أتر

نوتة من علم الكونكا 35

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية الفنانة مروة الدولية

تشكو صفوتُنا من نادرة «الاستعمار» في السودان بأنه استعمار «مكُوجن»؛ حكم ثنائي إنقليزي مصري، بغير تبعية لوزارة المُستعمرات البريطانية. وتصوَّرَت الصفوة مثل هذه الهجنة خصيصةً سودانيةً استثنائيةً، ضمن خصائص أخرى كثيرة تعيبها على البلاد وأهلها على نبرة «ملعون أبوكي بلد». بالمقارنة، تبدو هجنة الكاميرون التي استقى منها الدكتور أشيل مْبيمِبي فلسفتَه «شُغل بختلف». فالكاميرون، المستعمرة الألمانية التي شادها المُستشار بسمارك، انتقلت بهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) إلى ولاية بريطانيا وفرنسا بقرارِ انتداب من عصبة الأمم. ويوم نالت الكاميرون الفرنسية استقلالها في 1960، انقسمت الكاميرون البريطانية، فانضمّ الجنوب المسيحي فيدرالياً إلى الكاميرون الفرنسية، بينما جرى استيعاب الشمال المسلم ضمن نيجيريا. وقامت بذلك كاميرون خاطفة لونين، بين التبعية الفرنسية والتبعية البريطانية في نظم التعليم والمال والإدارة، والكاميرون القائمة عضوٌ في كلٍّ من الكومنولث البريطاني والمنظمة الفرانكفونية، وتسري فيها الإنقليزية والفرنسية لغتَيْن رسميَّتَيْن. وبين هذين الفصَّين نشأ تيّار انفصالي لكاميرون بريطانية التبعية بلغ نشاطه في الحرب الأهلية في 2017.

صارع ضدّ هذا المصير المرتبك، وانهزم، حزبُ «اتحاد شعوب الكاميرون» الذي أُسِّس في 1948 وقام نضاله على مطلب توحيد الكاميرون البريطانية والكاميرون الفرنسية واستقلال كاميرون موحّدة تحت راية قومية؛ الحزب الذي تزعّمه البطل النقابي روبن أم نيوبه (1913-1958)، ولقي حتفه على مسألته في غمار النضال المسلّح من أجل الوحدة والاستقلال بنيران الجيش الفرنسي عند موطنه بيومنييبل. بعث المؤرّخ الكاميروني الدكتور والتر غام نكوي سيرةَ أم نيوبه البطل من ركام وسخام في فصل تربوي بعنوان «روبن أم نيوبه: متمرّد كاميروني، راديكالي ومحرّر» ضمن كتاب من تحرير الدكتورة مريم دي بروجن: «سِيَرٌ للراديكالية: رسائل مضمَرة للتغيير الاجتماعي» (دار دي غروتر أولدنبرغ، برلين/ بوسطن، 2019، ص 65 – 83).

ابتدر الدكتور غام نكوي فصله الحسن بتبخيس النظرة الغربية إلى العنف السياسي متى قام به آخرون، وقال إن هذه النظرة شاعت من باب الكيد للجهاديين الإسلاميين، لكنها لا تُغني كثيراً عند تقصّي الراديكالية في بيئتها وضمن شروط الضرورة التي فرَضَتها باباً للحرية، أي من واقعنا ما من غيره. وأخذ الدكتور غام نكوي بسيرة أم نيوبه لبيان أنّ الراديكالية التي تحضُّ على امتشاق السلاح طلباً للنصرة مُتعدّدة المشارب، ولا تكفيها دردرة مستعجلة بثوب الإسلامية، فقد قام لها مثل الجيش الفرنسي يُقطِّع شأفَتَها وهي بنت الماركسية عند مستضعَفين، كمثل ماركسية «اتحاد شعوب الكاميرون» والمرحوم روبن أم نيوبه؛ ماركسية على باب التحرّر الوطني. 

وُلد روبن أم نيوبه في قرية سونغ مْبيك ناحية بيومنييبل في إقليم ساناغا-ماريتايم من الكاميرون الفرنسية، وتلقّى تعليمه الأوّلي في مدارس الإرسالية الكنسية المشيخية، والمشيخية هذه ضرب من البروتستانتية الكالڤينية من مِلَل الكنيسة ونِحَلها، قامت أوّل أمرها في اسكُتلندا البعيدة بيَد جون نوكس في القرن السادس عشر الميلادي، وهي كنيسة شديدة الانقسام على خلافات حول تفسير «الإنجيل»، لكنْ يتّفق معظمها على سلامته مصدراً وحيداً للحقيقة، ودِين معظمهم شديد القدَرية، فالله اختار مَن اختار للهُدى واختار غيرَهم للضّلال، رُفعت الأقلام وجفّت الصُّحف. تدرَّج أم نيوبه في المدارس المشيخية في الكاميرون حتى بلَغ معهد تدريب المعلّمين في فولاسي في إقليم بولو من جنوب الكاميرون في العام 1931، لكنْ فصَلَه المعهد في عام تخرُّجه عقاباً على نشاطه السياسي، وكان قد برز آنذاك قائداً طلابيّاً. انشغل أم نيوبه أوّل عهده بالوظيفة، بالتدريس في المدارس المشيخية ذاتها التي تعلّم فيها، ثمّ التحق بسلك الموظّفين بعد أن اجتاز امتحاناً للقبول في الخدمة المدنية عام 1935. وداوَم موظّفاً على طلب العلم بالمُراسلة، فنال الجزء الأول من البكالوريا في 1939، وعُيِّن كاتباً في محكمة محلية.

لم يدرك أم نيوبه كَسْب الجامعة الغربية، فهو تعليم أهالي، على عكس أقرانه في حركات التحرّر الوطني، ناس فرانز فانون وكوامي نكروما وأميلكار كابرال وجوليوس نيريري، وظلّ لذلك وصيل الثقة بمصادر العلم في مجتمعه المحلي من جنس «عادات وتقاليد»، واكتسب خبرته بميكانيكا الاستعمار من موقع كاتب في محكمة بلدة إيديا على شط نهر سانانغا التي يعبرها خط حديد دوالا – ياوندي – نغاونديري. من هذه التجربة، ومِن حَزْم الكنيسة المشيخية في الذي تراه صواباً، بحسب رأي الدكتور غام نكوي، خرج بمثل: «إنَّ تحرُّرنا… يحتاج جهداً جباراً من جانبنا. وعندما يفكّر المرء في عهد «قانون الأهالي» [وهو الصيغة الفرنسية من الإدارة الأهلية تحت الاستعمار البريطاني] حينما كان بمقدور عمدةِ جهةٍ ما أنْ يُلقي القبض على كلّ من لا يهضمهم، أو لا يهضمهم الناظر التي يرأسه، ثم يسجنهم بغير مُحاكمة وبغير أي وسيلة للدفاع عن أنفسهم، يجد المرء نفسه مسروراً بأن يفعل كلّ شيء للنضال من أجل استقلال وطنه. وحقيقة أنّ هؤلاء الزعماء يجدون أنفسهم مضطرّين لاستعادة جميع الممارسات التي سبق وأُبطِلت، تفضح خشيتهم البالغة من تحرُّرنا».

قال أم نيوبه عن نفسه إنّه مستعدّ للموت للتخلّص من مثل هذا النظام. كانت صيغة الإدارة الأهلية التي ابتلَى بها المستعمِرون الفرنسيون أم نيوبه وأهلَه عنوانَ هذه الظلم. وبحسب هذه الصيغة، لا يَبلغ الكاميروني المواطَنة إلا كفاحاً، فهو من رعايا الفرنسيين، ووقع عليه بهذه الصيغة «القانونية» واجبُ أعمال السُّخرة عشرة أيام في السنة في أقلّ تقدير، ضريبةً نافذةً على كلّ ذكر من الرعايا. ويصعد الكاميروني من الأهالي سلّم الإنسانية بحسب اقترابه من المثال الفرنسي: المواطن هو من اجتهد لمحو نفسه الأولى وصار بالثقافة والممارسة مثيلاً للفرنسي سِيد الاسم والرعايا من الأهالي الذين تعسَّر عليهم هذا الانتقال وظلّوا على تبعيّتهم للتقاليد الموروثة فشهدوا على أنفسهم بما هم فيه من «الخَبُوب والطين». ويتمايز الاثنان كلّ التمايز أمام القانون، فالمواطن فرد تصحّ عليه العقوبة الفردية إنْ ثبت جرمه، والرعايا أقوام من الناس، قبائل وإثنيّات، أجاز القانون عقابَهم الجماعي لشرٍّ قامَ به أحدُهم. استغلّ المستعمِرون الفرنسيون مؤسّسة السُّخرة لفَرْض صيغ متباينة ومعقَّدة من العمل القسري؛ أشدّها ظلماً العمل الطويل في مزارع المستوطنين الفرنسيّين بغير أجر والأعمال المُمتدَّة في بناء السكك الحديدية.

عاش أم نيوبه وَقْع هذا الظلم على أهله من المزارعين خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين ابناً للمنطقة وترساً صغيراً في الآلة القانونية للاستعمار. ودفعته هذه التجربة لريادة الحركة النقابية في الكاميرون، الحركة التي قامت كمثيلاتها في القارّة ضمن التحوّلات التي طرأت في المستعمرات في عقابيل الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، حيث وجد المُستعمِرون أنفسَهم في مواجهة موجة من الراديكالية العمّالية ظنّوا في تيسير العمل النقابي باباً لتنفيسها. شارَك أم نيوبه، ضمن الصف الأول، في تأسيس اتحاد نقابات عمّال الكاميرون عام 1945 بعون من الحزب الشيوعي الفرنسي، وشغَل موقع مساعد سكرتيره العام، ثمّ تعاهَد وتسعة آخرون على إنشاء حزب «التجمّع الكاميروني». وكان كسبُ الاتحاد والحزب معاً سلسلةً من الإضرابات العمّالية في سبيل التحرّر الوطني، لذلك حظر الاستعمار الفرنسي نشاط «التجمّع الكاميروني» في عام نشأته 1947، فنفض الحزبُ اسمَه المحظور وقام هيكله مرةً أخرى تحت عنوان «اتحاد شعوب الكاميرون» في 10 أبريل 1948 بدستور لا يلفظ براديكاليته؛ حيلةً على القانون، لكنْ يطالب بإبطال الحدود المصطنعة بين الكاميرون الفرنسية والكاميرون البريطانية، أيْ تحقيق الوحدة، وإبطال سياسة الفرنَسَة، وتحديد أجل معلوم للانتداب الذي أقرّته عصبة الأمم، بحيث يتحقّق الاستقلال لكاميرون موحَّدة. من موقعه سكرتيراً عاماً لحزب «اتحاد شعوب الكاميرون»، خاطب أم نيوبه الجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 ديسمبر 1952 فقال:

«أقف أمامكم اليوم ممثلاً لحزب «اتحاد شعوب الكاميرون»، الحزب الوحيد الذي يمثّل شعب الكاميرون. وأنادي بالتطبيق النافذ للمبادئ التي يقوم عليها نظام الوصاية التي تقول إنّ إدارة الكاميرون يجب أن تحقِّق منفعة شعب الكاميرون. إنّ إعادة توحيد الكاميرون يجب أن تكون الخطوة الأولى في هذه العملية. لكنْ ترفض كلٌّ من بريطانيا وفرنسا الامتثال، ما يعني أنهما ترفضان التصرّف وفقاً للأهداف المعلنة لميثاق الأمم المتحدة. الكاميرون بلاد حرّة قانوناً، احتلّتها عسكرية أجنبية بعد طرد الألمان في فبراير عام 1916. لا يمثل نظام الوصاية استمراراً لنظام الانتداب. كان تقسيم الكاميرون أمراً مصطنعاً فرَضَته نتيجة الحرب العالمية الأولى واستفادت منه القوى الاستعمارية فقط…».

صاغ أم نيوبه خطابه هذا كمنشور سياسي بعنوان «ماذا تريد الكاميرون؟» وصاغ الردّ في هدفين: إعادة توحيد البلاد والاستقلال بغير تسويف، ثمّ أردف بتكتيك ديمقراطي، فطالَبَ السلطات الفرنسية، في 1954، من منبر الأمم المتحدة مرة أخرى، بتنظيم استفتاء شعبي حول الوحدة وتحديد تاريخ لنهاية الإدارة الفرنسية لبلاده. وصارت خطاباته هذه أدباً للحركة الوطنية في الكاميرون تعهّدَته ماكينات الرونيو بإعادة الطباعة، انسخ، اطبع، وزّع! فزعت السلطات الفرنسية كلَّ الفزع من شغف هذا المناضل، فاصطاد بوليسها في 1955 زوجته وعشرين آخرين من مناضلي «اتحاد شعوب الكاميرون» في هجوم على داره، واحتفظت بهم رهائن عندها لإجباره على الخضوع، بينما فرّ هو إلى ستر غابةٍ في جهة موطنه الأول بيومنييبل. صار بهذا التستّر «متمرّداً» وأوعزت السلطات الفرنسية للكنيسة الكاثوليكية بأن تشنّ من ناحيتها حملةً لإدانة «اتحاد شعوب الكاميرون» باعتباره منظمة شيوعية معادية للدِّين، وقد كان. تولَّى كِبْر هذه الحملة الطبيب الفرنسي، المولود في الجزائر، لويس-باول أجولات، زعيم الكتلة الديمقراطية الكاميرونية، وهي حزب كاثوليكي شُغْله المطالبة باستمرار الاستعمار الفرنسي للكاميرون. هيّجت الكنيسة الكاثوليكية العداء للاستقلال في ثوب العداء للشيوعية، وصار هذا التدليس عنفاً بين أنصار حزب «اتحاد شعوب الكاميرون» وخصومهم.

استثمرت السلطات الاستعمارية هذا العنف لحظر نشاط حزب «اتحاد شعوب الكاميرون» في 1955، فقاوم عناصرُه ما استطاعوا، وانتهت المواجهات بقتل العشرات بعد تدخّل القوات الفرنسية قادمةً من الكونغو. انسحب عناصر «اتحاد شعوب الكاميرون» الأشدّ راديكاليةً برفقة زعيمهم إلى ستر غابة بيومنييبل، بينما توزَّع أعلام الحزب الآخرون بين المَهاجر، بعضُهم في غينيا كوناكري وبعضهم في مصر. لكنْ ظلّ أم نيوبه على عُهدته في غابة بيومنييبل، وهناك لقي حتفه؛ قتله عميل اسمه بول عبد الله برصاصة في الظَّهر يوم 13 سبتمبر 1958.

للإحاطة بمثل هذا الضرب من العنف المعقَّد متعدّد الطبقات والصور؛ العنف الذي به تشكّلت في مقابل أمل «اتحاد شعوب الكاميرون» شظايا قاتلةٌ للاجتماع في الكاميرون الألمانية البريطانية الفرنسية، وَجَد الدكتور أشيل مبيمبي ضالّتَه في تقنيات المدرسة «الوحشية» في المعمار. واستورَد هذا المصطلح من فكر المعمار، لكشف الكيفية المحسوسة، ووسيطها الأيديولوجي، التي ينازع بها أهلٌ في ساحلٍ أفريقيٍّ بعضهم بعضاً بالسيف والنار على شفرة الفرانكفونية والأنقلوفونية: يا أنقلوفوني يا بغيض، وفرانكفوني وافتخر. فما «الوحشية» في معمار الناس؟

يُتبع…

Scroll to Top