أتر

قلمٌ متنقل

«أريد أن أبدأ من جديد، لكن.. أريدها أن تكون البداية الأخيرة»، هكذا قالها مازن، الطالب في الصفّ الثالث الابتدائي، الذي تنقل بين المدارس كثيراً بعد الحرب، بسبب النزوح المُتكرِّر لأُسرته. كانت عبارتُه هذه تعبيراً عن رغبته في الاستقرار، وجاءت نتاجاً لترحاله الطويل بين قُرى الولاية الشمالية، التي جاءَ إليها نازحاً من الخرطوم. توقّف مازن عن الدراسة لفترةٍ طويلةٍ بعد اندلاع الحرب، قضى سنةً كاملةً في التِّرحال واللعب، اكتشفَ فيها طُرُقاً جديدةً للتَّسلية مع أقرانٍ مُختلفين في طباعهم.

كان مازن بارعاً في تكوين الصداقات الجديدة والتَّأقلم؛ يلعب بين الجناين أحياناً، وداخل المنازل المُغلقة أحياناً أخرى، بحسب ما تفرضه عليه رحلته. لكنّ عودة التعليم، حين أشرقت بجهودٍ من أهالي مدينة نوري، الذين تطوّعوا لنفض الغبار عن كراسي الدراسة وإعادة الحياة إلى القلم، كانت نبضاً جديداً يدعو كلَّ من ابتعد إلى العودة إلى نوري والاستقرار قرب حركة الدفاتر.

افتُتحت دورةٌ تعليميةٌ طوعيةٌ (كورس تقوية وتعليم لمناهج نور البيان) في أكتوبر 2023 بنوري، ضمن حملةٍ لإحياء القراءة والكتابة في المنطقة، بالتعاون بين مدرسة الباجور ومجموعةٍ من المتطوعين، بعد أن سمحت الأستاذة أمينة، مديرة المدرسة، باستخدام مبانيها لإقامة الدورة. حينها، كان أطفال المنطقة، المقيمون منهم والنازحون، قد انقطعوا عن الدراسة لما يقارب سبعة أشهر، فتشجّع عددٌ من المُعلِّمين وطلبة الجامعات وأولياء الأمور، وبذلوا جهدهم وأموالهم لصيانة المقاعد والسبورات، حتى تستوعبَ أعداداً أكبر مما كانت تحويه المدرسة سابقاً.

وعلى غير المُتوقَّع، توافَدَ الطلاب من مناطق بعيدة، وتجمّعوا يوم الافتتاح، وبدا على الشوارع طابع «العيد»، إذ حضر الأطفال بأزياءٍ مبهجةٍ مع ذويهم في الصباح الباكر مُتحمِّسين، ليعودوا إلى مقاعدهم التي استقبلتهم بحفاوة.

كان مازن يتنقّل بين «أمري» و«نوري» القريبتين من بعضهما، لكنّ افتتاح الدورة اضطره إلى الاستقرار مع خالته في نوري لفترة وجيزة. يقول: «بحضّر ملابسي براي، وبرجع أهتم بكتابتي، حتى لو أمي ما معاي. وأخوي برضو عندو شنطة محضّر فيها نفسو لأسبوع كامل». كانت كلماته تعكس تعلّمه الاعتماد على نفسه، وإدراكه المبكر لمسؤوليته تجاه تعليمه، في وقت لم يكن فيه استئناف الدراسة الرسمية أمراً متوقعاً. ففي تلك الفترة، لم تُصدِر وزارة التعليم أيّ مؤشراتٍ واضحةٍ حول موعد استئناف الدراسة، ما أثار قلق الأمهات على مستقبل أبنائهن. وكانت العبارة تتردد: «لو وِقْفوا كتير من القراية، حينسوا القديم، وتصعب عليهم الرجعة، وبتحلى ليهم القعدة واللعب طول اليوم».

لم تشمل الدورة جميع المواد، وركّزت على اللغة العربية والقراءة الصحيحة وتلاوة القرآن، ثم توسّعت لاحقاً لتشمل اللغة الإنجليزية والرياضيات. ورغم ذلك، أصرّ مازن على البقاء حيث توجد «واجبات». لكن رحلته لم تتوقف، إذ انتقل لاحقاً إلى إحدى الخلاوي في مدينة «أمري» حيث بدأت مبادراتٌ مشابهة، ثمّ استقرّ والداه أخيراً في مدينة مروي مع بداية العام الدراسي وافتتاح المدارس الرسمية. هناك، بدأ مازن تكوين صداقاتٍ جديدة، بعد أن ترك خلفه صداقاتٍ أخرى في قريتين.

واليوم، ومع عودة الناس إلى الخرطوم، وجد مازن نفسه يشدّ الرحال مُجدَّداً إلى منزله القديم. يقول: «عارف إنو ما حألقى أصحابي نفسهم… يمكن الجيران قاعدين. ونحن حنمشي مدرسة جديدة غير الفاتت، لأنو ديك لسه ما شغالة… ما عندي مشكلة أمشي مدرسة جديدة، لكن تكون دي آخر مرة».

أما براءة فقد أتمَّت أخيراً سنتها الأولى في المرحلة الابتدائية بعد ترحال مُتكرِّر. «عايزة أجي الأولى، لكن ما بقدر أقعد كتير من غير أمي وأبوي». لم تعرِف براءة شيئاً عن المدرسة في الخرطوم، إذ كانت على مشارف الالتحاق بالروضة عندما اندلعت الحرب، واضطرَّت بعد ذلك إلى النزوح مع أسرتها إلى نوري بالولاية الشمالية. كانت تجربة «كورس نور البيان»، أوَّلَ تجربةٍ تعليميةٍ لها، فلم يكن انتقالها منها مؤلماً بعد أن قرَّر والداها الاستقرار في كسلا شرق السودان. لكنّ الصدمة الحقيقية ظهرت لاحقاً؛ إذ أصدرت المدارس الحكومية هناك قراراً بعدم قبول الأطفال دون سنّ الثامنة في الصف الأول، بسبب الضغط الكبير من الطلّاب المتأخرين والنازحين.

لم تستوعب براءة الأمر، فهي تُجيد كتابة الحروف والقراءة بالتشكيل، وكانت تسمع دائماً أنّ المتفوقين في الروضة هم من يدخلون المدرسة، فكيف يُرفض طلبها إذن؟ بعد فترة، قرَّرت جدتها السفر إلى نوري، حيث تُقيم خالتُها، ومن هنا، وضعت الأسرة خطةً بأن تمكث براءة مع خالتها لتتمكن من الالتحاق بالمدرسة هناك. لم تتقبل براءة الفكرة بسهولة؛ كانت شديدة التعلّق بوالديها وإخوتها، وفكرة الابتعاد عنهم كانت مخيفةً لطفلة في السادسة من عمرها، فالعالم، حتى بوجودهم، لم يكن يبدو آمناً بالكامل… فكيف يكون بدونهم؟

سافرت براءة إلى نوري مُجدَّداً لتبدأ سنتها التعليمية الأولى، وتنقّلت بين منزل خالتها وجدتها، التي كانت تقضي إجازةً قصيرةً بنية العودة إلى كسلا حالما تستقر ظروف حفيدتها. لكن، صَعُبت الحياة الجديدة على براءة، وظلت تبكي كثيراً لفقدانها لوالديها، وتتحدَّث معهم عبر مكالمات الفيديو أكثر من مرَّة يومياً، دون أن تكفيها تلك الوسائل في تعويض غيابهما.

في النهاية، لم تستطع براءة إكمال عامها في نوري وتوقفت عن الدراسة بانتهاء الفصل الأول، ثم عادت إلى كسلا، وانتظرت بداية العام الدراسي الجديد، ليُدْخلَها والداها في مدرسةٍ خاصةٍ في كسلا، حيث أكملت عامها الأول هذه المرة.  

ما بين مازن وبراءة، تتكرَّر الحكاية بصيغٍ مختلفة، وجذرٍ واحد: طفلٌ أو طفلة يُجبران على التكيّف قبل أن يُجرّب الثبات. لا يسرق الترحال المكان فحسب، إنما يربك الإيقاع الداخلي للتعلّم، فالمدرسة، فوق أنها مكان لتلقي التعليم، تمثل أماناً، وعلاقاتٍ، وشعوراً بالانتماء. كيف لقلمٍ صغير، بدأ رحلته تواً، أن تروق له فكرة الكتابة وهو يشدّ رحاله ويسافر كُلَّ حين؟ وربما، حقَّ علينا بدلاً من أن نسأل هل يعود الأطفال إلى المدرسة؟ أن نسأل هل يجدون ما يكفي من الاستقرار ليبقوا فيها؟

Scroll to Top