تَشهد العملية التعليمية في السودان اضطراباً مُتصاعداً منذ ما قبل اندلاع الحرب، تفاقَمَ على نحوٍ واسعٍ خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما أدَّى إلى انقطاع آلاف الطلاب عن الدراسة، وتراكم الدفعات الدراسية. وفي ظلِّ الانقسام الجغرافي، يُواجه الطلاب صعوباتٍ مُتباينة؛ إذ تتركَّز مراكزُ امتحانات الشهادة السودانية المُنعقدة في 13 أبريل الجاري، في مناطق سيطرة الجيش، الأمر الذي يَضطرُّ الأُسَر إلى تحمُّل تكاليف سفر وإقامة باهظة تفوق قدراتها المالية.
وفي ظل هذا الواقع المُعقَّد، أعلنت حكومة تحالف تأسيس التي تضم قوات الدعم السريع وجيش حركة تحرير السودان جناح الحلو وفصائل أخرى، نيتها تنظيم امتحانات للشهادة الثانوية، في يونيو المقبل، بنحوٍ مُنفصلٍ عن امتحان الشهادة السودانية، داخل مناطق سيطرتها، رغم ما قد يصحب ذلك من عدم اعتراف سواء أكان داخل السودان أم خارجه.
في المُقابل، يجد أولياء أمور الطلاب الذين تمكَّنوا من الوصول إلى مناطق سيطرة الجيش أنفسهم أمام أعباء مالية إضافية، تشملُ الرسوم الدراسية المُرتفعة، إلى جانب تكاليف المعيشة والسكن، خاصة مع وجود أكثر من طفل في سِنِّ الدراسة داخل الأسرة الواحدة. وسط هذه الظروف، تتصاعدُ شكاوى أولياء الأمور في عدد من الولايات، من بينها سنار والقضارف وأم درمان، بشأن تدهور فرص التعليم وارتفاع تكاليفه.
في حديثه لـ«أتَر»، يقول أبوبكر عبد المجيد، وهو وليُّ أمرٍ ومُعلِّم في مرحلة التعليم الأساسي، إنه اضطرَّ إلى النزوح من مدينة الفاشر إلى ولاية القضارف، برفقة أبنائه الثلاثة الجالسين لامتحانات الشهادة السودانية، بحثاً عن فُرصة لمُواصلة تعليمهم في ظلِّ توقُّف الدراسة بمناطقهم. ويُوضِّحُ أنه بعد الاستقرار في القضارف، لم يتمكَّن من إلحاق أبنائه بالمدارس الحكومية بسبب محدودية المقاعد، ما دفعه للجوء إلى المدارس الخاصة رغم ارتفاع رسومها. وقال إن العملية التعليمية تَسير بنحوٍ عَدَّهُ مقبولاً من حيث المستوى الأكاديمي، إلا أن التحدِّيات المالية تُمثِّل عبءاً كبيراً، لافتاً إلى الارتفاع الملحوظ في الرسوم الدراسية، التي تبلغ 850 ألف جنيه للطالب الواحد في المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، إلى جانب ندرة الكتب المدرسية، ما يضطرَّ الأُسَر إلى توفيرها على نفقتها الخاصة، رغم ارتفاع أسعارها.
توفر طبعات المناهج التعليمية بات مُرتبطاً بالقدرة المالية، إذ أصبحت مُتاحةً فقط لمن يستطيع تحمُّل تكلفتها.
ويُوضِّح عبد المجيد، أن الأعباء لا تَقتَصِرُ على الرسوم الدراسية، بل تَشملُ أيضاً المصروفات اليومية مثل تكاليف الترحيل والغذاء، في وقت تعاني فيه الأُسَرُ من شُحِّ السيولة النقدية. كما أشار إلى أن قطوعات الكهرباء المُتكرِّرة، وبُعد المسافات بين المنازل والمدارس، قد أسهَمَا في إضعاف قُدرة الطلاب على التحصيل الدراسي. ورغم هذه الظروف، أكد أن أولياء الأمور والطلاب، يَبذلون أقصى ما لديهم من جهد لتجاوز التحدِّيات، خاصة في ظل غياب امتحانات الشهادة في العام المقبل، بسبب إضافة سنةٍ جديدةٍ على السنوات الدِّراسية، بعد تعديل المراحل، لتكون ثلاثاً (ابتدائي، متوسط، ثانوي)، بدلاً عن اثنتين (أساس، ثانوي)، ما يجعل من هذا العام فُرصةً حاسمةً بالنسبة للطلاب، بحسب قوله.
ويَتحدَّث المُعلِّمُ عن مُعاناة كبيرة واجهتهم خلال رحلة النزوح من دارفور إلى الولايات الآمنة، خاصة بالنسبة للطلاب في أعمار مُعيَّنة، في ظلِّ القيود المَفروضة في مَناطق سيطرة الدعم السريع. كما يَلفتُ إلى أن العام الدراسي كان طويلاً وغير مُنتظم، إذ بدأ بالقضارف في 28 أبريل من العام الماضي 2025، ما زادَ من الأعباء على الأُسَر والضغط على الطّلّاب.
ويَختم المُعلِّم بالإشارة إلى أن التحديات لا تزال مُستمرَّة، خاصَّة في ما يتعلَّق بتوفير رسوم الامتحانات، وتبلغ 120 ألف جنيه، واستخراج أرقام الجلوس، مُؤكِّداً في الوقت ذاته، أن الطلاب أظهروا اهتماماً كبيراً بمستقبلهم وحرصاً على عدم تفويت هذه الفرصة، خوفاً من أيِّ تعطيل أو تأخير قد يُؤثّر على مسارهم التعليمي.
ووصفَ أحدُ أولياء الأمور في ولاية سنار، في حديثه لـ «أتَر»، أوضاع المدارس بأنها مُتدهورة على نحوٍ عامٍّ، مع تحسُّن نسبي يَقتصر على بعض المدارس الخاصَّة. ويُشير إلى أن الظروف التي تمرُّ بها البلاد أدَّت إلى انقطاع عدد كبير من الطلاب عن الدراسة، حيث اضطر كثيرون إلى ترك التعليم والتوجُّه إلى العمل أو الانخراط في المسؤوليات المنزلية.
وقال إن توفر طبعات المناهج التعليمية بات مُرتبطاً بالقدرة المالية، إذ أصبحت مُتاحةً فقط لمن يستطيع تحمُّل تكلفتها، في ظل ارتفاع الأسعار، لافتاً إلى أن مُشكلات الكهرباء لا تزال تؤثر على العملية التعليمية، رغم لجوء بعض الأسر إلى بدائل مثل الطاقة الشمسية، بينما تبقى هذه الحلول خارج مُتناول العديد من الأُسَر محدودة الدخل.
وأكد أن الأعباء المالية تُمثِّل التحدِّي الأكبر، إذ تجد الأسر نفسها أمام التزامات مُتعدِّدة بين نفقات المعيشة وتكاليف التعليم والدروس الإضافية، ما يجعل الاستمرار في تعليم الأبناء أمراً بالغ الصعوبة، وأضاف أن استمرار الطلاب في الدراسة بات يعتمد على دافعهم الشخصي، إذ يُواصل من لديه الرغبة، بينما يَنسحب آخرون تحت وطأة الظروف.
الرسوم الدراسية مُرتفعة بنحوٍ يَفوق القُدرة، خاصَّةً بالنسبة لأُسرة نازحة، وتبلغ 300 ألف جنيه للطالب في السنة، وهي رسومٌ تَطلبها إدارات المدارس الحكومية للتَّسيير.
وأوضح أنه عاد مع أسرته إلى ولايته – سنار – بعد فترة قضاها في الولاية الشمالية، مُشيراً إلى أن العام الدراسي، رغم طوله، أتاح لبعض الطلاب فرصة للاستفادة من الوقت واستدراك ما فاتهم. كما يؤكد أنهم التحقوا بالدراسة منذ بدايتها، رغم التحديات التي واجهتهم.
وفي ما يتعلق بالمُستقبل، عبَّرَ عن قلقه من المرحلة الجامعية، وما تتطلَّبُه من تكاليف إضافية، لافتاً إلى أن تجاوز هذه المرحلة الدراسية الحالية يُمثل تحدّياً في حدِّ ذاته، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، مُعرباً عن أمله في أن يتمكَّن الطلاب من مواصلة تعليمهم رغم العقبات.
وفي ذات السياق، تقول سعاد محمد، التي نَزَحتْ من إحدى قرى شمال دارفور إلى أم درمان، في حديثها لـ«أتَر»، إن أوضاع الأُسَر في ظل امتحانات الشهادة السودانية «صعبة للغاية»، مُشيرةً إلى أن الحصول على المناهج التعليمية يُمثِّل تحدّياً كبيراً في ظل نُدرتها وارتفاع تكلفتها. وتُوضِّح أن انقطاع الكهرباء المُتكرِّر يزيد من تعقيد الوضع، إلا أنهم يُحاولون التكيُّفَ عبر استخدام بدائل محدودة لتسيير أمور الدراسة.
وأضافت أن الرسوم الدراسية مُرتفعة بنحوٍ يَفوق القُدرة، خاصَّةً بالنسبة لأُسرة نازحة، وتبلغ 300 ألف جنيه للطالب في السنة، وهي رسومٌ تَطلبها إدارات المدارس الحكومية للتَّسيير، إضافةً إلى تكاليف حصص التقوية اليومية، إلا أنهم اضطروا إلى دفعها جميعها، إلى جانب رسوم الامتحانات التي وصفتها بالمرتفعة، فضلاً عن تكاليف الدورات التعليمية، في محاولة لتوفير بيئة مُناسبة تُساعد أبناءهم على الاستعداد للامتحانات.
وتُشير إلى أنهم كانوا يقيمون في إحدى قرى شمال دارفور، لكن مع استئناف عمل المدارس في مناطق سيطرة الجيش، اضطرُّوا للسفر إلى أم درمان – منطقة الثورة. وتُوضِّح أنها أرسلت ابنتها في وقتٍ مُبكِّرٍ حتى تتمكَّن من الالتحاق بالمدرسة، حيث وصلت بعد بداية العام الدراسي بعِدَّة أشهر، لكنها تمكَّنت من اللحاق بالدراسة ومُواصلة عامها الدراسي. وبعد ذلك، تمكَّنَت الأم من توفيق أوضاعها واللَّحاق بابنتها مع بقية إخوتها.
وتلفت إلى أن من أبرز الصعوبات التي واجهتهم غياب البيئة المُناسبة للمُذاكرة، إذ فرضت ظروف النزوح عليهم الإقامة مع أسرة كبيرة داخل منزل ضيق، مع وجود قدر كبير من الضوضاء، ما يؤثر على تركيز ابنتها. ورغم ذلك، تُؤكِّد أن ابنتها تُواصل الدراسة وتحاول تجاوز هذه التحديات، على أمل تحقيق نتيجة جيدة.
مُتحدِّثة لـ«أتَر»، تقول إيلاف إسماعيل، شقيقة ثلاث طالبات يجلسن لامتحانات الشهادة السودانية، إن شقيقاتها قدمن من ضواحي جنوب دارفور إلى مدينة عطبرة، حيث واجهن أوضاعاً صعبة، واضطَّررن إلى البقاء في داخلية، لأنهن ليس لديهن معارف أو أقرباء هنالك، ما اضطرهن لاحقاً للانتقال إلى أم درمان من أجل الجلوس للامتحانات. وتُشير إلى أن أبرز التحديات التي تواجههنَّ تتمثَّل في عدم الاستقرار الناتج عن النزوح، مُوضحةً أن الأسرة اضطرَّت إلى بيع ممتلكاتها لتغطية تكاليف الرحلة والوصول.
وأضافت أن شقيقاتها جلسن لامتحانات الشهادة السودانية في العام الماضي بعد مُعاناة كبيرة وتحمُّل مشاق ومخاطر الطريق، إلا أن نتيجتهن جاءت بالرسوب وتعزوها إلى ما وصفته بـ«التلاعب الذي شابَ امتحانات العام الماضي»، مُشيرةً إلى أن النتيجة لم تكن مُعبِّرة عن مستواهن الحقيقي.
وتُتابع أنهن عُدن إلى دارفور بعد تلك الامتحانات، دون توقُّعٍ للرسوب، لكنهنّ اضطررن للعودة مُجدَّداً هذا العام من أجل اللحاق بالامتحانات. وتُوضِّح أن الأسرة بأكملها انتقلت هذه المرة إلى أم درمان، نظراً لوجود طلاب آخرين في مراحل دراسية مُختلفة، ما دفعهم لاتخاذ قرار الاستقرار بدلاً من التنقل المُستمرِّ بين الولايات.
ولفتت إلى أن الحرب وتوقُّف العملية التعليمية في دارفور، قد أدَّيا إلى دراسة أخواتها الثلاث مُختلفات العمر في نفس المرحلة. وتُعرب عن أملها في أن تُولي الجهات المُختصَّة اهتماماً أكبر بنتائج هذا العام، وأن لا تتكرَّر الإشكالات التي صاحبت امتحانات العام السابق.
تُختتم هذه المشاهد المتداخلة حول واقع التعليم في السودان بسؤال مفتوح يفرضه تطور المشهد الميداني في دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، حيث تُسيطر قوات الدعم السريع على مساحات واسعة، وتَفرض قيوداً على حركة الطلاب، بما في ذلك منعهم من السفر إلى مناطق سيطرة الجيش لأداء امتحانات الشهادة السودانية.



