بعد حوالي عشرة أشهر من إعلان القوات المسلحة السودانية، انقضاء العمليات الحربية بولاية الخرطوم في العشرين من مايو العام الماضي، لا تزال الألغام الأرضية ومُخلّفات الحرب بأنواعها تُمثّل سبباً منطقياً يَحُول دون اكتمال عملية تطبيع الحياة المدنية بالعاصمة.
وتأكَّد ذلك في عجز جهات الاختصاص عن الإحاطة الدقيقة بالأماكن التي زُرعت ألغاماً أثناء الحرب، بسبب تعدُّد الأطراف العسكرية التي استَخدَمت الألغام وسط الأحياء السكنية وفي المقار الحكومية، بينما برزت مُعضلةُ القذائف غير المُنفجرة المخفيّة في مجاري مياه الأمطار وبين الركام والأوساخ والحشائش والأشجار التي نمَتْ خلال فترة الحرب، لتُشكِّل تحدّياً لا يُمكن تجاوزه بمستوى الإمكانات الحالي.
وبحسب المُعطيات الراهنة، تعدُّ الألغام الأرضية التي زُرعت في وسط المناطق المدنية في ولاية الخرطوم، والمخلفات الحربية المُتناثرة في أماكن القتال، من أشدِّ الأخطار التي تتربَّص بالسكّان الذين عادوا لتعمير منازلهم رغم شحّ الخدمات المُقدمة من السُّلطات، وقلَّة إمكاناتهم الشخصية.
ويُوجّه المركز القومي لمكافحة الألغام إرشاداته للعائدين إلى مناطقهم ومنازلهم بعدم الاقتراب من الأجسام الغريبة أو لمسها، والمبادرة بإخطار الآخرين ليتفادوها، ومن ثمّ التبليغ لدى السلطات الأمنية بالحي، أو التواصل مع المركز القومي لمكافحة الألغام عن طريق الرقم المجاني 60666 من جميع الشبكات.
وعزَّزَ الانفجار الذي وقع في ضاحية بُرِّي بالخرطوم في الثالث من الشهر الجاري المخاوف من خطورة الأجسام الحربية غير المُنفجرة والذخائر الصغيرة والألغام التي تتربَّص بالمدنيين من تحت التراب ومن بين الأنقاض، وفقاً لأنور عبد الله، أحد سكّان الخرطوم وسط، الذي وصف انتشار الألغام والمُخلَّفات الحربية بأنه «كارثة» تحيط بالسكّان الذين عادوا إلى منازلهم بعد رحلة نزوح ولجوء أكملت ثلاث سنوات حالياً.
فور وقوع الانفجار هرعت الشرطة إلى مكان الحادثة وطوّقته قبل وصول أي جهة، وقد أصدرت بيانها تبعاً للمُعطيات الأولية، التي تمثّلت في قيام المواطنين بحرق نفايات، ما أدّى إلى الانفجار، وقد افترضت أنّ الجسم الغريب الذي انفجر هو لغم، لكنْ بعد إطفاء الحريق حضر فريق المركز القومي وأخذ عينة من مكان الحادث وحدَّد ماهية الجسم الغريب بأنه صاروخ.
ووصف أنور الانفجار الذي وقع في بُرّي بأنه جرس إنذار دقّته حوادث مماثلة كثيراً، لكنْ يرى أن السلطات لم تتعامل معها على نحو مؤثر، وقال لـ«أتَـر»: «سمعتُ بحدوث عدة انفجارات للألغام ومخلّفات الحرب بالخرطوم في مناطق منها جبرة جنوب الخرطوم والعيلَفون وبحري ومنطقة الجيلي، لكنّ التعامل يبدو بطيئاً».
خلال المعارك التي استمرّت من 15 أبريل 2023 حتى مايو 2025، تأثّرت مواقع مهمة في ولاية الخرطوم بزراعة الألغام عشوائياً، وهو ما حال دون إزالتها بالسرعة التي تتوافق مع حركة عودة السكّان والدعوات الرسمية من قِبَل السلطات لتأهيل المدينة لاستقبال العائدين.
وفي ظلّ غياب الخرائط التي جرت بموجبها زراعة الألغام، ما جعل تحديد حقولها في غاية الصعوبة، لكثرة الأنقاض والنفايات ونمو الحشائش؛ تجد السلطات الرسمية صعوبة بالغة في تحديد المخاطر ووصْف الوقائع بدقة، مثلما جرى في حالة الانفجار الذي أثار الرعب بنحو بالغ بضاحية بُرّي، إذ أشارت الشرطة في بيانها إلى انفجار لغم أرضي، بَيد أن مدير المركز القومي لمكافحة الألغام اللواء خالد حمدان صرّح بعد ساعات قليلة، بأنّ الحادثة يُحتمل أن تكون ناتجةً عن انفجار صاروخ 130 أو صاروخ مُسيَّرة انتحارية.
وبرَّر المتحدّث باسم الشرطة، العميد فتح الرحمن محمد توم، تضارُب بيان الشرطة مع حديث المركز القومي للألغام قائلاً لـ«أتَـر»: «فور وقوع الانفجار هرعت الشرطة إلى مكان الحادثة وطوّقته قبل وصول أي جهة، وقد أصدرت بيانها تبعاً للمُعطيات الأولية، التي تمثّلت في قيام المواطنين بحرق نفايات، ما أدّى إلى الانفجار، وقد افترضت أنّ الجسم الغريب الذي انفجر هو لغم، لكنْ بعد إطفاء الحريق حضر فريق المركز القومي وأخذ عينة من مكان الحادث وحدَّد ماهية الجسم الغريب بأنه صاروخ».
ورغم عدم وقوع ضحايا في حادثة انفجار برّي، لكنها نبّهت بشدّة لخطورة الألغام والمخلّفات الحربية الأخرى التي ما زالت تترصّد المدنيين من باطن الأرض ومن داخل المنازل وفي الأماكن المفتوحة.
ويعترف اللواء خالد حمدان، في حديثه لـ«أتَـر»، بوجود عدد من حقول الألغام بوسط الخرطوم وفي ريفها، منها حقول في المُقرن بوسط الخرطوم، والكدَرو ببحري، والجيلي بالريف الشمالي. ويعزو التأخير في إزالتها، رغم مرور ما يقرب من السنة، إلى تعقيدات الميدان. ويقول إنّ الألغام التي توجد في وسط الخرطوم وفي منطقة المُقرن، من النوع المُضادّ للأفراد، وإن هذا النوع من الألغام ذو خطورة عالية ويقتضي تعاملاً دقيقاً للغاية لأنّ المنطقة مُمتلئة بقطع الحديد، التي تجعل الكاشفات تُطلق أصواتاً باستمرار، ما يُبطئ عمل الفرق في التفريق بدِقَّة بين الألغام والحديد وغيرهما. وتابع حمدان: «لم يجرِ بَعد إعلان منطقتَي الجيلي والكدرو خاليتين من الألغام، بجانب بعض الأحياء التي يُتوقَّع وجود مخلفات حربية داخلها. ولأنّ المنازل لا تزال خالية، فهنالك صعوبة في تفتيشها».
![]()
تنقسم الألغام إلى نوعين، هما الألغام المُضادة للأفراد والألغام المضادة للمَرْكبات. وتُعرَّف الألغام المضادة للأفراد بأنّها كلّ لغمٍ صُمِّمَ لينفجر بسبب لمس إنسانٍ له أو اقترابه منه، بينما تُعرَّف الألغام المضادة للمركبات بكونها كلّ لغم صُمِّمَ لينفجر بسبب لمس عربةٍ له أو اقترابه منها. وتكمن خطورة الألغام المضادة للأفراد في انفجارها بسبب ضغطٍ خفيف جداً يتراوح بين 5 و15 كيلوجراماً فقط، بينما تحتاج الألغام المضادة للمركبات إلى ضغطٍ كبير يزيد عن 100 كيلوجرام. كذلك، تُصنع الألغام المضادة للأفراد بأحجامٍ صغيرةٍ جداً ما يُسهِّل نشرها في مساحاتٍ واسعة وبكمياتٍ كبيرة.
بسبب هذه الخصائص، تُشكِّل الألغام المضادّة للأفراد خطورةً كبيرةً على المدنيين حتى بعد نهاية الاشتباكات العسكرية. وفي 1997، أُبرِمت «اتفاقية حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادّة للأفراد، وتدمير تلك الألغام» ودخلت حيز التنفيذ في 1999، بعد أن وَقّعت عليها 133 دولة منها السودان.
من جهة أخرى يقول مدير الدعم القطري لمكافحة الألغام بالسودان، معتز عبد القيوم سليمان، إنه يتوقَّع أن يستمرَّ خطر الألغام على المواطنين في ولاية الخرطوم لمدة طويلة قادمة قد تصل إلى عشر سنوات، إذا لم يجرِ عمل حقيقي منظّم بدقة وحرفية عالية.
وقال عبد القيوم لـ«أتَـر»، إنّ العمل في إزالة الألغام في ولاية الخرطوم يحتاج إلى فرق احترافية مُدرَّبة جيِّداً، تمتلك موارد ومعدّات تساعد في إعداد وتنفيذ العمل على الأرض بنحوٍ سريع ومُتقن. وأضاف أن «عمل الأتيام التي تمتلك الأجهزة الحديثة ولها خطة واضحة وشاملة، يُساعد في سدّ الفجوة الزمنية ويقود إلى نتائج جيدة في أوقات قريبة، بينما إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه، فإن النتيجة النهائية تحتاج إلى وقت طويل».
وتابع عبد القيوم قائلاً إنّ المشكلة التي تواجه العمل في إزالة الألغام هي نقص التمويل، لأنّ الجهات المانحة لا تدفع المال في مثل هذه الظروف، والأمم المتحدة والمنظّمات الدولية لها شروط سلامة معروفة، وقد ذكرت مراراً أنّ تطبيق شروطها غير متاح حالياً، «فمن أهمّ شروط المنظمات الدولية للدفع بأموال في عمل إزالة الألغام هو توقّف الحرب وإحلال السلام، لأنّ استمرار الحرب يعني أنّ العمل سوف يظلّ مستمراً، فاستمرار الحرب يقود إلى نفس العمل أكثر من مرة، ولهذا تُفضل المنظمات أن تُدْعَمَ في سلام مستدام».
ويقول ضابط البرامج الوطني ببرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الألغام، ومنسّق برنامج مكافحة الألغام بالسودان، المهندس علي أحمد إبراهيم، إنّ هناك تقارير مؤكّدة تُشير إلى أنّ أجزاءً من الخرطوم متأثرة بمخاطر المتفجرات، بما في ذلك الألغام الأرضية ومخلفات الحرب القابلة للانفجار، لا سيما في المناطق التي شهدت نزاعات نشطة. وقد عُثِرَ على آلاف من الذخائر غير المنفجرة (UXO) وتخلّصت منها فرق الإزالة.
وبحسب إبراهيم، الذي تحدّث لـ«أتَـر»، لا يزال من غير الممكن تحديد الحجم الإجمالي للتلوّث بدقة. ويرى أنه بالنظر إلى أنّ الخرطوم ظلّت مركزاً للصراع لمدة تقارب 23 شهراً، فمن المنطقي الاستنتاج بأن التلوث واسع النطاق، مع تحديد ما لا يقلّ عن سبعة حقول ألغام، ومستويات كبيرة من الذخائر غير المنفجرة (UXO)، التي غالباً ما تكون متناثرة كعناصر فردية، إضافة إلى الذخائر المتفجرة المهجورة (AXO)، مشيراً إلى أّن التلوث في البيئات الحضرية غالباً ما يكون متفاوتاً ومعقّداً.
ويضيف: «في هذه المرحلة، لا تزال أعمال المسح والتقييم جارية، لذلك من الصعب تقديم تقديرات دقيقة أو رسم خريطة شاملة لنطاق التلوّث. ومع ذلك، تُواصِل فرق العمل في مجال إزالة الألغام إزالة المخاطر من مواقع مختلفة في ولاية الخرطوم».
ويرجّح إبراهيم أن يستمرّ تهديد الذخائر غير المنفجرة (UXO) لمدّة طويلة. ونتيجة لذلك، يتعيّن تزويد السكّان المعرضين للخطر بالمعرفة والتوعية اللازمة للعيش بأمان مع الذخائر المنفجرة في بيئاتهم. ويقول إنّ قطاع مكافحة الألغام يعطي أولوية للتواصل مع المجتمعات المُعرَّضة للخطر من خلال التوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة (EORE). ويضيف: «في حال توفر الموارد الكافية، سيكون من الممكن إجراء المسوحات وعمليات الإزالة التدريجية في المراكز الحضرية الملوثة».
وفي ما يتعلّق بالمساهمات الجارية، يقول إبراهيم إنّ برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الألغام (UNMAS) يواصل دعم جهود مكافحة الألغام في جميع أنحاء السودان، بالتنسيق مع المركز القومي لمكافحة الألغام (NMAC) والشركاء. ويشمل ذلك حشد الموارد لدعم أنشطة البرنامج، مثل التوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة، وعمليات التقييم، وأنشطة الإزالة، ومساعدة الضحايا، والتنسيق. ويقدِّم البرنامج المشورة الفنية اللازمة إلى المركز القومي لمكافحة الألغام والمنظمات العاملة في مجال مكافحة الألغام، فضلاً عن المنظمات الإنسانية الأخرى.



