخرطوم بالليل والياس وبكوري وأغرو وبلقوة والمدينة 12.
وكشف مصدر بالغرفة لمراسل «أتَـر»، عن أن النازحين يُواجهون نقصاً حاداً في الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية، وسط تحديات كبيرة في الوصول إلى مناطق آمنة.
ودعت الغرفة جميع الجهات الإنسانية والمنظمات المحلية والدولية إلى التدخّل العاجل لتقديم الدعم اللازم للنازحين، وناشدت السلطاتِ المعنيةَ اتخاذَ التدابير الكفيلة بحماية المدنيين وضمان سلامتهم، داعية إلى فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وقال الناشط المدني بالرُّصيرص عمر الحسين، لمراسل «أتَـر»، إن النازحين لا يزالون يتدفَّقون من محافظة قيسان إلى مدينته، وأضاف: «الأزمة الإنسانية مُتفاقمة وكارثية ومُستمرَّة، وعدد كبير من النازحين عالقون في الطرقات والوديان غالبيتهم نساء وأطفال وكبار سن». وقال: «الناس يصلون إلينا في أوضاع صعبة، ومخزون الطعام والأدوية لدينا ينفد، خاصةً وأن المدينة شهدت قبل أيام وصول أعداد كبيرة من نازحي الكرمك».
وقال فرح إسحق الحارث، الذي يسكن قرية على بعد عشرة كيلومترات من قيسان، وقد وصل نازحاً إلى منطقة قنيص بالرُّصيرص، إنه نزح برفقة أسرته المكونة من عشرة أفراد، بعد أن أمرهم الجيش بإخلاء قريتهم. وأشار إلى أنهم وصلوا إلى محطتهم بعد رحلة استمرت تسع ساعات مشياً على الأقدام. وقال في حديثه مع مراسل «أتَـر»، إن المئات من الناس لا يزالون ينزحون من مناطقهم في ظل ظروف صعبة، وبينهم أطفال تقطعت بهم السبل وفقدوا ذويهم، ويوجدون تحت الأشجار على الطريق بين قيسان والرُّوصيرص. ونوّه إلى أن بعض النازحين حملوا معهم أمتعتهم، ومع طول الطريق والتعب اضطرّوا للتخلي عنها، منوهاً إلى أن أغلبهم يختارون السير في الطرق الوعرة خوفاً من النهب الذي يتلقَّاه من يَسلكون الطرق المعروفة حيث تترصّدهم عناصر من قوات الدعم السريع على سيارات مُقاتلة ودرَّاجات بخارية، وقال: «سمعنا عن أشخاص قُتلوا في الطريق وآخرين اعتُقلوا، والأوفر حظاً هو من تُنهب ممتلكاته ويُترك ليمضي». وقال إنّ الأطفال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن قد نالوا نصيباً أكبر من المعاناة من مشاق السفر والمشي على الأقدام لمسافات طويلة.
وقال أحد أعضاء مُبادرة شباب قيسان للبناء والسلام والتعمير، طالباً حجب اسمه، لمراسل «أتَـر»، إنّ النازحين يصلون بأقدام متورّمة وهم يعانون من التعب والجوع والعطش، منتقداً غياب الدّور الحكومي في إغاثتهم، كاشفاً عن وصول ثلاثة أفواج للمدينة حتى يوم الاثنين.
وقال مصدر من غرفة طوارئ محافظة ود الماحي لمراسل «أتَـر»، إنّ الأسر الوافدة تعاني من نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب والمأوى، إلى جانب الاحتياجات الصحية الضرورية، خاصة للأطفال وكبار السن.
وكانت غرفة طوارئ ود الماحي قد ناشدت جميع الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية والخيّرين ورجال الأعمال، التدخّل الفوري لتقديم الدعم اللازم، والمساهمة في توفير المواد الغذائية ومياه الشرب والخيام ومستلزمات الإيواء والأدوية والإمدادات الطبية.
قيسان: نازحون مشرّدون في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد
مراسل أتر
اشتكى سكّان بمدينة المناقل بولاية الجزيرة، من كَسْرٍ بترعة المناقل الرئيسة التي تمرّ جنوب المدينة، أغرق أحياء سكنية ودمّر المنازل والممتلكات، وسط مخاوف مُتزايدة من تدهور صحة البيئة عند اختلاط المياه المُندفعة بمياه الصرف الصحي في الحمامات البلدية التي انهارت.
وقال الطاهر التوم ساري، من سكّان حي رفاعة، إنّ مياه الري التي ملأت الترعة، فاضت وأحدثت كسراً بطول 10 إلى 15 متراً، ما أدّى إلى إغراق أحياء 40 والوحدة ورفاعة 91. وقد دخلت المياه إلى المنازل، وملأت الطرقات والساحات العامة، فهجر السكّان منازلهم خوفاً من أن تنقضّ عليهم بفعل تشرّب أساساتها بالمياه. وانتقد ساري غياب السلطات المحلية، التي قال إنهم ناشدوها وأبلغوها بكسر الترعة منذ اليوم الأول، السبت 28 مارس، لكنها لم تحرك ساكناً.
وكشف النعمان جابر السيد، من سكّان حي رفاعة 91 لمراسل «أتَـر»، عن انهيار تامّ لأكثر من عشرين منزلاً بالحي، وتضرُّر 100 منزل جزئياً. وقال: «المياه تتدفّق بغزارة داخل الأحياء الآن». وحذّر من مَخاطر بيئية وصحية ناتجة عن المياه الراكدة التي تمثل بيئة خصبة لتوالد نواقل الأمراض، وقال إنها ستشكّل مصدر خطر على المدينة كلها، وطالب السلطات بالتدخّل الفوري لسد الكسر وتوفير طلمبات لشفط المياه من داخل الأحياء السكنية وإطلاق حملة رش وتطهير لمكافحة نواقل الأمراض، مُشدِّداً على أن التأخير في الاستجابة سيُضاعف حجم الكارثة.
ويقول محمد نور عبد الحميد، الذي يسكن حي 40، إنّ السكّان حاولوا إغلاق الكسر يدوياً، إلا أن الأمر تعذّر عليهم، وقال: «في كلّ مرة نملأ الجوالات بالتراب تجرفها المياه المندفعة بعيداً، وهذا عمل يحتاج إلى آليات، وقد خاطبنا السلطات المحلية وسلطات الري لكن لم يأت إلينا أحد».
وفي حي رفاعة كشف مسؤول بلجنة التسيير والخدمات بالحي عن انهيار 300 منزل، وطالب بتوفير خيام لإيواء السكّان الذين تهدّمت منازلهم. وكشف لمراسل «أتَـر» عن أن السبب في الكسر يرجع إلى انهيار محابس الكباري في الترع، ما أدّى لانسياب المياه عشوائياً، واتّهم نشاط بعض السكّان على أطراف الترع في عمل كمائن للطوب، قائلاً إنها تتسبّب في جرف الجسور الجانبية فتضعف عن تحمّل الكميات الكبيرة من المياه، خاصة في ظل عدم الحاجة إليها في نهاية الموسم الزراعي.
وقال الناشط المحلي، عمر المنقالي لمراسل «أتَـر» إنهم قدّموا مناشدات عاجلة لإدارة الري بتوفير الآليات الثقيلة لغلق الكسر هندسياً، وكشف عن أنّ الجهود اليدوية لم تصمد طويلاً أمام ضغط المياه المستمر. وحذّر المنقالي في حديثه لمراسل «أتَـر» من حجم الكارثة البيئية والإنسانية المتوقعة إذا لم يُتدارك الأمر سريعاً.
وفي مدينة المناقل، يشتكي المزارعون وأصحاب الآليات الزراعية، من الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، خاصة الجازولين مع تقدّم عمليات حصاد الموسم الشتوي. وقال أحد أصحاب الحاصدات لمراسل «أتَـر»، إنه ظلَّ يبحث عن جازولين بالمدينة لثلاثة أيام ولم يحصل عليه. وكشف تجار بالسوق لمراسل «أتَـر»، عن ارتفاع سعر الجالون الواحد من الجازولين إلى ما بين 40 و45 ألف جنيه سوداني، مع ندرته، وارتفاع الطلب عليه، تزامناً مع حصاد المحاصيل الشتوية وترحيلها.
ووفقاً لمزارعين بأقسام مشروع الجزيرة في المناقل، فإنّ سعر حصاد الفدان قد ارتفع تبعاً لهذه الزيادات والندرة إلى 150 ألف جنيه، بعد أن كان في حدود 90 ألف جنيه، في بداية موسم الحصاد، وسط شكاوى من مزارعين، تحدّثوا لمراسل «أتَـر».
وفي مقابل ذلك يشتكي المزارعون من انخفاض أسعار المحاصيل، خاصة الحبوب والبصل، ما يُهدّدهم بخسائر كبيرة مع ارتفاع تكاليف الحصاد. وفي جولة بسوق المناقل، وجد مُراسل «أتر» سعر جوال القمح قد بلغ 110 آلاف جنيه سوداني، والذرة 100 ألف جنيه، والعدسية 220 ألف جنيه، والكبكبي 220 ألف جنيه، وأردب البصل 100 ألف جنيه.
وتحت وطأة أزمة الوقود التي تشهدها المدينة، كشف سائقو سيارات لمراسل «أتَـر» عن معاناة كبيرة في الحصول على البنزين الذي ارتفع سعر الجالون الواحد منه إلى 35 ألف جنيه. وقال السائق إيهاب السر إنّ الوقود الذي يأتي إلى المدينة يُوزَّع على طلمبات معينة، ويُباع جزء يسير منه بالسعر الحكومي؛ 23 ألف جنيه، بينما يتسرّب قدر كبير منه ليُباع في السوق الموازي. وكشف عن أنّ طلمبة واحدة تعمل يومين في الأسبوع، لتعمل طلمبة أخرى في الأسبوع الذي يليه، مشيراً إلى أنّ أصحاب السيارات يقفون في صفوف طويلة، وأنّ منهم مَن يقف يومين ويخرج خاليَ الوفاض، ويضطرّ للشراء من السوق الأسود.
ويشتكي سكّان المناقل من الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية، خاصة المستورَدة منها. ويعزو التجّار السبب إلى ارتفاع أسعار الترحيل مع زيادة سعر الوقود وقلة الوارد من بورتسودان شرق السودان. وقال خضر محمد حسن، من سكّان المدينة، لمراسل «أتَـر»، إنّ أسعار جميع السلع تزيد بلا استثناء على مدار اليوم، وقال: «أمس اشتريت ربع رطل من البُن بألفَي جنيه، واليوم اشتريته بثلاثة آلاف جنيه»، وأضاف: «السوق مُنفلت إلى حدّ بعيد والزيادات مخيفة».



