في الميناء، خلال الرحلة اليومية لتخليص الواردات، تقف الشركات والتجّار أمام أرقام تتغيّر بوتيرة سريعة، إذ تصبح قيمة الجمارك نقطة توتّر يومي تعيد حسابات التكلفة والتسعير مع كلّ شحنة. ويمتدّ هذا التوتّر من الميناء إلى الأسواق، حيث يتسلّل القلق إلى حركة البيع والشراء وتتشكّل حالة من الحذر العام تدفع التجّار إلى التسعير الدفاعي، ما يضع المواطن أمام زيادات مُتلاحقة في الأسعار يصعب التنبؤ بها.
في مطلع الربع المالي الثاني من هذا العام، العاشر من أبريل الجاري، عمدت الحكومة إلى تحريك سعر الدولار الجمركي فزادته من 2769 جنيه إلى 3222 جنيه، وهو السعر الذي تستخدمه الجمارك في السودان لتحويل قيمة السلع المستوردة من العملات الأجنبية إلى الجنيه السوداني عند احتساب الرسوم والضرائب.
ويحتلّ هذا السعر موقعاً مؤثّراً داخل حركة السوق، إذ يرتبط مباشرة بتكلفة دخول السلع عبر المعابر والموانئ، فمنذ توحيد سعري الصرف الرسمي والموازي في فبراير 2021، أصبح الدولار الجمركي يتحرّك مع تغيّرات العملة وفق آلية احتساب محدّدة، ما جعل قيمته تتبدّل وفق إيقاع السوق. بفعل هذا الارتباط، صارت تكلفة الاستيراد أكثر حساسيةً لأي تغيّر في سعر الصرف، وانتقلت آثاره إلى أسعار السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج. ومع اعتماد السوق على الواردات، زادت أهمية الرسوم الجمركية بالنسبة للدولة بحسبانها جزءاً من عملية تسعير يومية تنعكس على حياة المواطن.
سياق السياسة المالية للدولار الجمركي
في سياق إدارة السياسة المالية، و«استكمالاً لقرار توحيد سعر الصرف»، أعلنت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي في يونيو 2021 إلغاء العمل بالدولار الجمركي، وأكّدت في بيان رسميّ ألّا علاقة لها بأيّ زيادات تُنسَب إليها، مستندةً إلى أنّ هذا المفهوم أُلغيَ منذ توحيد سعر الصرف في فبراير 2021.
غير أنّ هذا الموقف يعكس محاولةً للتنصّل الإداري من مسؤولية قائمة، إذ لا يمكن عملياً فصل وزارة المالية عن آلية احتساب قيمة الواردات وتسعيرها، وهي آلية سارية وأداة من أدوات السياسة المالية تُسهم في تعزيز إيرادات الحكومة خلال فترات الأزمات، وفي الوقت ذاته تنتقل آثارها مباشرة إلى مستويات الأسعار، لترتفع تكلفة استيراد السلع الغذائية والصناعية مع كلّ تعديل في السعر المحسوب وفقاً لهذه الآلية، وتستمر السلع المستوردة في الخضوع للتقييم عند المنافذ الجمركية وفق سعر مرجعيّ محدّد تُبنى عليه الرسوم والضرائب، وهو ما يمثل استمراراً فعلياً لآلية الدولار الجمركي، لكن بصيغة مختلفة.
في مطلع أغسطس 2022، أصدرت وزارة المالية بياناً توضيحياً نفت فيه علاقتها بزيادة تكلفة الواردات، وقالت فيه إنّ «سعر الدولار لدى الجمارك يتحرك مع التغير في سعر الصرف وفقاً لسياسات بنك السودان المركزي المتبعة في هذا الشأن فيما يتعلّق بعاملي العرض والطلب». وتجاهَلَ هذا النفيُ حقيقةَ أن تحديد السعر المرجعي، أو الإطار الذي يعمل ضمنه، يظلّ جزءاً من السياسة المالية للدولة، ولا يمكن عزله عن دَور وزارة المالية في إدارة الإيرادات العامة. والدولار الجمركي، سواءٌ أسُمّي بذلك أم أُعيد تقديمه ضمن منظومة سعر صرف محرَّر، يظلُّ أداةً ماليةً جمركية تُحدَّد بها تكلفة الواردات، وتنعكس آثارها مباشرة على الأسعار في السوق المحلي، الأمر الذي يجعل أي محاولة لفصل المسؤولية عنه أقرب إلى إعادة توصيفٍ إداريّ منه إلى تغيير حقيقيّ في جوهر السياسة.
وفي الشهر ذاته، وصف وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، جبريل إبراهيم، تسمية الدولار الجمركي بأنها «خاطئة»، وقال إنه، منذ توحيد سعر الصرف «لا يوجد ما يُسمّى بالدولار الجُمركي وأن هيئة الجمارك هي الجهة المعنية بتحريك سعر الصرف ليتناسب مع المعلن في البنك المركزي في ذلك الوقت». لكن على الرغم من فصل الوزير بين وزارة المالية وقرارات زيادة سعر الصرف، يظلّ الدولار الجمركي في جوهره أداة مالية تقع ضمن نطاق السياسات التي تديرها وزارة المالية، بينما تنفّذ هيئة الجمارك هذه السياسات ضمن هيكل مؤسّسي يتبع لها.
وفي إفادة للخبير الاقتصادي وعضو التحالف الاقتصادي لقوى ثورة ديسمبر المجيدة، د. حسام الدين إسماعيل، أوضح لـ«أتَـر» أنّ الجمارك «جهازٌ تنفيذيٌّ ذو طبيعة شُرطية، لكنه يُطبِّق سياسة مالية تتبع لوزارة المالية»، وأنّ «هيكل الرسوم الجمركية مدمج داخل نظام أسيوكودا (نظامٌ إلكتروني يحتسب قيمة الجمارك آلياً)، بما يجعل أيّ تعديل في السعر مرتبطاً بإجراءات مؤسّسية تبدأ من وزارة المالية داخلياً، ثم تُرسل دراسة تقييمية من الجمارك إلى المالية لدراسة الأثر، ومن ثم تُصْدِر المالية الأمر للجمارك بتحريك السعر، ولا يستقيم أن تنفي وزارة المالية علاقتها بطبيعة التحريك بعد إلغاء الدولار الجمركي».
وفي إفادة لـ«أتَـر»، يوضح فاروق كمبريسي، نائب محافظ البنك المركري السوداني السابق، أنّ «تعديل الدولار الجمركي الأخير في أبريل الجاري من 2,769.06 جنيه إلى 3,222.80 جنيه يعني زيادةً في العبء الضريبي على الواردات بنحو 16.4%، وهي زيادة تنعكس مباشرة على تكلفة السلع المستوردة، بينما يظلّ أثرها على الإيرادات العامة محدوداً. ويستدعي التعديل تجربة أغسطس 2022، عندما رُفع سعر الدولار الجمركي من 445 إلى 564 جنيهاً، بما يعادل زيادة تقارب 26.7%، وهي خطوة أدّت إلى تصاعد الضغوط التضخّمية دون تحقيق تحسّن ملموس في الإيرادات». ويَخلُص كمبريسي إلى أنّ «استمرار العمل بدولار جمركي أقلّ من سعر الصرف الفعلي، أو تحريكه، في ظلّ فجوة واسعة بين السوقين الرسمي والموازي، يعزّز من حالة عدم اليقين، ويقود إلى موجات تضخّمية مُتكرّرة، بما يَنعكس على استقرار الأسعار وكفاءة عمل الأسواق على المدى الطويل».
مسار الدولار الجمركي
| التاريخ | سعر الدولار الجمركي (بالجنيه السوداني) |
|---|---|
| مارس 2021 | زاد السعر قبل الإلغاء من 15 جنيهاً إلى 20 جنيهاً |
| 22 يونيو 2021 | إلغاء الدولار الجمركي |
| 26 يونيو 2021 | 28 ← 430 |
| مايو 2022 | 445 |
| أغسطس 2022 | 546 |
| يناير 2024 | 950 |
| يوليو 2024 | 1100 |
| أغسطس 2024 | 1350 |
| نوفمبر 2024 | 1600 |
| ديسمبر 2024 | 1700 |
| يناير 2025 | 2000.00 |
| أبريل 2025 | 2167.11 |
| مايو 2025 | 2092.60 |
| يوليو 2025 | 2400.00 |
| أغسطس 2025 | 2313.45 |
| سبتمبر 2025 | 2600 |
| أكتوبر 2025 | 2486.75 |
| ديسمبر 2025 | 2827.61 |
| يناير 2026 | 2769.06 |
| أبريل 2026 | 3222.8 |
يعكس الجدول مسار سعر الدولار الجمركي في السودان منذ 2021، بـ 18 تعديلاً حتى بداية الربع الثاني من هذا العام (أبريل 2026)، إذ إنه انتقل من أداة تقييم إداري إلى آلية مباشرة لإعادة تسعير الواردات وتمويل الخزانة. مثّلت القفزة من 28 إلى 430 جنيهاً، في 26 يونيو 2021، عقب الإلغاء، لحظة دمج فعليّ بين الجمارك وسعر الصرف، ثمّ تدرّج السعر إلى 564 في 2022 قبل أن يدخل مساراً متسارعاً مع تطوّرات ما بعد أبريل 2023، ليصل إلى 1700 في نهاية 2024 ثمّ يتجاوز 3200 في 2026، بزيادة تراكمية 649.5% (أي أكثر من 6 أضعاف قيمته الأصلية) منذ أول سعر بعد توحيد سعرَي الصرف الرسمي والموازي في فبراير 2021.
يعكس هذا المسار نقل عبء تدهور العملة إلى بوابة الاستيراد، إذ أصبحت الجمارك نقطة امتصاص رئيسة لفجوة الإيرادات، في ظلّ تراجع القاعدة الضريبية وضعف الصادرات. أدّى ذلك اقتصادياً إلى تضخم سعريٍّ مُنبعثٍ من مرحلة دخول الواردات، إذ ترتفع تكلفة السلع قبل توزيعها عبر سلاسل الإمداد، ما يُضاعف أثرها على الأسعار النهائية، مع امتداد التأثير إلى الإنتاج المحلّي عبر ارتفاع تكلفة المدخلات المستوردة وتآكل تنافسية الصادرات.
ورغم هذا المسار الصاعد، جاء تراجُع التضخّم في 2025 في سياق انكماش الطلب وتراجُع القوة الشرائية وتباطؤ النشاط الاقتصادي وتأثيرات عرض النقود، ما حدّ من انتقال الزيادات إلى المستهلك، وأعاد توزيع جزء من الضغوط داخل هوامش الاستيراد والتوزيع بدلاً من ظهورها الكامل في الأسعار. وعكس التذبذب خلال العام المنصرم إدارة مرنة للسعر بين احتياجات الإيرادات وحدود السوق، بينما يشير تسارُع 2026 إلى تعاظم الضغوط النقدية، ليبقى الدولار الجمركي مؤشّراً مكثّفاً تتقاطع فيه اختلالات الاقتصاد الكلّي وانعكاساتها اليومية على السوق.
تأثيرات الزيادات على الأسعار والمعيشة
رفَع سعر الدولار الجمركي تكلفة السلع المستوردة منذ لحظة دخولها عبر زيادة القيمة المحتسبة للرسوم والضرائب، ما يعني أنّ التاجر يتسلَّم السلعة بسعر أعلى من الأساس. وتنتقل هذه الزيادة عبر سلسلة الإمداد إلى النقل والتخزين وهوامش الربح، فتتضخّم التكلفة تدريجياً. ينعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع المستوردة، ثمّ يمتدّ إلى السلع المحلية المرتبطة بمدخلات مستوردة. في ذلك، يتحوّل تعديل الدولار الجمركي إلى ضغط تسعيري واسع يرفع تكلفة المعيشة داخل الاقتصاد.
في السودان، ما زالت حصّة كبيرة من الاحتياجات الغذائية والمنتجات الصناعية تعتمد على الواردات، بخاصة بعد تأثر التصنيع جراء الحرب. يؤكّد مخلّص جمركي، فضّل حجب اسمه، لـ«أتَـر» أنّ «الزيادات في سعر الدولار الجمركي تنعكس أولاً على الواردات على نحو غير مباشر، مثل المحروقات والمواد الخام، ثمّ تنتقل إلى تكاليف النقل والتوزيع، ما يرفع أسعار السلع في المدن، خاصة البعيدة من الموانئ»، ويضرب مثلاً بنقل شحنة صادر سمسم من القضارف إلى ميناء بورتسودان، إذ كانت تكلفة النقل نحو 3 ملايين جنيه، ومع زيادة أسعار الوقود ارتفعت التكلفة، وكلما بَعُدت المسافة من ميناء بورتسودان إلى الولايات ارتفع السعر النهائي للسلعة، لذلك تتباين الأسعار أيضاً من ولاية إلى أخرى، وحتى داخل المدن ترتفع من السوق إلى الأحياء.
لكن كيف يحدث تحريك الأسعار؟
وفق إفادة المخلّص الجمركي لـ«أتَـر»، فإنّ تأثير الدولار الجمركي يظهر بوضوح عند احتساب أي شحنة تدخل عبر الميناء. يوضح المثال الافتراضي للحسبة أدناه أنّ استيراد 100 طن من السكر بقيمة 50 ألف دولار يبدأ أولاً بتحويل الفاتورة إلى الجنيه السوداني وفق سعر التقييم الجمركي.
تُحسَب الشحنة بسعر 3,222.80 جنيه للدولار (آخر سعر دولار جمركي): (50,000 × 3,222.80 = 161,140,000 دولار). بعد ذلك تُفرَض الرسوم بنسبة إجمالية تقارب 25% من قيمة الشحنة (CIF)، لتبلغ (40,285,000 جنيه سوداني). ويشير المخلّص إلى أن هذه النسبة 25% تُوزع على عدة بنود رئيسة: (ضريبة القيمة المضافة: 17%)، (الرسم الجمركي: 3%)، ( أرباح الأعمال: 3%)، (رسوم الميناء: 2%). تُضاف هذه التكلفة مباشرة إلى سعر السلعة، وتظهر لاحقاً في الأسواق ضمن السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
في مثال آخر يوضح حركة التغيّر، للشحنة ذاتها عند احتسابها بسعر 2,827 جنيه للدولار الجمركي قبل الزيادة الأخيرة: (50,000 × 2,827 = 141,350,000 دولار). وتبلغ الرسوم (25%): 35,337,500 جنيه سوداني.
مع الزيادة الأخيرة في سعر الدولار الجمركي إلى 3,222.80 جنيه، ارتفعت الرسوم كما حُسبت في المثال الأول إلى 40,285,000 جنيه، بفارق بين المثالين يقارب 5 ملايين جنيه للكمية ذاتها، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة الطن، ثم ينتقل إلى سعر الكيس في السوق بعد إضافة النقل والتوزيع.
ويضيف المخلّص الجمركي في إفادته لـ«أتَـر»: «إنّ هيكل الرسوم في عمليات التخليص يقوم على نِسَب محدّدة، إذ تبلغ ضريبة القيمة المضافة 17% وتُفرض على معظم السلع على نحو ثابت، إلى جانب الرسم الجمركي بنسبة 3%، بينما تُطبّق أرباح الأعمال على بعض السلع بحسب تصنيفها»، ويشير إلى أنّ «هناك سلعاً تُتداول على أنها معفاة، إلا أنها تخضع فعلياً لنسبة قد تصل إلى 3%، ما يجعل التكلفة قائمة ضمن عملية التخليص حتى في حالات الإعفاء الجزئي».
