أتر

من قاعات المحاضرات إلى العجز الشهري: أرقام تكشف أزمة رواتب أساتذة الجامعات

براتب شهري لا يتجاوز 468 ألف جنيه، يُواجه أستاذ جامعي يعول ثمانية أفراد، تكلفة معيشة تبلغ 3.5 مليون جنيه شهرياً، بعجز يتجاوز ثلاثة ملايين جنيه كلَّ شهر. هذا ما يَعيشه الأستاذ الجامعي د. أونور أوشام عمر،  الذي قال إنّ راتبه الشهري الحالي، شاملاً البدلات والبديل النقدي وحوافز العيد بعد توزيعها على 12 شهراً، يبلغ 468 ألف جنيه فقط. ويحتاج أونور، الذي يقطن بأسرته ويعمل في بورتسودان، إلى إيجار منزل بقيمة 500 ألف جنيه، وأقساط تعليم الأبناء بالمدارس الخاصة 700 ألف جنيه، ومتوسّط تكلفة علاج شهرية 150 ألف جنيه. كما تبلغ تكلفة الغذاء للأسرة نحو 900 ألف جنيه شهرياً، إضافة إلى 150 ألف جنيه للكهرباء و300 ألف جنيه للمياه، و300 ألف جنيه للمصروف الشخصي، إلى جانب 600 ألف جنيه مصروفات يومية للأطفال، و150 ألف جنيه للزي المدرسي. ويعني ذلك أنّ الراتب لا يغطي سوى نحو 13% من إجمالي الالتزامات الشهرية.

ويخوض أساتذة الجامعات السودانية إضراباً مفتوحاً للمُطالبة بإجازة الهيكل الراتبي وتنفيذ لائحة شروط الخدمة.

ويُخبر الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بجامعة البحر الأحمر، د. طلال عبد الله عثمان، مراسلة «أتَـر»، أن راتبه الشهري الحالي لا يتجاوز 409 آلاف جنيه، وهو لا يعادل إيجار منزل بسيط في منطقة طرفية ببورتسودان.

ويوضح أن منُصرفات وجبتين يومياً مع احتياجات أساسية مثل لبن الأطفال والسكر والشاي لأسرته التي تتكون من 7 أفراد في حدود 27 ألف جنيه يومياً، أي ما يعادل 810 آلاف جنيه شهرياً، دون لحوم أو فواكه، ما ينعكس على الصحة العامة لأسرته. ويضيف الأستاذ الجامعي، أنّ تكلفة مياه الشرب، والاستخدامات الأخرى، للأسرة ذاتها في حدود 5 آلاف يومياً، أي ما يعادل 150 ألف جنيه شهرياً، دون حساب تكلفة الكهرباء الشهرية؛ كما أنّ مصروفات مدارس لـ 4 من الأبناء في اليوم تبلغ 12 ألف جنيه، إضافة إلى الرسوم الدراسية السنوية والملابس والكتب.

أما المواصلات العامة في الذهاب إلى العمل اليوميّ والإياب منه، فتكلّف حوالي 100 ألف جنيه شهرياً. ويقول إنّ هذه الحسابات لا تشمل العلاج في ظلّ ارتفاع تكاليف الدواء وضعف مظلة التأمين الصحي، ولا تشمل التزامات الإعالة الممتدة والواجبات الاجتماعية.

ويرى د. طلال أنّ الأستاذ الجامعي قد أُجبِر على خوض الإضراب بعد سنوات من انتظار صدور القرار التنفيذي الخاص بلائحة شروط الخدمة والهيكل الراتبي، والذي مرَّ بمراحل طويلة منذ عام 2013، واكتملت إجراءاته الفنية في 2023 وتبقى القرار التنفيذي، ويضيف: «لكن يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: مَن المستفيد من تعطيل القرار، خاصة وأن هناك تسرّباً وهجرة كبيرة لأساتذة الجامعات؟».

وتقول الأستاذ المشارك بكلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، د. سلمى عبد المجيد، إنّ الواقع المعيشي للأساتذة الجامعيين بات صعباً للغاية، مُشيرةً إلى أن راتب الأستاذ المشارك يُعادل في المتوسّط نحو 120 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية مثل الإيجار والغذاء والوقود والعلاج.

وأضافت أنها تضطرّ إلى تقليص بعض المصروفات الضرورية أو تأجيلها، وفي أحيان أخرى تلجأ إلى الاستدانة لتغطية احتياجات ملحّة، أو البحث عن عمل إضافي إن توفر. وتابعت: «الحياة لم تعد مستقرة في ظلّ غياب حدّ أدنى من الأمان المعيشي». وأكّدت أنّ الراتب الحالي لا يغطي سوى جزء محدود من الالتزامات، ولا يتناسب مع مكانة الأستاذ الجامعي أو حجم المسؤوليات الأكاديمية والبحثية والمجتمعية الملقاة عليه.

وفي ما يتعلّق بالإضراب، ترى د. سلمى أنّ تحرُّك الأساتذة للمطالبة بتنفيذ الهيكل الراتبي المُجاز ولائحة شروط الخدمة، يُمثّل موقفاً وطنياً مسؤولاً، يهدف إلى الدفاع عن كرامة الأستاذ الجامعي ومكانته بما يحفظ استقرار مؤسّسات التعليم العالي ويخدم الوطن.

أما الأستاذ المساعد بجامعة البحر الأحمر، أحمد محمد علي إسحق، فيقول إنّ راتبه الشهري البالغ 408 آلاف جنيه، يذهب معظمه لسداد أقساط شهرية تبلغ 400 ألف جنيه تمتد لنحو عامين قادمين، ما يترك له فعلياً ثمانية آلاف جنيه فقط لتغطية احتياجات أسرته. ويُشير في حديثه لـ«أتَـر» إلى أنّ تكلفة المعيشة الشهرية، دون احتساب الأقساط، تُقدَّر بنحو مليوني جنيه، رغم أنّ المنزل مملوك للأسرة ولا توجد تكلفة إيجار، ما يعني وجود فجوة مالية تقارب مليوني جنيه شهرياً.

وأمام هذا العجز الشاسع بين الراتب والمنصرفات يستعين الأساتذة الذين تحدّثت معهم مراسلة «أتَـر»، بأشقائهم وأسرهم المُمتدَّة خارج السودان، الذين يُساعدونهم بإرسال تحويلات مالية لدعمهم، أو اللجوء إلى أعمال إضافية، أو الاستدانة.

وبدأ يوم الأحد الماضي 29 مارس الإضراب المفتوح الذي دعت إليه لجنة أساتذة الجامعات السودانية «لاجسو»، وسط مشاركة واسعة من أساتذة جامعة البحر الأحمر بمختلف كلياتها، في مشهد عكس حجم التعبئة داخل القطاع الأكاديمي. وأعلنت اللجنة أنّ نسبة الاستجابة تراوحت بين 96% و100% في غالبية الجامعات.

وجرى اعتقال ثمانية أساتذة في اليوم الأول بجامعة بخت الرضا في الدويم، وأُطلِق سراح ستة منهم. كذلك اعتُقل 11 أستاذاً من جامعة كردفان، ما أثار مخاوف داخل الوسط الأكاديمي من احتمالات التعرُّض لإجراءات تضييق أو استهداف.

وفي السياق ذاته، جاء إعلان الحكومة، عقب لقاء وزير التعليم العالي برئيس الوزراء د. كامل إدريس في الأسبوع الأخير من شهر مارس، بزيادة الرواتب بنسبة 100% لهيئة التدريس والكوادر المساعدة، إلا أنّ هذا التطور لم يغيّر من موقف اللجنة التي واصلت الإضراب.

وتُشير د. زينب محمد علي، ممثلة جامعة البحر الأحمر في «لاجسو»، في حديثها لـ«أتَـر»، إلى أنّ الاستجابة الحكومية كان يمكن أن تبدأ بإجازة الهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة. وأضافت أنّ غياب هذه اللائحة منذ عام 2018 خلق فراغاً تنظيمياً يجعل الأستاذ الجامعي غير مُدرك لحقوقه وواجباته، مؤكّدة أنّ اللجنة ظلت تطرح هذه المطالب على نحو متكرّر، وأن القضية المطروحة محدّدة وواضحة ولا ترتبط بالوعود، إنما بإطار مؤسّسي ينظّم المهنة.

Scroll to Top