«في عمقِ نفقٍ تحت «حقل الأناناس» – مصنع سابق للطائرات يعود إلى حقبة بيرل هاربور – جلستُ أمام محطَّةٍ أملك من خلالها وصولاً شبه غير محدود إلى اتصالات كلّ رجل وامرأة وطفل على وجه الأرضِ تقريباً ممّن سبق لهم أن أجروا مكالمة هاتفية أو لمسوا جهاز حاسوب».
إدوارد سنودن، «السجلّ الدائم»
كشفت تلك اللحظة الحجمَ الحقيقي للمراقبة الحديثة: أنّ الحكومات قد تمتلك سجلّات عن معظم سكّان الكوكب. غير أنّ ما كشفه سنودن لم يكن سوى قمة جبل الجليد.
وبينما يبدأ الذكاء الاصطناعي في إعادة تعريف «المراقبة»، فإنه لا يُوسِّع نطاقها فحسب، بل يُغير طبيعة ما يمكن فعله بها. إنه يفتح الباب لإمكان أن تتحوّل الأنظمة التي كانت تُستخدم للملاحظة لتصبح أدوات لاتخاذ القرار، فلا تكتفي بتشكيل المعلومات، إنما تمتد لتشكيل الفعل ذاته. تطرح هذه التحوّلات أسئلة بدهية: كيف تُستخدَم بياناتنا الخاصة؟ والأهمّ، ما القانون – إنْ وُجِد – الذي يحميها من أن تُستغَلّ من قِبل حكومات، أجنبية كانت أم محلية، دون موافقتنا؟
بعد أن صَنَّف البتاغون شركة «أنثروبيك» باعتبارها «خطراً على سلسلة التوريد»، تناوَل مديرها التنفيذي، داريو أمودي، التوتّر المتصاعد بين الذكاء الاصطناعي والاستخدام العسكري. وفي بيان رسمي، أشار إلى أنّ أنظمة مثل «كلود» قد استُخدِمت بالفعل في تحليلات عسكرية داعمة للعمليات. لكنّه حذّر في الوقتِ ذاته من حدودٍ واضحة، وصرَّح قائلاً: «نعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يُقوِّض القيم الديمقراطية بدلاً من أن يحميها. كما أنّ بعض الاستخدامات تتجاوز ببساطة حدود ما يمكن للتكنولوجيا الحالية أن تنفذه بأمان وموثوقية». وأشار إلى أنّ ثمة استخدامين يجب أن يظلَّا خارج هذا النطاق: المراقبة الداخلية الجماعية، والأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.
يُردّد هذا التحذير صدى ما كشفه سنودن سابقاً.
لكنّ القلق اليوم لم يعُد مقتصراً على الوصول إلى المعلومات، بل يمتدّ إلى ما يُفعل بها. إذا كانت المراقبة قد ميّزت العقد الماضي، فإنّ دمج الذكاء الاصطناعي فيها قد يُحدّد ملامح العقد القادم؛ حين تتداخل المراقبة مع القرار، والبيانات مع الفعل.
ورغم وجود قوانين في بعض الدول لحماية خصوصية المواطنين، مثل قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA) في الولايات المتحدة، وقانون سلطات التحقيق لعام 2016 في المملكة المتحدة، فإنّ خصوصية بقية العالم تظلّ في مهبّ الريح. وكما أشار سنودن، فإنّ قدراً كبيراً من هذه البيانات «مُخزَّن في خوادم ما، بانتظار التحليل». وفضلاً عن ذلك، فإنّ الدولة التي تُهيمن على العديد من الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي والإنترنت تُطبِّق أطرَها القانونية على نحوٍ مختلف على من هم خارج حدودها. فقد أوضح سنودن أن المادة 702 من تعديلات قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية تُتيح لمجتمع الاستخبارات استهداف أشخاص غير أمريكيين يقيمون في الخارج، يُعتقد أنهم قد يملكون «معلومات استخبارية أجنبية»، وهو تصنيف واسع قد يشمل صحافيين، وموظفين في شركات، وأكاديميين، وعاملين في المجال الإنساني، وغيرهم ممن لا صلة لهم بأي مخالفة. وقد استُخدِمت هذه الصلاحيات لتبرير برامج مراقبة الإنترنت واسعة النطاق، مثل «بريزم»، وجمع البيانات عبر القنوات المباشرة.
يُتيح برنامج «بريزم» لوكالة الأمن القومي جمع البيانات من منصّات التكنولوجيا الكُبرى التي يملك المُستخدمون حساباتٍ عليها، مثل «قوقل» و«فيسبوك»، بما في ذلك الاتصالات والبيانات الوصفية. ومع تنامي دَور الذكاء الاصطناعي، تتسع إمكانات استخدام هذه البيانات، ما يُثير تساؤلات لا تقتصر على مواقع الأفراد فحسب، بل تمتد إلى كيفية تفسير سلوكهم أو التنبؤ به.
إلى هذا، تصف البروفيسورة شوشانا زوبوف هذا الموقع بمفهوم «الفائض السلوكي»، أي أنّ السلوك البشري يُجمَع باستمرار ويُحلَّل ويُستخدَم من قِبل أطراف ثالثة، غالباً لأغراض تتجاوز إدراك أولئك الأفراد أو سيطرتهم.
وقد أظهرت تسريبات سنودن أنّ هذا النظام ليس نظرياً، إنما هو قائمٌ بالفعل على نطاق عالمي. ومع وجود برامج مثل «بريزم» لم تعد المراقبة احتمالاً، إنما هي ممارسة موثقة وروتينية، تكشف كيف أصبحت الشبكات والمنصّات الكُبرى جزءاً من منظومةٍ تُتيح الوصول إلى كميات هائلة من البيانات وتحليلها.
أعاد هذا التحوّل تعريف المراقبة من حالةٍ استثنائية إلى بنية قائمة بحدِّ ذاتها، إذ باتت بنية الإنترنت متداخلة مع آليات الرصد. وإذا كان هذا النظام قائماً بالفعل على مستوى عالميّ، فإنّ الذكاء الاصطناعي لا ينشئه من جديد، إنما يُوسِّع قدراته.
تكشف النقاشات الأخيرة، حول استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» من «أنثروبيك»، والصراع الأوسع بين شركات التكنولوجيا والبنتاغون، عن قلقٍ أعمق تجاه تنامي دَور الذكاء الاصطناعي داخل منظومات المراقبة الداخلية القائمة. ما عادت المسألة تقتصر على أي شركة توفر التقنية، إنما إلى أيّ حدّ ينبغي منح السيطرة، وتحت أيِّ قيود.
وهنا، يبرز سؤال أكثر جوهريةً: ما القدرات الجديدة التي تُضاف إلى بنية مراقبة واسعة أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي يعزِّز القدرة على معالجة كميات ضخمة من البيانات وتفسيرها والتصرف بناءً عليها. وفي هذا السياق، تتصاعد المخاوف بشأن تأثير هذه الأنظمة على صنع القرار العسكري، لا سيّما عند تطبيقها على بيانات واسعة النطاق مُستمَدة من المنصّات الرقمية اليومية.
ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة. في كتابها «الديمقراطية الرقمية، السياسة التناظرية»، تُبين نانجالا نيابولا كيف ساهمت منصّات مثل «تويتر» و«واتساب» في تضخيم تدفُّق المعلومات خلال انهيار بنك «تشيس» الكيني عام 2016. ورغم أنّ ذلك ليس مثالاً تقليدياً على المراقبة، فإنه يُوضح كيف يمكن للأنظمة الرقمية أن تُشكل نتائج واقعية بسرعة وعلى نطاقٍ واسع.
ومع تزايُد دمج هذه الأنظمة في هياكل الحكم والأمن والاستخبارات، تتلاشى الحدود بين الرصد والفعل. ولم يعُد القلق مقتصراً على ما يُجمَع من بيانات، إنما على كيفية تفسيرها واستخدامها.
إنّ إدخال الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة المراقبة يمثِّل تحوّلاً نوعياً في كيفية معالجة البيانات وتوظيفها. وكما أشار أحد قادة القيادة المركزية الأمريكية، فإنّ عمليات كانت تستغرق أياماً لتُستكمَل؛ باتت تُنجَز في ثوانٍ. لم تَعُد الأنظمة تكتفي بجمع المعلومات، إنما أصبحت قادرةً على تحديد الأنماط، ورصد الشذوذ، وتنظيم البيانات على نحوٍ لم يكن ممكناً على هذا النطاق من قبل. وتدمج منصّات، مثل نظام «ماڤن» الذي يستخدمه الجيش الأمريكي، أساليبَ متقدمة في تحليل البيانات، منها نماذجُ ذكاءٍ اصطناعي، لمعالجة صور الأقمار الصناعية ولقطات الطائرات المُسيَّرة، ما يُتيح تصنيفاً سريعاً للأجسام والأنشطة.
وبالمثل، تحلِّل أنظمة مثل برنامج «لاڤندر» الإسرائيلي أنماط التواصل والشبكات الاجتماعية لرسم خرائط العلاقات وإسناد درجات أهمية استناداً إلى القرب من جهات معروفة. تُظهر هذه القدرات كيف تتطوّر المراقبة من محض رصدٍ إلى تفسير. ولم يعد التحدي في حجم البيانات المجمّعة فحسب، بل في القدرة المتزايدة على معالجتها في الزمن المناسب وإنتاج مخرجات قابلة للتنفيذ.
لقد كشفت وثائق وكالة الأمن القومي التي سرّبها إدوارد سنودن حجم البيانات التي يمكن جمعها وتحليلها دون علم الجمهور. وفي تلك المرحلة – حوالي عام 2013، التي يُشار إليها غالباً بحقبة «سنودن» – كانت المراقبة تتبع تسلسلاً واضحاً: جمع البيانات، ثم تحليلها، أحياناً بدرجة محدودة من الأتمتة، ثم تمرير النتائج إلى صنّاع القرار من البشر.
أما اليوم، فالتغيير لا يكمن في وجود هذا النظام، إنما في سرعته ودَوره في اتخاذ القرار. ومع دمج الذكاء الاصطناعي، يمكن معالجة بيانات متعدّدة المصادر، من الاتصالات إلى الصور والبثّ المباشر، وتفسيرها آنياً. ولم تعد هذه الأنظمة تكتفي بإثراء التحليل البشري، إنما تسهم على نحو متزايد في تحديد الأنماط، واقتراح الأهداف، ودعم القرارات العملياتية.
وهذا يُثير قلقاً أعمق.
يُشير ضغط البنتاغون على «أنثروبيك» لتخفيف القيود، إلى أنّ هناك اهتماماً متزايداً بتوسيع دَور الذكاء الاصطناعي داخل هذه العمليات. ولم يعد السؤال فقط حول الوصول إلى البيانات، بل إلى أي مدى ينبغي أن تمتدّ الأتمتة داخل سلسلة القرار.
حتى داخل القطاع نفسه، أُثيرت مخاوف بشأن عدم قابلية هذه الأنظمة للتنبؤ. قد أشار أليكس كارب إلى تعقيد نشر الذكاء الاصطناعي في بيئات عالية المخاطر، حيث قد تتجاوز السرعة والنطاق قدرة الفهم البشري الكامل. وبينما يمكن للذكاء الاصطناعي اختصار عمليات كانت تستغرق أياماً إلى ثوانٍ، يبقى التحدي في ضمان ألا تأتي السرعة على حساب الدقة أو المساءلة.
أما أفريقيا، فتملك – أكثر من غيرها من المناطق – قدرةً محدودةً على التحكّم في الأنظمة التي يتصل بها مواطنوها. ومع اندماج مزيدٍ من أهل أفريقيا في المنصّات الرقمية العالمية، بما في ذلك الشركات التي ارتبطت سابقاً بجمع البيانات على نطاق واسع مثل «قوقل» و«ميتا» (فيسبوك، واتساب، إنستقرام)، و«إكس»، تزداد أهمية مسألة السيطرة. فهذه المنصّات تعمل عبر الحدود، بينما قد تُخزَّن البيانات التي تجمعها وتُعالجها في ولايات قضائية خارج نطاق الحكومات الأفريقية ومستخدميها.
في الوقت نفسه، تستثمر العديد من الحكومات الأفريقية بكثافة في تقنيات «المدن الذكية» وأنظمة المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وغالباً ما تُورَّد من مزوِّدين أجانب، خاصةً من شركات صينية. ورغم تقديم هذه الأنظمة لتكون أدوات لتعزيز الأمن والتنمية، فإنها تثير أيضاً مخاوف بشأن استخدامها المُحتمَل في مراقبة النشطاء والصحافيين والمُعارَضة السياسية. وهنا لا تقتصر الأسئلة على كيفية جمع البيانات، إنما تمتدُّ إلى مكان تخزينها، وكيفية معالجتها، ومن يمتلك في نهاية المطاف حقّ الوصول إليها.



