في هذا العام، قرّر فارس العبيد بلة، المزارع بمكتب قوز الرهيد بقسم بمشروع الجزيرة، التوقّف عن زراعة القمح، بسبب ارتفاع تكاليف إنتاج المحصول مقارنةً بالعائد منه. ويقول بلة الذي كان من أشهر مزارعي القمح بمنطقته، لمراسل «أتَـر» إنّ القمح بات محصولاً غير مُجزٍ، بسبب ارتفاع مدخلات إنتاجه، وقلة سعره التركيزي، إذ إنّ الفجوة الكبيرة بين سعر الجوال وتكلفة إنتاجه، هي السبب الأساسي في تراكم عجز مزارعي القمح. لذلك عزم بلة على أن لا يزرع القمح مرة أخرى «لمصلحة التجّار، ولئلا يدخل السجن».
في 3 مارس الماضي، عُقد لقاء بين محافظ مشروع الجزيرة ورئيس مجلس الوزراء لبحث ضرورة إعلان سعر تركيزي «مُجْزٍ» يعوّض المزارعين عن ارتفاع تكاليف الإنتاج. وأتى هذا اللقاء وسط ضغوط كبيرة من تجمّعات المُزارعين في الجزيرة للإسراع بتحديد السعر، خاصة مع وصول تكلفة زراعة الفدان الواحد إلى نحو مليون جنيه سوداني في بعض المناطق، وزيادة تكاليف المدخلات بنسبة تقارب 79% عن العام الماضي.
لم يُسْفِر هذا اللقاء عن صدور قرار رسميّ يفيد بتحديد سعر واضح وملزم. لكن كشفت مصادر مطلعة بإدارة مشروع الجزيرة لـ«أتَـر»، في 5 مارس الماضي، عن اقتراح محافظ المشروع لرئيس الوزراء 167 ألف جنيه سوداني سعراً تركيزياً للجوال زنة 100 كيلوجرام من القمح في الموسم الحالي.
في المقابل، رفض مزارعون تحدّثوا لمراسل «أتَـر» ما يجري تداوله بشأن هذا السعر التركيزي، مُعتبرين أنه لا يُغطِّي سوى نحو 30% من تكلفة إنتاج الجوال الواحد. وقال أحد المزارعين إنّ اعتماد هذا السعر، يَعني أن المزارعين لن يتمكَّنوا من الاستمرار في زراعة القمح خلال المواسم المقبلة. من جانبه، قال المزارع مصطفى إبراهيم بخيت من قسم وادي شعير إنّ السعر المُتداول لا يُراعي ارتفاعَ تكاليف الإنتاج، مُضيفاً أنه غير مقبول بالنسبة للمزارعين.
ومع إعلان إدارة مشروع الجزيرة، في 10 مارس، عن بدء عمليات حصاد القمح، في مساحة هي الأقل منذ بدء زراعته في المشروع، لم تُعلن حكومة السودان رسمياً، عبر مجلس الوزراء أو وزارة المالية حتى الآن عن السعر التركيزي النهائي لمحصول القمح للموسم الحالي 2025-2026، على الرغم من مرور أكثر من شهر على ذلك اللقاء.
وقد شهد 12 مارس تطوّراً مهماً، إذ أعلن محافظ مشروع الجزيرة، المهندس إبراهيم مصطفى علي، عن تحديد سعر جوال تقاوي القمح (زنة 100 كيلو) بمبلغ 175 ألف جنيه سوداني، وهو مفصول عن السعر التركيزي للقمح، ودائماً ما يكون أعلى منه، بسبب جودة نوعية القمح. وقال المحافظ وفقاً لإعلام المشروع، إنّ هذا السعر مُخصَّص لتشجيع مزارعي إنتاج التقاوي لضمان احتياجات الموسم القادم، وللمساحات التي تولّت إدارة المشروع تمويلها فقط، وهي 8027 فداناً، لإكثار البذور.
ويقول مصدر بإدارة مشروع الجزيرة لـ«أتَـر»، إنّ الأُمنيَة المُعلنة من قِبل إدارة المشروع هي الوصول إلى سعر يتماشى مع الأسعار العالمية أو يضمن هامشَ ربح حقيقياً للمزارع لتجنّب تعثّره مالياً، لكنها أُمنية يصطدم تحقيقها بما يُسمّيه المُزارع بقسم ود حبوبة الأمين بخيت «إهمال الدولة لمزارع القمح».
![]()
السعر التركيزي
تضع الدولة سعراً تركيزياً للقمح، وهو السعر الذي تشتري به القمح من المنتِجين المحليّين بهدف تشجيع الإنتاج وضمان توفّره. وهو سعرٌ مُحدَّدٌ سلفاً بمعايير فنية محدّدة يُعلَن عنه قبل حصاد الموسم الزراعي. وعادة ما تركّز الدولة على محصول معيّن (مثل القمح) وتدعمه وتوجّه الموارد والسياسات نحوه، ومن ناحية أخرى يضمن المُزارع ربحه دون مخاطرة في تقلّبات السوق.
والسعر التركيزي في الأصل، هو جزء مما يُسمّى «سياسات الدعم الزراعي الموجّه»، والهدف منه: تحفيز المزارعين على زراعة القمح بدلاً عن محاصيل أخرى، وتقليل استيراده، وتحقيق الأمن الغذائي.
وإذا كان السعر التركيزي لجوال القمح أعلى من سعر السوق، فسوف يُشجّع الإنتاج، لكنه يُمْكن أن يُكلّف الدولة. أما إن كان أقلّ من سعر السوق، فلن يُحفّز المزارعين. وفي السنوات الأخيرة ظلّ المزارعون يَشْكون من ضعف الأسعار التركيزية التي تفرضها الدولة، ويرون أنها غير مجزية ولا تُراعي التضخّم الذي يؤثّر على مُدخلات الزراعة.
تضارب الأرقام وفخ المديونية
رفضت إدارة البنك السعرين؛ 167 ألفاً و200 ألف جنيه، واعتبرت بحسب مصادر، من داخل البنك تحدّثت لـ«أتَـر»، أن هذين السعرين يُعرّضان البنك للخسارة، لذا اعتمدَتْ قيمة 145 ألف جنيه سعراً تركيزياً لجوال القمح، وهو سعر استرداد تكلفة التمويل فقط، وهذا يعني أن الفائض من المحصول سيُعرض في السوق وهو ما يجعل المنتجين تحت رحمته.
أخبرت مصادر مطّلعة من داخل إدارة مشروع الجزيرة، أنّ اجتماعاً عُقد نهاية مارس المنصرم، بين محافظ مشروع الجزيرة ومدير البنك الزراعي السوداني، قطاع الجزيرة، ناقش قضية تحديد السعر التركيزي المُجزي. وكشف مصدَران متطابقان كانا حضوراً في الاجتماع، أنّ محافظ المشروع ومدير البنك قرّرا تشكيل لجنة لدراسة تكلفة الفدان، لتساعد في تحديد سعر عادل. واقترح الطرفان مبدئياً مبلغ 200 ألف جنيه سعراً تركيزياً للجوال الواحد زنة 100 كيلو.
لكن إدارة البنك نكصت، ورفضت السعرين؛ 167 ألفاً و200 ألف جنيه، واعتبرت بحسب مصادر، من داخل البنك تحدّثت لـ«أتَـر»، أن هذين السعرين يُعرّضان البنك للخسارة، لذا اعتمدَتْ قيمة 145 ألف جنيه سعراً تركيزياً لجوال القمح، وهو سعر استرداد تكلفة التمويل فقط، وهذا يعني أن الفائض من المحصول سيُعرض في السوق وهو ما يجعل المنتجين تحت رحمته.
وفي حديث مع «أتَـر»، قطَع محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى علي بأنه لن يكون هناك سعر تركيزي لمحصول القمح بشكل مطلق هذا الموسم، وقال: «اتفقنا مع البنك الزراعي على أن يتسلّم المديونية من المزارعين عيناً مقابل سعر مُجزٍ يراعي أيضاً حسابات البنك والقيمة التي دفعها لتمويل المزارع». وأضاف: «لنكن واضحين، لن يكون هناك سعر تركيزي بالمطلق، إنما سيكون السعر مُقيّداً بقيمة تكلفة مدخلات الإنتاج»، مشيراً إلى أن البنك الزراعي يمكنه الاتفاق مع وزارة المالية، في حال رغبت الحكومة في شراء محصول القمح من المزارعين، إلا أنه توقع أن لا توافق وزارة المالية على هذه الخطوة.
وفي 2017، كان السعر التركيزي لجوال القمح زنة 100 كيلو 400 جنيه، وارتفع في 2018 إلى 750 جنيهاً، وفي 2019 كان سعر الجوال 2500 جنيه، ليرتفع في 2020 إلى 8 آلاف جنيه، وارتفع في 2021 ليبلغ 13,500 جنيه، وفي 2022 حدّدت الحكومة سعره بواقع 43 ألف جنيه، بَيد أن وزارة المالية وقتها لم تَفِ بالسيولة الكافية للبنك الزراعي لتمويل عملية شراء القمح، ما جعله يُحجم عن الشراء، وهوَتْ أسعار القمح في ذاك العام. ومما يَجدر ذكره أن هذه كانت هي المرة الأخيرة التي يُعلَن فيها سعر تركيزي للقمح.
وكشف مصدر مُطّلع بالبنك الزراعي السوداني، قطاع الجزيرة، أنّ البنك يُواصل حالياً تحصيل مديونيته من المزارعين، بسعر 145 ألف جنيه. وبرّر المصدر لجوء البنك إلى ذلك لتسلُّم مديونيته لكونه لم يتلقّ ما يُفيد بتحديد سعر أقلّ أو أكثر من سعره، وقال: «في هذه الحالة، يقدّر البنك السعر وفقاً لسعر السوق وبما يحفظ له قيمة مدخلاته التي أعطاها للمزارعين».
ويقول الخبير الاقتصادي سامح أحمد جاهور، لـ«أتَـر» إن سياسة «سعر التركيز» المعمول بها عالمياً تُعدّ من أهم أدوات حماية المنتجات المحلية، بخاصة المحاصيل ذات الأهمية الاستراتيجية والمرتبطة بالغذاء اليومي لسكّان البلد، مشيراً إلى أنّ الهدف من هذه العملية هو أن تتعهّد الحكومة بشراء المحصول من المزارعين بسعر مجزٍ يضمن لهم هامش ربح، حتى لو انخفضت الأسعار العالمية.
لكنّ جاهور يشير إلى أنّ السعر التركيزي المقترح في بداية الموسم، وفي ظروف السودان الحالية وفي ظلّ التضخّم المتسارع وتقلّب سعر الصرف، قد يصبح غير عادل عند الحصاد، ما يدفع المزارعين إلى الإحجام عن البيع للدولة أو التحوّل لزراعة محاصيل أخرى. ويرى بدلاً من ذلك أن يجري دعم التقاوي المحسّنة والأسمدة والمبيدات وتوفيرها بأسعار تفضيلية عبر البنك الزراعي أو التعاونيات لتقليل التكلفة النهائية للفدان، ما يجعل السعر المحلي منافساً تلقائياً دون الحاجة إلى فرض جمارك عالية.
ويقترح جاهور رفع الرسوم الجمركية على القمح المستورد خلال أشهر الحصاد (مارس، أبريل، مايو) لإعطاء الأولوية للمنتج المحلي، بجانب إلزام المطاحن الكبرى بشراء نسبة مئوية محدّدة من إنتاجها من القمح المحلي شرطاً للسماح لها باستيراد الكميات المتبقية. ويقول إنّ حماية القمح في السودان تتطلب موازنة دقيقة؛ فالمبالغة في الحماية قد ترفع سعر الرغيف على المستهلك، وإهمال الحماية قد يؤدّي إلى عزوف المزارعين عن زراعته في الموسم القادم، ما يُهدِّدُ الأمن الغذائي.
تكاليف مليونية للفدّان
كشف المزارع بمكتب عبد الجليل بالقسم الأوسط حسن الفاتح أبو قرون، أنه زرع مساحة أربعة أفدنة بلغت تكلفتها حتى حصادها 5 ملايين جنيه سوداني، وأنتجت 35 جوال (3.5 أطنان)، ويقول لمراسل «أتَـر» أنه إذا باعها بالسعر الحالي في السوق، فإنها ستعادل 3.850 مليون جنيه، بعجز يناهز 1.150 مليون جنيه سيَبقى ديناً عليه.
بدَوره يقول الصحفي والمزارع غاندي إبراهيم لمراسل «أتَـر» إنّ عدم تحديد سعر تركيزي عادل للقمح هذا العام سيقود إلى كارثة حقيقية، وتوقّع أن تحدث خسائر كبيرة للمزارعين وإعسار مالي واسع. ويضيف: «قد تمتلئ السجون بالمزارعين بسبب مديونيات البنك الزراعي، وهو أمر لا يحتمله واقع البلاد ولا واقع الزراعة».
ويدعو إبراهيم إدارة مشروع الجزيرة لتولّي دَورها في قضية تحديد سعر مُجزٍ، ويقول: «إدارة مشروع الجزيرة هي الجهة الأقرب للمزارعين، والجهة الوحيدة التي تمثلهم عملياً، في ظلّ غياب جسم نقابي حقيقي يدافع عن حقوقهم». وطالبها بالتحرُّك العاجل للضغط على وزارة المالية وبنك السودان لتحديد سعر تركيزي مجزٍ وعادل يحفظ للمزارع حقّه، ويشجعه على الاستمرار في زراعة القمح. ويقول: «إنّ المُزارع الذي تحمَّل هذه التكاليف كلها، وزرَع في ظروف بالغة التعقيد، لا يستحقّ أن تتركه الدولة وحده ليعاني كلّ هذا القلق».
ووفقاً لمزارعِين تحدّثوا لمراسل «أتَـر» فإنّ تكلفة إنتاج الفدان الواحد، في هذا الموسم فاقت مبلغ المليون جنيه. وقال المزارعون إنّ متوسّط قيمة تحضير الأرض للفدان 200 ألف جنيه سوداني، والزراعة 50 ألف جنيه، وجوال سماد الداب 220 ألف جنيه، و2 جوال يوريا 280 ألف جنيه، ورسوم الإدارة والري 50 ألف جنيه، ومبيدات وأسمدة ورقية 50 ألف جنيه، والحصاد 90 ألف جنيه، فضلاً عن تكاليف أخرى مثل الجوالات الفارغة والترحيل من الحوّاشة إلى المنزل.
وتشير متابعات «أتَـر» إلى أنّ متوسط الإنتاجية لهذا الموسم، في المساحات التي حُصدَت، يتراوح بين 6 و7 جوالات، ويتراوح سعر الجوال الواحد في الأسواق بين 100 و110 آلاف جنيه سوداني، بينما يبلغ سعره لدى البنك الزراعي 145 ألف جنيه. وكشف المزارع بمكتب عبد الجليل بالقسم الأوسط حسن الفاتح أبو قرون، أنه زرع مساحة أربعة أفدنة بلغت تكلفتها حتى حصادها 5 ملايين جنيه سوداني، وأنتجت 35 جوالاً (3.5 أطنان)، ويقول لمراسل «أتَـر» أنه إذا باعها بالسعر الحالي في السوق، فإنها ستعادل 3.850 مليون جنيه، بعجز يناهز 1.150 مليون جنيه سيَبقى ديناً عليه. لذلك فإنّ أبو قرون وكثيراً من المزارعين الذين تحدّثت إليهم «أتَـر» يظلّون في حيرة من أمرهم، فإنْ هم حصدوا محصولهم حاقت بهم الخسارة، وإن تركوه تعرّض للتلف.
وداعاً للقمح: البدائل تفرض نفسها
وقال المهندس الزراعي والمزارع بالقسم الشمالي لمشروع الجزيرة، مصعب الهادي التكينة، لـ«أتَـر» إنّ المشكلة تكمن الآن في تغاضي البنك الزراعي عن السعر التركيزي المُعلَن من إدارة مشروع الجزيرة، واكتفائه بالسعر القديم 145 ألف للجوال الواحد، لسداد مديونية التمويل فقط. ويشير التكينة إلى أنّ تكلفة المدخلات الزراعية التي حصل عليها المزارعون من البنك هذا الموسم عالية جداً.
وكشف التكينة عن أنّ المزارعين هجروا زراعة القمح، ولجأوا لزراعة محاصيل بديلة أقل تكلفة وأكثر جدوى من القمح، مثل الكبكبي والعدسية والخضروات، وقال: «بفعل عدم اهتمام الدولة بالقمح، وجد المزارع ضالّته في هذه المحاصيل». وتوقّع أن يترك المزارعون زراعة القمح كلياً في المستقبل. وقال: «في ظلّ غياب سياسة واضحة تحمي محصول القمح؛ بتوفير المدخلات الزراعية والتمويل المناسب والسعر التركيزي المُجزي، فسوف يصل المزارع إلى مقاطعة زراعة القمح في المستقبل القريب».
يقول عباس إنّ الدولة منذ عام 2021، باتت لا تنظر إلى القمح باعتباره سلعةً استراتيجية، وأنها تُفضّل الدقيق المستورد في عبوات 25 كيلو من دولة جارة على المنتج المحلي.
ومصداقاً لتوقّع التكينة، دعا المزارع بمكتب بجيجة بقسم أبوقوتة، عبد الماجد السر عباس، المزارعين لترك زراعة القمح كليةً والاتجاه لزراعة محاصيل أخرى، وصفها بأنها مُجزية. ويقول عباس لمراسل «أتَـر»، إنّ الدولة منذ عام 2021، باتت لا تنظر إلى القمح باعتباره سلعةً استراتيجية، وأنها تُفضّل الدقيق المستورد في عبوات 25 كيلو من دولة جارة على المنتج المحلي، وقال: «الدولة لا تريد دعمنا، ونحن لن نُلقي بأنفسنا في التهلكة، فالبدائل لزراعة القمح موجودة وسوف نسلك طريقها وندع القمح وشأنه».
وفي قسم وادي شعير وسط المشروع، وهو أحد أكبر الأقسام بالمشروع، بدأت مساحات زراعة القمح في التناقص منذ عام 2021، حيث زُرعت 22 ألف فدان، وفي الموسم الذي سبقه كانت مساحة القمح 35 ألف فدان، والآن يَزرع القسم 4 آلاف فدان، موَّل نصفَها برنامج الغذاء العالمي، بينما زُرع النصف الآخر بتمويل ذاتي من المزارعين أنفسهم، وفقاً لما أفاد به مسؤول بإدارة القسم «أتَـر».
وقال المسؤول الذي طلب حجب اسمه، لكونه غير مأذون له بالتحدّث لوسائل الإعلام، إنّ جُلّ المساحات التي كانت تُزرع بالقمح، تحوّلت الآن لتُزرع بمحاصيل مثل العدسية والكبكبي وفول الصويا والخضروات. وتوقّع أن تقتصر زراعة القمح في المواسم القادمة على مساحات قليلة يزرعها المزارعون للاكتفاء الذاتي فقط. ولفت إلى أن ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج، وغياب التمويل الكافي من إدارة المشروع والبنك الزراعي، فضلاً عن غياب السعر التركيزي للقمح، وتقّلبات المناخ، أبرز الأسباب التي أدّت إلى عزوف المزارعين عن زراعة القمح.
البنك والمزارع: بنود الحصار
وأخبر مصدر مطّلع من داخل البنك الزراعي، أن البنك متمسّك بمبلغ 145 ألف جنيه للجوال، مقابل مطالبة من إدارة مشروع الجزيرة برفعه إلى 175 ألف جنيه. وأرجع المصدر تمسُّك إدارة البنك بهذا السعر إلى أنها اشترت من السوق قدراً كبيراً من المدخلات التي موّلت بها المزارعين، وقال لـ«أتر»: «رفضت وزارة المالية، عبر بنك السودان، إعطاءنا اعتماداً لاستيراد أسمدة في بداية الموسم، ما اضطرّنا إلى اللجوء إلى السوق».
ولاحقاً تحصّلت «أتَـر»، على معلومات من مزارعين تفيد بأنهم سلّموا إدارة البنك جوالات من القمح وأنّ الإدارة أبلغتهم بأن السعر هو 145 ألف جنيه.
ووفقاً للمزارع والمهندس الزراعي، مصعب التكينة، فإنّ ما يحدث حالياً في ملف تسعير القمح وتمويله ليس محض اختلاف أرقام، إنما هو انعكاس مباشر لسياسات مالية تهدف إلى خنق القطاع الزراعي بدلاً عن دعمه. ويقول التكينة: «حينما يحدّد البنك الزراعي سعر 145 ألف جنيه للجوال لسداد المديونية، على علمه بأنّ تكلفة الإنتاج نفسها متصاعدة على نحو غير مسبوق، فإنه بهذا يتخلّى عن دوره التنظيمي، ويضغط مُباشرةً على المُزارع، ويَفرض عليه الخسارة». ويضيف قائلاً: «السياسة المالية الحالية تُحمّل المزارع عبء الفشل بدلاً من مُعالجته، وتحوِّل التمويل إلى أداةِ استردادٍ قاسٍية بلا مراعاة لواقع الإنتاج بدلاً من أن يكون أداة دعم».
وينبّه التكينة إلى أنّ ما يحدث حالياً يُسفر عن نتيجة واحدة: مزارع محاصر بين تكلفة عالية، وسعر مفروض عليه، ومؤسسات زراعية فاقدة القدرة على اتخاذ قرار يخدم الإنتاج، وسياسات مالية تتعامل مع الزراعة كأنها بند محاسبي، وليست قطاعاً استراتيجياً، وفق وصفه.



