انخرطت لجنة المعلمين السودانيين في المُبادرة القومية الطارئة لدعم امتحانات الشهادة السودانية 2026، التي دعَتْ في الثالث عشر من مارس الماضي، إلى البحث عن حلولٍ عمليَّةٍ لإلحاق الطالبات والطلاب الذين حُرموا من الجلوس للامتحانات السابقة، في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وتَنعقد امتحانات الشهادة السودانية في 13 أبريل الجاري، في مناطق سيطرة الجيش السوداني، بينما أعلنت حكومة تحالف تأسيس التي تضمُّ قوات الدعم السريع وجيش الحركة الشعبية لتحرير السودان جناح الحلو وفصائل أخرى؛ نيَّتَها تنظيمَ امتحاناتٍ للشهادة الثانوية، مُنفصلةً، داخل مناطق سيطرتها في يونيو المُقبل.
وبدلاً عن ما سبق، تأملُ عضو لجنة المعلمين السودانيين الأستاذة قَمرية عمر، في هذه المقابلة، في توصُّل طرفي الحرب، إلى اتفاق لإجراء امتحانات مُوحَّدة في جميع أنحاء البلاد، وتقول إن حرمان أي فئة من الطلاب من أداء امتحانات الشهادة السودانية، من شأنه أن يُرسِّخ الانقسام في السودان. وتُؤكِّد أن لجنة المعلمين لديها من الإمكانيات والكوادر المُؤهَّلة، ما يُمكِّنها من المساعدة في إجراء هذه الامتحانات في جميع أنحاء البلاد.
كيف يؤثر وجودكم ومساهمتكم في الدفع بأهداف المبادرة، وأهمها إجلاس الطلاب في إقليمي دارفور وكردفان للامتحان في وقت مناسب وبطرق مناسبة للطلاب؟
تكمن قوة لجنة المعلمين في ضخامة عضويتها وانتشارها في جميع ولايات السودان؛ ويُقدَّر عدد المعلمين المنخرطين فيها -وفقاً لآخر إحصائية قبل الحرب- بنحو 350 ألف معلم. إذا توافق طرفَا النزاع، وهو أمر نراه مُتاحاً، وغير مستحيل كما أوضحنا في مبادرتنا، وقياساً على اتفاقهما السابق بشأن عائدات نفط جنوب السودان؛ فإنه من المُمكن التوصُّل إلى اتفاق لإجراء امتحانات مُوحَّدة في جميع أنحاء البلاد. وبفضل انتشار عُضويَّتنا في الولايات، يُمكننا إدارة العملية التعليمية بفاعلية إذا حظيت بموافقة الأطراف، بينما تظلُّ مسؤولية التأمين والترتيبات اللوجستية على عاتق الدولة أو القُوى المسيطرة على تلك المناطق سواء في دارفور، أم النيل الأزرق، أو المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع في كردفان. إن تأثير اللجنة قويٌّ ونابعٌ من إيمان أعضائها العميق بالمُبادرة، ورؤيتهم المُشتركة بضرورة تحييد التعليم عن الصراعات السياسية، ورفض استخدام الشهادة السودانية أداةً في الحرب؛ ما يَضمن تنفيذاً سليماً وآمناً للمُبادرة. ويبقى التحدِّي الأساسي في التنسيق بين الأطراف المعنيَّة لضمان توفير المُتطلَّبات الأمنية اللَّازمة لإنجاح هذه العملية.
من وجهة نظر تربوية، كيف تنظرون إلى أثر انعقاد امتحاني شهادة ثانوية في البلاد على الطلاب وعلى العملية التعليمية على وجه العموم، إذا ما أصرت حكومتا الأمل والسلام على إجرائهما كلاً على حدة؟
حذَّرنا مُبكِّراً من ذلك، وأوصينا بضرورة توحيد الامتحانات؛ إذ إن حرمان أي فئة من الطلاب من أدائها يُرسِّخ الانقسام في السودان. ولتحقيق هدفنا في سودان مُوحَّد، يجب أن تكون الامتحانات قومية ومُوحَّدة. تملك اللجنة الإمكانيات والكوادر المؤهلة للمساعدة في إجراء هذه الامتحانات في جميع أنحاء البلاد، ولكنها لا تملك سلطة فرض ذلك بالقوة، فالأمر مرهون بتوافق طرفي الصراع. إذا اتفق الطرفان على إيقاف العمليات القتالية خلال فترة الامتحانات لضمان تأمينها وسرّيتها، فإن اللجنة مُستعدَّة تماماً لتنظيمها وفقاً للإجراءات والمعايير المطلوبة.
أتمنَّى ألا تنعقد هذه الامتحانات على هذا النحو؛ فقد شهدنا سابقاً التأثير السلبي الكبير لظروف الحرب، حيث تغيَّبَ عددٌ كبيرٌ من الطلاب عن امتحانات الشهادة السودانية. إن هذا الوضع يؤثر بنحوٍ مُباشرٍ وسلبي على الأسَر أولاً، وعلى الطلاب ثانياً؛ إذ إنّ انقطاعهم عن الدراسة لثلاث سنوات يُمثِّل تحدِّياً كبيراً وضياعاً لمُستقبلهم وأحلامهم في الالتحاق بالجامعات، خاصةً وأنّ معظمهم يَطمحون لمُساعدة أُسَرهم بعد التخرُّج. وبما أن الشهادة السودانية تعدُّ الخطوة الأساسية والشرط الضروري للالتحاق بالجامعات، سواء داخل السودان أم خارجه، وعجزهم عن أدائها يُغلق أمامهم أبواب التعليم العالي؛ فإن ذلك يترك أثراً نفسياً بالغاً على الطلاب، وكذلك على المُعلِّمين الذين يَنظرون إلى الطلاب كأبنائهم، ويشعرون بمرارة حرمانهم من مواصلة رحلتهم التعليمية. لكنْ الأثر الأكبر سيقع على الدولة ذاتها؛ فهي تقوم أساساً على سواعد شبابها الذين يُمثّلون ركيزتها الأساسية في البناء والتطوير، وبهم تنهض وتتقدَّم. فإذا حُرم هذا الكم الهائل من الشباب من فرص التعليم العام أو العالي، فإلى أين سيتجهون؟ إن النتيجة الحتمية هي أن يصبحوا وقوداً للحرب، مما يعني خسارة فادحة لأجيال متعاقبة من أبناء السودان. وهذا ينذر بمستقبل مظلم للطلاب وللبلاد؛ إذ سيجد هؤلاء الشباب أنفسهم مدفوعين نحو الانخراط في النزاعات وحمل السلاح والانضمام إلى المليشيات، خاصة مع سهولة الوصول إلى السلاح، مما قد يؤدي إلى نشوء مليشيات جديدة. إن هذا الواقع يفتح آفاقاً مجهولة ومُظلمة، ويُهدِّد مُستقبل أبنائنا وبناتنا.
هل لديكم إحصائيات دقيقة بالطلاب المحرومين من امتحان الشهادة السودانية منذ ثلاث سنوات؟ وفي أي مناطق يتركَّزون؟
لا توجد إحصائيات دقيقة، كما أنّ الدولة في ظل هذه الحرب تفتقر إلى بيانات دقيقة، وأيضاً إحصائيات المُنظَّمات تكون تقديريّة في الغالب. ونظراً لصعوبة إجراء عمليات حصر دقيقة أثناء النزاع، يعتمد الناس على تقديرات مبنيَّة على الأرقام المُتاحة قبل الحرب، وتوقُّع الأعداد الحالية.
هل فتحتم قنوات تواصل مع الجهات الرسمية والدولية في قضية التعليم؛ (وزارة التربية، اليونيسف مثالاً)؟
نحن على تواصل مُستمرٍّ مع الجهات الرسمية في وزارة التربية والتعليم، وكذلك مع مجلس السيادة عبر هذه المبادرة. كما نتواصل مع المُنظَّمات الدولية الدَّاعمة للتعليم، مثل اليونيسف واليونسكو. وتواصلنا مع الطرفين، ولكننا لم نتلقَّ حتى الآن أي رد إيجابي من أي منهما بشأن المضي قدماً في تنفيذ أعمال المبادرة.
في حال وافقت الأطراف على مبادرتكم؛ بتوحيد الامتحانات وزمنها وأن تكون في مراكز قريبة من وجود الطلاب؛ ما هي التسهيلات التي يُمكن أن تقدمها لجنة المعلمين السودانيين؟ وما توصياتكم؟
في حال جرت الموافقة على المبادرة، فإن اللجنة تمتلكُ كوادر مؤهلة مُنتشرة في مختلف المناطق، وهي قادرة بخبراتها التراكمية على إدارة العملية التعليمية وتيسيرها، بما في ذلك إجراء الامتحانات بفاعلية وكفاءة. ويتطلَّب نجاح ذلك توفير الضمانات الأمنية اللازمة، لضمان سرية الامتحانات وسلامة الطلاب أثناء تنقُّلهم من مراكز الامتحان وإليها. لقد شهدنا سابقاً معاناة الطلاب وتعرّضهم للاعتقال أو الأذى في مناطق النزاع، كما حدث في مدني ودارفور حيث فقد بعض الطلاب وأساتذتهم حياتهم. إننا نأمل في تجنيب أبنائنا الطلاب هذه المعاناة، فإذا تيسرت الإجراءات الأمنية، وضُمنت سرية الامتحانات وتوحيدها على مستوى وطني، فإن ذلك سيشكل لبنة أساسية نحو استقرار البلاد، ويمنع تحويل العملية التعليمية والشهادة السودانية إلى أداة في الصراع الدائر.
أخيراً، نتمنى أن تتوقف الحرب ويعود السودان آمناً ومستقراً، فقد أنهك الصراع الناس. ورغم إيماننا الراسخ بأهمية استمرار العملية التعليمية، إلا أن الحق في الحياة يظل أولويتنا القصوى.



