أتر

الدلنج: كرٌّ وفرٌّ وقصف لا ينقطع ونزوح داخل المدينة

أصيب عصر اليوم، 9 أبريل الجاري، ثلاثة أطفال ووالدتهم بجروح خطيرة جراء استهداف مُسيّرات لحي النصر جنوب جامعة الدلنج ما بين 3 و4 عصراً، وفقاً لمصادر محلية تحدثت لـ«أتَر». وقال مصدر بالمدينة، إن حالَة المُصابين الصحية تدهورت بنحوٍ ملحوظ نتيجة النَّقص الحادِّ في الخدمات الطبية والإمكانات العلاجية داخل مدينة الدلنج، في وقتٍ تُعاني فيه المستشفيات من شُحٍّ شديدٍ في الأدوية والمُعدَّات الطبية، ما يُهدِّد حياة المُصابين، خاصة الأطفال الصغار.

وتعرَّضت مدينة الدلنج في 6 أبريل الجاري، لهجومٍ بريٍّ في ساعات الصباح الأولى، شنته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية المتحالفة، ما أدَّى إلى اشتباكات بين القوات المهاجمة وقوات الجيش، سقط جراءها 13 قتيلاً، إلى جانب نحو 25 إصابة.

وأكدت ثلاثة مصادر، تحدثت لـ«أتَـر»، دخول قوة من الدعم السريع والحركة الشعبية إلى حيِّ التومات غربي المدينة في اليوم التالي، في السابع من أبريل الجاري، وقالت إن «القوات المُهاجمة قد قَتلت 27 من السكان المدنيِّين من بينهم 3 نساء»، لافتةً إلى أن عدداً من الضحايا كانوا من نازحين من مدينة كادقلي والذين علقوا في الدلنج بسبب عدم توفر طرق آمنة لإخلاء المدينة، وكانوا في موقع بالحي اتُّخذ مؤخراً محطةً للسفر خارج المدينة عبر كرتالا.

وتُواجه مدينة الدلنج ثاني أكبر مدينة بولاية جنوب كردفان، قصفاً مستمرّاً بالقذائف المدفعية والمسيرات، منذ أن تمكَّن الجيش من فك الحصار عليها في أواخر يناير الماضي، عقبَ الحصار المُزدوج الذي فرَضَتْه قُوَّات الدعم السريع وحليفتها قوات الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحِلو على المدينة، لكن الهجمات كانت قد زادت في حِدَّتها منذ مطلع مارس الماضي -منتصف رمضان- محيلةً النجاة في المدينة إلى تحدٍّ يَعيشه السُّكَّان على مدار اليوم.

قصف لا ينقطع

خوفي كان شديداً على اﻷطفال، إذا أُصيبوا بشظايا أو غيرها فلا توجد علاجات ولا أطباء، هذه هي المعاناة التي نعيشها يومياً في الدلنج.

«لمن دخلوا الدعامة يوم اﻷحد [29 مارس] كانوا قريبين شديد؛ كانوا جوّا الحِلة، ما كنا عارفين روحنا بعد نطلع حنصل أو لا، بَسْ سُقت عيالي وعيال بتي، كُنَّا حوالي خمسة أنفار ماشين مُحتمين بالحيطة والضرب شغال». هكذا تصف بخيتة شطَّة، الأم التي تُقيم في مدينة الدلنج بحي الطرق شمال غرب المدينة، في حديثها لـ«أتَر»، اﻷوضاع التي تُعايشها وأسرتها، إثر تواصل الاشتباكات في المدينة منذُ اﻷسبوع الماضي، بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع.

تقول بخيتة إن كثافة القصف دعتها لإخلاء منزلها خوفاً على اﻷطفال ورغبة في حمايتهم: «خوفي كان شديداً على اﻷطفال، إذا أُصيبوا بشظايا أو غيرها فلا توجد علاجات ولا أطباء، هذه هي المعاناة التي نعيشها يومياً في الدلنج». 

وبصوت يشوبه الأسى، قالت إنها قد فقدت العديد من المعارف واﻷهل جرَّاء القصف المُستمرّ على المدينة، ومن ضمنهم جارٌ عزيز لم يتمكَّنوا حتى من حضور مراسم عزائه، بسبب كثافة القصف واضطرارهم لإخلاء المنزل والحي بأكمله على عجل. وعندما عادت بخيتة إلى الحي عقب أيام من استهدافه، لتفقُّد منزلها، وجدت أنه قد استُهدف بقذيفة مدفعية، وشعرت بالراحة لأنها كانت قد أخلت المنزل وحافظت على سلامة أبنائها كما تقول.

وزادت حدَّة الاستهداف على المدينة في شهر مارس المنصرم، في الثامن عشر والثامن والعشرين والتاسع والعشرين من مارس والأول من أبريل مُخلِّفةً عشرات الضحايا والمصابين.

يقول الطفل معتز -10 سنوات- لـ«أتَر» إنه كان يلعب في فناء منزلهم الواقع بحي الطرق، عندما أصابت قذيفة مدفعيَّة المنزل، ما دَفَعه إلى الركض إلى الداخل والاحتماء مع أسرته من وابل القصف المدفعي على الحي. ويتذكَّر معتز أنهم مشوا مسافةً طويلةً بعد إخلاء منزلهم قائلاً: «طلعنا خايفين من التدوين وجينا برجولنا كنت خايف التدوين يبدأ تاني ونحنا ماشين».

نزحَ مُعتز إلى حي أقوز بوسط المدينة وهو يشتاق إلى منزله بحي الطرق، إلا أنه مسرور لنزوح عدد من أصدقائه معه حيث يستمتعون بقضاء الوقت معاً واللعب في المساحات المتوفرة، وقال: «مشتاق للمدرسة عشان نمشي سوا ونلعب ونقرأ». وتعطَّلت المدارس بالمدينة لما يزيد عن أربعة أشهر بسبب الأوضاع اﻷمنية، مُبعدةً مئات اﻷطفال من مقاعد الدراسة.

وضع أمني حرج

وبحسب مصادر محلية تحدثت مع «أتر» شكل هجوم الثامن والعشرين من مارس الهجوم الأعنف على المدينة. وقال مصدر فضل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، إن مدينة الدلنج لم تشهد هجوماً بهذا العنف والحِدة حتى في فترة الصراع الدامي بين الحركة الشعبية مع الجيش السوداني إبان نظام البشير، بحسب قوله.

وأكدت المصادرُ أن القوات المهاجمة، استهدفت المدينة من الاتجاهات الغربية التي تضم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني، في يومي 6 و7 أبريل. وكان الهجوم عبر الأسلحة المتوسطة والثقيلة والمسيرات. بينما كشفت شهادات مُتطابقة لشهود عيان تحدثت معهم «أتَر»، أن قوات الدعم السريع والحركة الشعبية قد تمكنتا من الوصول إلى أحياء داخل المدينة والهجوم من داخلها بالعربات القتالية والمشاة، لافتين إلى أن دخول الأحياء السكنية في لحظات احتدام المعارك هو نمط تتبعه القوات المهاجمة منذ أشهر، وتظل هكذا في حالة هجوم وتراجع. وأكد مصدر محلي لـ«أتَر»، استخدام الرصاص الحي في مواجهة المواطنين في أحياء قريبة من السوق، بجانب قصف المدينة من عدة جبهات خارجية في الغرب والشمال، مُستهدفةً بذلك مساحة واسعة من اﻷحياء الغربية والشمالية وأحياء وسط المدينة.

وشكَّلت حركة النزوح من الأحياء الشمالية الغربية والأحياء الغربية وأحياء وسط المدينة النمط اﻷوضح لحركة السُكان، إلا أن الاستهداف المستمر والعشوائي يُعيدُ تغيير حركة النزوح في المدينة على نحو مُستمر. وتستهدف قوات «تأسيس»، المُكوَّنة من قوات الدعم السريع وجيش الحركة الشعبية لتحرير السودان، مدينة الدلنج من ثلاثة محاور بحسب إفادات متطابقة للسكان، من الغرب والشمال والجنوب. وتتمركز بذلك أشدّ الهجمات في أحياء الشمال، الغرب، الوسط، والجنوب.

ويُقيم النازحون في مدارس وداخليات وأحياناً جوامع، بينما يُستضاف عددٌ منهم في منازل اﻷسر والمعارف. وقَيَّم متطوع تحدث لـ«أتَر» الاستجابة للوضع الإنساني بأنها ضعيفة في مواجهة ما وصفه بـ«الكارثة».

ووقعت منطقة التكمة شرقي الدلنج، تحت سيطرة قوات تأسيس عقب فك حصار المدينة في فبراير الماضي بأيام، إلا أن الجيش والقوات المتحالفة معه، قالوا إنهم تمكنوا من السيطرة على التكمة مجدداً في السابع من أبريل الجاري. واشتدت المعارك مجدداً في المدينة في الخامس والسادس والسابع من أبريل الجاري.

ولمنطقة التكمة، وهي قرية شرقيّ المدينة، أهمية عسكرية بالغة بالنسبة لطرفي القتال، إذ يَصل عبرها الإمدادُ الغذائيُّ والدوائيُّ القادم من هبيلا ومنها إلى المدينة، فضلاً عن أنها تبعد من الطريق القومي الرابط بين الدلنج وكادقلي حوالي 9 كيلومترات.

إفقار السوق

على الرغم من تدفق السلع ودخولها إلى المدينة بعد كسر الحصار، إلا أن استمرار المعارك في محيط المدينة وسيطرة الدعم السريع على التكمة شرقي المدينة، أدى إلى قطع الطريق الذي تُجلب عبره البضائع من الرهد أبو دكنة في شمال كردفان عبر كرتالا وهبيلا، ما زاد من المُمارسات الاحتكارية لبعض التجار.

وأثَّر الاستهداف الكثيفُ للمدينة على نشاط سوق الدلنج بجانب عوامل عديدة منها الإفقار الناتج عن الحصار، وتعثُّر صرف مرتبات العاملين في الدولة. وفي حديثها لـ«أتَر»، تقول بثينة التي كانت تُعِدُّ وتبيع بعض السلع في السوق، إنها كانت تتمكَّن من توفير بعض المال لشراء حبوب الذرة لإطعام أبنائها، لكنها تتوقَّف عن ذلك حال اشتداد القصف: «بنتوكل نطلع بعد التدوين، نشتغل ونجيب القاسمها ربنا للعيال، كان يومك تمَّ خلاص، كان ما تمَّ تجيب رزقك لي عيالك».

وبحسب تُجار وسُكان في المدينة، تحدثوا لمراسلة «أتَر»، فإن الحركة التجارية في المدينة، قد تأثَّرت بنحو بالغ، نتيجة الحصار وضعف السيولة المالية في مقابل غلاء اﻷسعار وعدم استقرار أسعار السلع. وعلى الرغم من تدفق السلع ودخولها إلى المدينة بعد كسر الحصار، إلا أن استمرار المعارك في محيط المدينة وسيطرة الدعم السريع على التكمة شرقي المدينة، أدى إلى قطع الطريق الذي تُجلب عبره البضائع من الرهد أبو دكنة في شمال كردفان عبر كرتالا وهبيلا، ما زاد من المُمارسات الاحتكارية لبعض التجار. فضلاً عن ذلك، يُعاني السكان من فقدان أعمالهم، إضافةً إلى شُحِّ السيولة النقدية نتيجة لاستمرار النزاع في المنطقة.

وأكدت مصادر تواصلت مع «أتَر»، أن أسعار السلع في السوق مُرتفعة للغاية، إذ أدَّت الظروف الحالية إلى اعتماد الأسر ضعيفة الدخل على التسوُّل في اﻷسواق. ولفتت إلى تباين أسعار السلع وفقاً لطريقة الدفع، فتكون قيمة السلعة أقل عند الدفع نقداً، لكنها تزيد وقد تتضاعف إذا جرت عمليات الشراء عبر تطبيق «بنكك». ويقصد المُتسوِّقون نقاط شبكة الاستارلينك لدفع رسوم الاتصال بالإنترنت، ومن ثم إنجاز التحويلات «المُضاعَفة» لأسعار المواد الغذائية التي اشتروها.

وبلغ سعر ربع الملوة من الذرة الحمراء 3 آلاف جنيه سوداني للدفع بالكاش، و6 آلاف جنيه سوداني للشراء عبر التطبيق، بينما وصل سعر الملوة من اللوبيا والدخن إلى عشرة آلاف جنيه سوداني كاش، ورطل الزيت إلى 6 آلاف جنيه كاش و10 عبر التطبيق، أما العدس فبلغ 4 آلاف عبر الكاش والتطبيق. وبلغ سعر ملوة البصل 30 ألف جنيه ولا يبيعه التجار إلا نقداً. وتُباع 3 حبات من الرغيف بـ 1000 جنيه، ويُباع كيلو اﻷرز بـ 6 آلاف جنيه. وقدَّر تاجرٌ في المدينة أقل كيس سلطة خضروات في المدينة بخمسة آلاف جنيه. أما ربطة البصل الأبيض الذي يستخدمه السكان بدلاً عن الأحمر للطبخ فتُعادل خمسة آلاف جنيه، وتُمكِّنهم من إعداد وجبة واحدة فقط. 

بلا علاج أو رعاية صحية

أوضح مُتطوِّع بمشفى التومات، فضَّل حجب اسمه، أن حجم العلاج والدواء لا يُوازي حجم المرضى سواء من المصابين جرَّاء القصف والرصاص الطائش أم غيرهم من المرضى. وبالحديث عن اﻷدوية قال لـ«أتَر»، إن غرفة الطوارئ تشتري اﻷدوية للمرضى، بينما تمتلك صيدلية المشفى قليلاً منها، ولا تُساعد في أغلب الأوقات، في حين تبيع العديد من الصيدليات الخارجية كميات من اﻷدوية، كانت قد دخلت على شكل مساعدات بعد فك الحصار، ما فاقم من معاناة السكان.

ولفت المتطوع إلى انعدام أدوية السكري والضغط وكذلك البنج من المدينة، لافتاً إلى تردِّي الوضع بالمشفى لأسباب تتعلَّق بمحدودية العلاج وانعدامه، فضلاً عن انقطاع الكهرباء وقلة الكوادر الطبية المؤهلة. وقال: «أغلب المرضى بالمشفى يَنتظرون طرق الخروج في الوقت الحالي من المدينة، ويبقون فيها لتلقِّي الرعاية المُنقذة للحياة حتى يتمكَّنوا من مُغادرتها».

ويُمثّل مستشفى التومات غربي المدينة، المشفى الوحيد الذي يُقدِّم الرعاية الصحية للمُصابين والمرضى بالمدينة، ويكتظُّ المستشفى بهم بعد كُلِّ هجوم. وأشار أحد النازحين الداخليِّين بالمدينة، وفضل حجب اسمه، إلى أنهم ينقلون المصابين بعربات نقل متحركة -درداقات- مهما كانت خطورة إصاباتهم لأنهم لا يمتلكون وسائل أفضل.

وأكد المتطوع أن المشفى يَعقد العمليات الطارئة فقط بلا بنج، ويُواجه تحدِّيات عدم توفر الكهرباء، ويضطرون لفصل خطوات التجهيز للعملية وإجراء العملية في أوقات مختلفة لمحدودية الكهرباء.

Scroll to Top