أتر

سوق زريبة العيش بأم درمان: من محاصيل الغرب إلى محاصيل الشرق والوسط

يشهد سوق زريبة العيش بأم درمان تحوّلاً كبيراً في حركة التجارة، فبعد أن كان سوقاً مركزياً للمحاصيل الواردة من غرب السودان قبيل الحرب، أصبح محطة في حركة المحاصيل التي غدت تأتي من شرق السودان ووسطه.

يخبر محمد النور، التاجر بسوق زريبة العيش، مراسل «أتَـر»، بأن توقف المحاصيل الواردة من غرب السودان، أثّر بشدة على حركة السوق، ويضيف قائلاً: «يفتقر السوق حالياً إلى المحاصيل النقدية، مثل الفول السوداني والسمسم والصمغ العربي، خاصة أنها ارتبطت بحركة الصادر».

عمل النور في مجال تصدير المحاصيل بسوق الزريبة، إذ كانت المحاصيل تتجه نحو الولاية الشمالية وصولاً إلى جمهورية مصر، وشرقاً إلى ولاية البحر الأحمر عبر ميناء بورتسودان ثمّ إلى دول الخليج، لكن توقَّف كل هذا، بسبب قلة المحاصيل وارتفاع أسعارها، كما وضح النور لمراسل «أتَـر».

يقع سوق زريبة العيش، أو الزريبة، في حي العرب بمدينة أم درمان، ولم يكن هذا موقعه الأول؛ فقد بدأ النشاط التجاري في الحبوب قديماً في منطقة «الفتيحاب» جنوبيَّ أم درمان، ثم انتقل في الأربعينيات إلى قلب سوق أم درمان محلّ زنك الخضار الحالي، ومنه إلى جوار سوق الحدّادين، حتى استقرّ في موقعه الحالي بحي العرب في السبعينيات، في منطقة كانت في السابق سوقاً للمواشي.

وترتبط الزريبة بأسر تجارية عريقة توارثت المهنة منذ عهد الدولة المهدية، إذ كان تجار العيش «العيّاشة» يؤدون دَوراً حيوياً في تأمين الغذاء لأهل السودان. وتعدّ الزريبة من أعرق الأسواق التاريخية المتخصّصة في تجارة الحبوب بالسودان، وتمثل ذاكرة اقتصادية واجتماعية لمدينة أم درمان، وملتقىً للشعراء والفنانين.

يشتهر السوق بوجود «الكيّالين»؛ الخبراء في قياس الحبوب باستخدام «الكيلة» و«الربع»، وهي موازين تقليدية لا تزال حاضرة رغم دخول الموازين الحديثة.

وكشف محمد النور أنّ السوق قد تحوَّل كلياً في الوقت الحالي من الاعتماد على المحاصيل القادمة من غرب السودان، إلى المحاصيل التي تأتي من مناطق الجزيرة والقضارف والنيل الأبيض، مبيناً أن السلع الأخرى غير المحاصيل، ترد إلى السوق من ولاية نهر النيل وولاية البحر الأحمر، وبعض المصانع المنتشرة في الولايات التي لم تتمدّد فيها العمليات الحربية.

يشير محمد النور، إلى أنّ السوق يُعاني حالياً من الركود، في ظل وفرة العرض وقلة الطلب، مُقارنةً بما قبل الحرب حين كان هناك توازن بين العرض والطلب. ويعزو ذلك لقلة وجود السكان بالمناطق المُحيطة بالسوق، قائلاً: «في أحياء مثل أمبدة والثورة وبيت المال والملازمين وبانت وحي العرب والعرضة والصالحة والمربعات، لا تزيد نسبة وجود المواطنين عن النصف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب».

في السابق، اشتهر حامد الزين جار النبي، التاجر في سوق زريبة العيش، ببيع محاصيل مثل السمسم والدخن والفول السوداني، واللوبيا بأنواعها، وكان يشتريها من مناطق الإنتاج في إقليمي كردفان ودارفور. تحوّل جار النبي حالياً لبيع القمح والذرة بأنواعها والخضروات وبعض البقوليات، وهو نشاط لم يعهده من قبل.

يقول جار النبي لمراسل «أتَـر»، إنه ظلّ يعمل تاجراً بالسوق لما يربو على 35 عاماً، كان ينتظر فيها خلال شهري أكتوبر ونوفمبر وصول الوارد من مناطق الإنتاج في كردفان، التي كان يزورها في شهري مايو ويونيو، ليُعطي سلفيات للمزارعين حتى يتمكنوا من زراعة المحاصيل، ومن ثمّ يشتريها منهم بسعر السوق المتعارف عليه.

يضيف جار النبي: «لم أكن أستغلّ حاجتهم في أشهر الصيف، فهم لا يبيعون لغيري وأنا لا أشتري من غيرهم، وهذه علاقة عمرها عشرات السنين». وبينما يحكي جار النبي عن تلك العلاقة، تدمع عيناه وهو يفقد الآن هؤلاء المزارعين قبل محاصيلهم التي انقطعت منذ ثلاثة أعوام بسبب الحرب. «أتواصل مع من تسمح ظروفه بذلك، فالاتصالات مقطوعة، وبعضهم لا يمكن الوصول إليه، لكني أتمنى أن يكونوا بخير»، يقول جار النبي.

أشار محمد النور في حديثه لمراسل «أتَـر» إلى أنّ انعدام التيار الكهربائي بالسوق والأحياء المُجاوِرة قد حدّ أيضاً من النشاط التجاري، وقال: «لهذا الأمر أثر كبير في تأخّر عودة المواطنين وبالتالي فتور القوة الشرائية».

كما طالب التاجر، فاروق القاضي، بالسرعة في توصيل التيار الكهربائي إلى السوق والأحياء المجاورة، وتوفير دوريات ليلية للشرطة، وإعفاء الرسوم والجبايات لمدة عام. وقال فاروق: «لو أردنا نهوضاً سريعاً لهذا السوق فهذا هو المدخل لذلك».

اشتكى عدد من التجار، تحدّثوا لمراسل «أتَـر»، من كثرة الجبايات والرسوم بالسوق، وهو ما يقرّ به الفكي جادين، التاجر بالسوق، الذي يضيف: «لا يتشدّد المتحصّلون في تحصيل الجبايات والرسوم، كما أن ما بين 50% و60% من المحال التجارية مغلقة، وحتى الذين عادوا لمزاولة أعمالهم فدخلهم اليومي بالكاد يغطي نفقات المعيشة والمنصرفات اليومية، وهم يبيعون جلّ بضائعهم بيعاً آجلاً لشحّ السيولة النقدية ووجود حدّ معين للتحويلات البنكية في اليوم الواحد».

وفي المقابل، يشتكي أصحاب الشاحنات بدَورهم من الرسوم العالية التي تُفرض على حركة مرورهم قبل وصولهم إلى السوق، وهو ما يراه محمد النور سبباً أساسياً في ضعف حركة الوارد من المحاصيل للسوق. يقول طارق جبارة، وهو سائق شاحنة، إنّ رسوم عبور الطريق من ولاية القضارف وصولاً إلى السوق، تناهز 350 ألف جنيه للشاحنة الواحدة، ويتكرّر الأمر ذاته في حالة شحن بضائع للخروج بها من السوق.

يخبر صاحب عربة «دفّار» يعمل في نقل البضائع من السوق إلى أحياء مجاورة، مراسل «أتَـر»، بأن هناك كثيراً من الأوراق والأختام عند خروج البضائع من السوق، لتعدُّد نقاط الارتكاز، ويشير إلى أنّ مجموع هذه الرسوم يصل إلى مبلغ 50 ألف جنيه في اليوم.

أجرى مراسل «أتَـر» جولة في السوق، كشفت عن استقرار أسعار السلع في مقابل قلة حركة الشراء. يُباع أردب القمح بـ 300 ألف جنيه، ويتراوح سعر أردب الذرة بين 210 آلاف جنيه و310 آلاف جنيه، حسب نوعيته وجودته، ويُباع جوال العدسية بـ 230 ألف جنيه، والكبكي بـ 250 ألف جنيًه، والدخن بـ 340 ألف جنيه للأردب، بينما يُباع جوال السكر بـ 155 ألف جنيه، وجركانة الزيت 18 رطلاً بـ 122 ألف جنيه، وجوال البصل بـ 55 ألف جنيه، ويُباع كيلو اللحم العجّالي بـ 24 ألف جنيه، وكيلو الضأن بـ 30 ألف جنيه، وكيلو الدجاج بـ 13 ألف جنيه.

Scroll to Top