أتر

أتــر 117

من التحرير

التعليم: رأب صدع البيت

«يجب أن يهدف التعليم في السودان إلى تخريج المواطن المُخْلص، الصحيح الجسم والعقل، القويّ الأخلاق، الصادق في عقيدته، المصمِّم على الدفاع عن وحدة بلاده، المدرك لحقوقه وواجباته كمواطن، القادر على كسب عيشه والمساهمة في تطوّر اقتصاد وطنه، القادر على أن يعبِّر عن نفسه في فصاحة وشجاعة، الموضوعيّ النظرة، المستقلّ في تفكيره، الشجاع في تصرّفه والراغب في تحمُّل المسؤولية وأدائها”.

تطوّر التعليم في السودان 1898-1956، محمد عمر بشير، دار الثقافة، بيروت، ومكتبة خليفة عطية، السجّانة، 1970، ص 13.

في 20 أكتوبر 2025، أعلنت وزارة التعليم والتربية الوطنية 13 أبريل الجاري موعداً لامتحانات الشهادة السودانية. وفي 4 مارس المنصرم أعلنت اللجنة الفنية العليا لامتحانات الشهادة السودانية، التي كوّنتها حكومة تأسيس التابعة لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال، الرابعَ من يونيو موعداً لامتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها. تأمل حكومة تأسيس في إنجاح هذه الخطوة.

تُواجه وزارة التعليم والتربية الوطنية خطر اختلال التقويم الدراسي، وتسعى للتخلّص من مشكلة تراكم الدفعات في السنوات الماضية التي أعقبت الحرب في أبريل 2023. أما تأسيس فقد قالت إنّ دافعها الأساسي لعقد الامتحانات في مناطقها يأتي من دافع أخلاقي لحلّ مشكلة التلاميذ الذين سيُحرمون من الامتحانات بسبب قرار وزارة التعليم.

دفعت هذه المشكلة بعض المعلّمين والمهتمين إلى تكوين «المبادرة القومية الطارئة لدعم امتحان الشهادة السودانية»، لمُحاولة إنقاذ مستقبل البلاد. قدّرت المبادرة أنّ قرابة 280 ألف تلميذ وتلميذة يواجهون الحرمان من الجلوس للامتحانات هذا العام تحديداً في إقليمي دارفور وكردفان والنيل الأزرق ومناطق أخرى.

صحيح أنّ هناك تعقيدات واقعية معروفة سبّبتها حالة ما بعد الحرب في السودان، وصحيح أيضاً أنّ واقع البلاد اليوم منقسم في كلّ شيء، لكنه واقع متحرّك في الآن ذاته، وتظهر فيه من حين إلى آخر قضية تصلح لأن تكون نواة للوحدة الوطنية.

في طريقنا إلى هذا العدد الخاص عن امتحانات الشهادة السودانية، تعرّفنا إلى مشكلة قومية تهمّ كلّ أسرة وكلّ مواطن. تحدَّثنا إلى آباء وأمّهات وتلميذات وتلاميذ على وشك فقدان الأمل في مستقبل أفضل. قادَنا ذلك إلى أنّ هذه القضية تكاد تكون هي المشكلة الوحيدة التي وضعت جميع أهل السودان أمام تحدٍّ مشترك.

تفتح قضية امتحانات الشهادة السودانية فرصة تاريخيّة وتخلق حالة وطنية فريدة، إن جاز التعبير، تدفع جهود أهل السودان نحو مشكلة محدّدة وواضحة، تتلخّص في كيفية ضمان حقّ أي تلميذ وتلميذة مؤهّلة لامتحانات الشهادة السودانية. تبدأ عملية التفكير البنّاء من الحكومة الوطنية المعترف بها دولياً بأن تتصرّف بمسؤولية تجاه جميع أفراد شعبها، حتى الذين يَعيشون منهم تحت سيطرة الدعم السريع، فالحاجة والنداء صادران من الناس الذين يعرفون أنّ مستقبل أبنائهم يرتبط بهذه الامتحانات. وواجب أيّ حكومة أن تسعى لمواطنيها حيثما لزم أداء الحقّ.

من ناحية أخرى، لا تجد محاولات السلطات التابعة لقوات الدعم السريع وحلفائها عقد امتحانات منفصلة، الثقة الكافية من المواطنين. ويبدو جلياً أنها بمثابة ردّ فعل متأخر على ما أعلنته الحكومة في بورتسودان، لذا فإنّ المغامرة بامتحاناتٍ لا تجد الشرعية ولا البنية التعليمية المُناسبة ولا التحضيرات والإمكانات المناسبة هي مخاطرة كبير بمستقبل التلاميذ والتلميذات.

كي تنجح «المبادرة القومية الطارئة لدعم امتحان الشهادة السودانية» في أداء دَور فاعل، يتعيّن عليها إقناع حكومة كامل إدريس بإتاحة فرصة امتحانات بديلة تُجرى في مناطق سيطرة الدعم السريع وقوات تحالف تأسيس، ومن الناحية الأخرى إقناع حكومة تأسيس بأن تسمح للجنة عليا مستقلة بإدارة الامتحانات البديلة تحت إشراف وزارة التعليم والتربية الوطنية. ومن شأن مثل هذا المسعى، مهما كانت مخرجاته، أن يفتح تدريجياً فرصة لحوار سياسي مبنيّ على قضايا مثل التعليم ومستقبل السودان.

في مطلع تاريخ التعليم الحديث في سودان ما بعد الاستقلال، كوَّنت الحكومة لجنة من أحد عشر تربوياً لدراسة مشكلات التعليم في السودان ووضع استراتيجية قومية للتعليم. أنهت اللجنة تقريرها في 1959، وذكرت أنّ التعليم يمكن أن يكون عاملاً مساعداً ورافعاً للتطوّر الاقتصادي، بل وعاملاً لزيادة الدخل القومي ورفع مستوى المعيشة وزيادة الشعور بالوحدة الوطنية. كتبت اللجنة في ملخّص تقريرها ما اقتبسناه في صدر هذه الكلمة قولاً فصلاً في أغراض التعليم الذي حظيت به أجيال من السودانيين والسودانيات في ما بعد، فهلّا توسَّلَنا الآن بتلك الأغراض لرأب صدع البيت وإنقاذ أبناء وبنات السودان من مصير مظلم؟

Scroll to Top