أعلنت وزارة التعليم والتربية الوطنية في السودان بتاريخ 13 مارس الماضي، ضوابط للجلوس لامتحانَي الشهادتين الابتدائية والمتوسطة، وفق خطابٍ رسميٍّ. وبحسب الخطاب، فقد تقرَّر أن يكون الحدُّ الأدنى لعمر التلميذ الجالس لامتحان الشهادة الابتدائية (11) سنة، مع ضرورة إرفاق الرَّقم الوطني أو شهادة الميلاد أو شهادة التَّسنين ضمنَ المُستندات المطلوبة للتسجيل. ويسري هذا القرار على جميع الولايات بالسودان ومراكز الامتحانات بالخارج.
أما بالنسبة لامتحان الشهادة المتوسطة، فقد حدَّدَت الوزارة العمر بـ 14 سنة حدَّاً أدنى، إضافة إلى اشتراط الحصول على شهادة المرحلة الابتدائية للعام 2023 بنجاح، إلى جانب تقديم الرقم الوطني أو شهادة الميلاد أو شهادة التسنين، فضلاً عن الإفادة المُعتَمدة من الجهات المختصة.
ويَرَى بعض المعلمين، الذين تحدَّثَ معهم مراسل «أتَر»، أن هناك مُمارسات داخل بعض المدارس أسهمت في انتشار ظاهرة تجاوز الصفوف الدراسية. يُؤيِّدُ ذلك إفاداتٌ من أولياء الأمور، من الأُمَّهات والآباء الذين قابَلهم المُراسل، ممّن يَرون أن اضطراب النظام الدراسي بعد الحرب، قد أسهم في تأخير أبنائهم وبناتهم من الطلاب، ما عزَّزَ الرغبة في تسجيلهم في سنوات دراسية مُتقدِّمة.
ماذا يقول المُعلِّمون؟
هذا القرار ليس جديداً كما يعتقد الكثيرون، وإنما هو تذكيرٌ بمُتطلَّبات وسياسات الوزارة التي تتَّبعها منذ سنوات. وصدوره في هذا التوقيت جاء بسبب التغيُّر الذي طرأ على النظام التعليمي في السودان، إضافة إلى ظاهرة الانتقال من صف إلى آخر دون امتحانات أو تجاوز الفصول الدراسية التي تحدُث في كثيرٍ من المدارس.
وفي حديثه لـ«أتَر»، علَّقَ خبيرٌ تربويُّ يَعمل بوزارة التعليم والتربية الوطنية الاتحادية – فضَّل عدم ذكر اسمه – على القرار قائلاً إن هذا القرار ليس جديداً كما يعتقد الكثيرون، وإنما هو تذكيرٌ بمُتطلَّبات وسياسات الوزارة التي تتَّبعها منذ سنوات. وأضاف أن صدوره في هذا التوقيت جاء بسبب التغيُّر الذي طرأ على النظام التعليمي في السودان، إضافة إلى ظاهرة الانتقال من صف إلى آخر دون امتحانات أو تجاوز الفصول الدراسية التي تحدُث في كثيرٍ من المدارس.
أما بالنسبة لقرار الوزارة في 2023 الذي قضى بإلغاء جميع امتحانات النقل للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، فأوضح أن الوزارة تمتلك جميع بيانات التلاميذ في المرحلتين وقادرة على توفيق الأوضاع عبر منح التلاميذ إفادات من المدارس التي درسوا بها.
وأشار إلى أن القرارَ ذو صلةٍ وثيقةٍ بوزارة التربية والتعليم في ولاية الجزيرة، موضحاً أن التلاميذ قبل الحرب كانوا يجلسون لامتحانات المرحلة الابتدائية أو المتوسطة وفق تقويم ولاية الخرطوم، وهو ما أضحى مُتعذّراً خلال فترة الحرب، لذا جرى التنسيق لاحقاً مع ولاية نهر النيل لاستكمال الإجراءات واستخراج الإفادات في الدامر. أما هذا العام، ومع تقدُّم ولاية نهر النيل في التقويم الدراسي، اتَّجهت الوزارة الاتحادية للتنسيق مع ولاية الجزيرة وتعميم القرار على السفارات والقنصليات السودانية بالخارج.
وفي زيارة لوزارة التربية والتوجيه بولاية كسلا، التقت «أتَر»، بمدير إحدى الإدارات المهمة بالوزارة – فضَّل حجب اسمه – وقال إنهم اطلعوا على القرار عبر الإنترنت فقط، ولم تصلهم حتى الآن أي نسخة رسمية من الخطاب. وأضاف أن مثل هذه القرارات عادةً ما يَجري تعميمها عبر أمانة حكومة الولاية، لكنهم سيعملون بموجهات القرار فور وصوله رسمياً، داعياً أولياء الأمور إلى توفيق أوضاعهم.
مُتحدِّثاً لـ«أتَر»، يقول مدير إحدى مدارس المرحلة المتوسطة بغرب القاش بولاية كسلا – فضَّل حجب اسمه – إنه سمع بالقرار عبر التداول بين الناس ومواقع التواصل الاجتماعي، ولا يدري ما إذا كان سيجري العمل به أم لا، خاصةً أن عملية التسجيل لامتحان المرحلة المتوسطة المُقرَّر انعقاده بنهاية مارس ما زالت مُستمرَّة. وأضاف أنه لم يتلقَّ بدوره، أي مخاطبة رسمية من الوزارة بشأن تطبيق القرار، مُعرباً عن قلقه من صدوره بنحوٍ مُفاجئ؛ لكنه نبَّهَ في الوقت نفسه إلى التجاوزات التي تحدث في بعض المدارس عبر التحايل لتعجيل المرور على السلم التعليمي بتخطي سنة دراسية أو أكثر، الأمر الذي قد يؤدي إلى انخفاض التحصيل الأكاديمي وتعقيد العملية التعليمية.
![]()
الجدير بالذكر أن وزارة التربية والتوجيه الاتحادية، قد شهدت تحديثات عديدة لاسمها؛ فكانت تُعرف حتى العام 2019 بوزارة التربية والتعليم، ثم تغيَّرَ الاسم إلى وزارة التربية والتوجيه، ومؤخراً في العام 2025 أُطلق عليها رسمياً وزارة التعليم والتربية الوطنية، دون صدور بيان رسمي يُوضِّح أسباب هذه التّغييرات.
كما أن الوزارة لا تمتلك حساباً موثقاً بالعلامة الزرقاء على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يُثير الشك في كثير من القرارات التي يجري تداولها عبر الإنترنت دون تعميم رسمي. وتوجد عشرات الصفحات على موقع فيسبوك تحمل أسماء مشابهة مثل «وزارة التربية والتوجيه» أو «وزارة التربية»، ويتراوح عدد متابعيها بين 25 و75 ألف متابع، رغم أنها صفحات غير رسمية.
ولم يكن هذا هو القرار الوحيد الذي أثار الجدل في الفترة الأخيرة؛ ففي أغسطس 2023 صدر قرار وزاري من وزير التربية والتعليم المُكلَّف، والذي قضى بإلغاء امتحانات الشهادة الابتدائية وامتحانات النقل لمرحلتي التعليم الابتدائي والمتوسط في الولايات المتأثرة بالحرب، مُراعاةً للظروف التي تمر بها البلاد، على الرغم من أن كثيراً من التلاميذ لا يمتلكون شهادات رسمية، رغم أن هذه الشهادات أصبحت في عام 2026 أحد أهم مُتطلَّبات التسجيل للامتحانات.
كما أصدرت وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم – الإدارة العامة للتعليم الخاص – قراراً إدارياً يَقضي بمنع الاختلاط بين البنين والبنات في جميع المدارس الخاصة بمراحلها المختلفة، ومنح المدارس مهلة عشرين يوماً لتوفيق أوضاعها، على أن يجري إلغاء تصديق أي مدرسة لا تلتزم بالقرار وفقاً لقانون تنظيم التعليم الخاص.
ماذا يقول أولياء الأمور؟
إن السبب الرئيس في محاولتي إدخال ابني إلى امتحان الشهادة الابتدائية مُبكّراً هو التوقُّف الذي حدث في الدراسة أثناء فترات النزوح والتنقُّل بين الولايات، وعلى الرغم من أن ابني يدرس حالياً في الصف الخامس، إلا أنني أفضل لو تمكَّن من الجلوس لامتحان الشهادة الابتدائية مُباشرةً حتى لا يُضيّع مزيداً من الزمن.
متحدثاً لـ«أتَر»، يقول عبد الرحمن الأمين، وهو نازح يقيم بولاية كسلا وأبٌ لأربعة أطفال في المراحل الدراسية، إن الظروف التي فرَضَتْها الحربُ والنزوحُ دفعته لمحاولة تجاوز بعض المراحل الدراسية، لتقليل ما أطلَقَ عليه الفاقد التعليمي وضمان مستقبل أبنائه. وأضاف أن السبب الرئيس في محاولته إدخال ابنه إلى امتحان الشهادة الابتدائية مُبكّراً هو التوقُّف الذي حدث في الدراسة أثناء فترات النزوح والتنقُّل بين الولايات، على الرغم من أن ابنه يدرس حالياً في الصف الخامس، لكنه كان يُفضِّلُ لو تمكَّن من الجلوس لامتحان الشهادة الابتدائية مُباشرةً حتى لا يُضيّع مزيداً من الزمن – بحسب تعبيره. ويشير إلى أن عودتهم إلى الولاية التي جاءوا منها قد تتزامن مع نهاية العام الدراسي، ما قد يضطرُّ ابنه للانتظار فترة طويلة قبل الالتحاق بمرحلة جديدة، لذلك حاول تسجيله للامتحان النهائي مباشرة.
وتقول لُبنى، وهي أم لأربعة أطفال في المراحل الدراسية، تسكن بحي العمال بمدينة كسلا، إن تحديد العمر أثَّر على ابنتها التي كانت تستعدُّ للجلوس لامتحان المرحلة المتوسطة هذا العام، لكنها من مواليد 2012، أي أقل من العمر المُحدَّد. وتضيف في حديثها لـ«أتَر»، أن ابنتها حصلت على 260 درجة في الامتحان التجريبي وكانت مُتحمِّسة لخوض الامتحان مع زميلاتها، إلا أن القرار أصابها بإحباط شديد.
وفي سياق متصل، تقول عفاف، وهي أم تقيم في ولاية كسلا، لـ«أتَر»، إنها حاولت تسجيل ابنتها للامتحان هذا العام، لأن اجتيازها للامتحان بنجاح سيُوفِّر على الأسرة تكاليف عام دراسي كامل. وتُضيف أنه حتى في حال عدم النجاح، فإن ابنتها ما زالت صغيرة ويمكنها إعادة الامتحان لاحقاً، خاصة أن المُقرَّر سيكون مألوفاً بالنسبة لها؛ لكنها تُشير إلى أن القرار الجديد جعل جميع هذه المحاولات غير مُجدية.
سبب آخر: مدارس ترغب في التَّميُّز!
من جانب آخر، يقول الأستاذ سيف الدين محمود، الذي يعمل في مدرسة خاصة بولاية كسلا، إن إدارات المدارس غالباً ما تُركِّز في بداية العام الدراسي على التلاميذ المُميَّزين الذين يُمكِنُ أن يُحقِّقوا نتائج مرتفعة في الامتحانات، لأن نجاحهم يَنعكس على سُمعة المدرسة. ويُضيف في حديثه لـ«أتر»، أنه في حال كان مستوى التلاميذ المرشحين لامتحان الشهادة الابتدائية أو المتوسطة ضعيفاً، يلجأ بعض المُعلِّمين إلى دعم الصف المُحدَّد بتلاميذ من صفوف أدنى لكن بمستوى دراسي أعلى، أو تجهيزهم مُبكِّراً عبر تجاوز سنة دراسية، وذلك بهدف رفع نسبة النجاح في المدرسة.
ويقول الأستاذ حسن محمد، وهو معلم بإحدى مدارس الولاية بالضفة الغربية لنهر القاش في كسلا، إن القرار أصاب كثيراً من الأسر بالقلق، خاصة أولئك الذين لم يقرروا العودة الطوعية إلى الخرطوم بسبب امتحانات أبنائهم. وأضاف في حديثه لـ«أتَر»، أن الاعتراض لا يتعلَّق بمضمون القرار بقدر ما يرتبط بتوقيت صدوره.
في المقابل، يرى الأستاذ فكي عوض حجاج، مدير التعليم بالمرحلة الابتدائية بمحلية ريفي كسلا، أن مثل هذه القرارات ضروريٌّ لضبط سير العملية التعليمية والتعامل مع ملف التعليم باعتباره أحد الملفات المُهمَّة التي تُسهم في عملية البناء ودفع عجلة التنمية. وأضاف في حديثه لـ«أتَر»، أن المحلية تعاملت مع إعلان الوزارة لمُتطلَّبات الجلوس للامتحانات بكُلِّ مهنية واحترافية، وعملت إدارة التعليم على تزويد أولياء الأمور بجميع المعلومات وتسهيل الإجراءات المُتعلِّقة بالتسجيل.
رؤية تربوية
مُتحدِّثاً لـ«أتَر»، يقول الخبير التربوي، النجومي عبد الرحمن، إن تحديد عمر التلاميذ لكل مرحلة جاء بناءً على دراسة تربويين وتضافر جهود خبراء سودانيين في مجال التعليم. ويضيف: «مرَّ السودان بفترات تطوير عديدة في السلم التعليمي وتحديد ساعات الدراسة وعدد الأيام الدراسية لكُلِّ مرحلة، منذ تأسيس معهد بخت الرضا في عام 1934م على يد (مستر غريفيث). وجميع هذه المُحدِّدات تأتي بحسب سياسة الدولة تجاه التعليم وبعد دراسات مُعمَّقة للبيئة ومستوى فهم التلاميذ، لذا فإن لكل دولة سياساتها المختلفة»؛ مُشيراً إلى أن مجال التعليم في السودان يشهد تطوُّرات مثل إعادة السلم التعليم القديم (الابتدائية، المتوسطة، والثانوية)، الذي أُقِرَّ في مؤتمر التعليم في السودان 2012.
وحذَّر الخبير التربوي من انتشار ظاهرة تخطِّي التلاميذ للفصول الدراسية أو نقلهم إلى مرحلة أعلى من أعمارهم، لأن التلميذ يكون قد درس ساعات دراسية أقل، ما سيَنعكِسُ سلباً على تحصيله الأكاديمي في المراحل المُقبلة، كما أن المُقرَّرات مُرتبطةٌ ببعضها وتعتمد بنحوٍ أساسي على المعلومات التّراكمية، ما يجعل تخطي السنوات الدراسية سبباً في نقص معرفي في جوانب عدّة.


