شَنَّت مُسيرة هجوماً جوياً، حوالي العاشرة والنصف من مساء الأربعاء 8 أبريل الجاري، على حي السلامة بمدينة كُتُم بولاية شمال دارفور، مُستهدفةً حفلَ زفافٍ بحسب شهود عيان تحدثوا لـ«أتَر»، تبعه هجومٌ آخر بعد 40 دقيقة. وأسفر الهجومان عن سقوط عدد من الضحايا من المدنيين، من مناطق مُختلفة من داخل المدينة ومن القرى حولها مثل دامرة الشيخ آمو وبورسعيد وغيرهما، وكانوا قد تجمعوا لحضور الحفل، بحسب بيان صادر في الخميس 9 أبريل من غرف طوارئ محلية الواحة المجاورة لِكتم. وفي ما يشبه الضربة المزدوجة، التي نُفِّذت من قبْل في مستشفى الضعين في 20 مارس الماضي، تزامن الهجوم الثاني مع وصول فِرق لإنقاذ الجرحى، ما أدى إلى تضاعف أعداد الضحايا على نحو بالغ.
ولفتَتْ غرف طوارئ الواحة إلى وجود جثث تفحمت لم يجرِ التعرُّف عليها أيضاً، إضافة إلى عدد من المفقودين، بينما لا تزال عمليات البحث تحت أنقاض المنازل المُدمَّرة جارية. وقال مصدر محلي تحدث لـ «أتَر»، إن الهجوم جرى أثناء الحفل، ودَمَّر المنزل الذي أُقيم فيه الحفل كلياً، بجانب دمار جزئي لعدد من المنازل المُجاوِرة. وأخبر المصدر أنه حتى يوم الاثنين الماضي 13 أبريل، لا تزال عمليات الإنقاذ تجري، وحصيلة الضحايا مُرشحة للازدياد. وناشدت غرف طوارئ الواحة المنظمات الإنسانية التدخلَ العاجلَ لإنقاذ الجرحى والمصابين، ومُساندة أسر المفقودين والمتضررين.
بحسب مصادر محلية من مستشفى «كُتُم»، تحدثت لـ«أتَر»، فإن عدد القتلى بلغ 78 شخصاً منهم 21 من الأطفال، و25 من النساء، و32 رجلاً، لقوا حتفهم جراء الهجومَيْن. وكشفت المصادر عن أن عدد المصابين ربى على الـ 107 جرحى.
وبحسب مصادر محلية من مستشفى «كُتُم»، تحدثت لـ«أتَر»، فإن عدد القتلى بلغ 78 شخصاً منهم 21 من الأطفال، و25 من النساء، و32 رجلاً، لقوا حتفهم جراء الهجومَيْن. وكشفت المصادر عن أن عدد المصابين ربى على الـ 107 جرحى. بينما قال مصدر طبي بوزارة الصحة بولاية شمال دارفور التي تعمل تحت إمرة الدعم السريع، إن عدد القتلى جراء الحادثة فاق 88 قتيلاً.
واتهمت السلطات المحلية مُمثّلة في الإدارة المدنية المُوالية للدعم السريع بمحلية كُتُم؛ القوات المسلحة بتنفيذ الهجوم الذي أسفر عن وقوع ضحايا وسط المدنيين، وقتلى وجرحى، جلُّهم من النساء والأطفال، ومعظمهم من الضيوف الذين حضروا من مناطق مختلفة بالولاية للمُشاركة في حفل الزفاف.
ومن جهتها أدانت مجموعة «محامو الطوارئ» الهجوم متهمةً القوات المسلحة بتنفيذه عبر مُسيّرة، معتبرة ما حدث بمثابة انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني. وقال بيان صادر عن المجموعة طالعته «أتَر»، إنه «بناءً على الوقائع المتاحة، تؤكد المجموعة أن الجيش يتحمَّل المسؤولية الكاملة عن هذا الهجوم».
وأدان المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، جميع الهجمات ضد المدنيِّين، بعد ورود تقارير إليه بالهجوم. وقال إن استخدام الطائرات المسيّرة ضد المدنيين والأعيان المدنية، أمرٌ غير مقبول، وشدَّد على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وفقاً للقانون الدولي الإنساني. وجدَّدَت الأمم المتحدة، بلسان المُتحدِّث باسمها، دعوتها إلى الإيقاف الفوري للأعمال العدائية، وضمان الوصول الإنساني السريع والآمن ودون عوائق إلى جميع أنحاء السودان.
المستشفى الوحيد
عزا مصدر طبي من معسكر فتابرنو، وكان يعمل بالمستشفى في وقتٍ سابقٍ، غيابَ الكادر الطبي والتمريضي إلى أزمة حادة في صرف الرواتب، ما دفع كثيراً من كوادره للمغادرة أو العمل تطوعاً في بعض الأحيان.
ويُعاني مستشفى كتم، وهو المستشفى الوحيد الذي يعمل بالمحلية، من قلَّة الكوادر الطبية، بجانب انعدام الأدوية والمُستلزمات الطبية. وقال مصدر طبي بالمُستشفى، إنه يفتح أبوابه يومياً، لكن لا توجد كوادر طبية والصيدلية فارغة من الأدوية.
وقال مصدر طبي رفيع من مستشفى كتم لـ«أتَر»، إن الجرحى الذين يرقدون بالمستشفى حالاتهم خطيرة، وتستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً، مؤكداً أن المستشفى يُعاني من انعدام المُعينات الطبية التي تُساعد في العلاج. ويُعد المستشفى هو المرفق الطبي الرئيس الذي يُقدّم خدمات الرعاية الصحية لمحلية كتم والقرى المحيطة بها، إضافة إلى معسكرات النازحين مثل معسكر كساب وفتابرنو.
وعزا مصدر طبي من معسكر فتابرنو، وكان يعمل بالمستشفى في وقتٍ سابقٍ، غيابَ الكادر الطبي والتمريضي إلى أزمة حادة في صرف الرواتب، ما دفع كثيراً من كوادره للمغادرة أو العمل تطوعاً في بعض الأحيان. وأخبر المصدر أن المستشفى يُعاني نقصاً حاداً في الأطباء والجراحين، وتعتمد الخدمة فيه بنحوٍ أساسيٍّ على المساعدين الطبيّين وعددٍ قليلٍ من المُمرّضين المُتطوِّعين. ولفت إلى أنه لا توجد بالمستشفى أدوية مُنقذة للحياة، بجانب غياب المحاليل الوريدية، و«شاش» الجراحة. ويُمثّل توفُّر الوقود لتشغيل المُولِّدات الكهربائية اللازمة لغرف العمليات وحفظ الأدوية عائقاً كبيراً.
وقال المصدر بمعسكر فتابرنو، إن معلومات وصلت إليهم من داخل المستشفى، تُفيد بأن الجرحى يواجهون ظروفاً كارثية مع تفاقم أوضاعهم الإنسانية، وأن واحداً أو اثنين منهم يَفقِدون حياتهم يومياً، بسبب تردِّي الأوضاع.
يُوجد قليلٌ من المُمرّضين المُتطوّعين، ويضطرّون إلى استخدام أدوية وأعشاب بلدية لمُداواة الجرحى الذين وصف حالتهم بالخطيرة
وقال مُمرِّض بمستشفى كتم، تحدَّث لمراسل «أتَر» من معسكر «كساب» القريب من كُتُم، إنّ تحليق المُسيَّرات الكثيف في المدينة أجبر العدد القليل العامل في المستشفى على مُغادرته، وتركه فارغاً خوفاً من استهدافه، وقال: «يُوجد قليلٌ من المُمرّضين المُتطوّعين، ويضطرّون إلى استخدام أدوية وأعشاب بلدية لمُداواة الجرحى الذين وصف حالتهم بالخطيرة».
وكشف الممرض عن شُحِّ في المعلومات الواردة من داخل المدينة بسبب لجوء قوات الدعم السريع لمُصادرة أجهزة الاتصال الفضائي «ستارلينك» من المواطنين، الذين تمنعهم القوات من مغادرة المدينة أو الدخول إليها، وقال: «بعض الناس يغادرونها ليلاً، ويتسلَّلُون تحت جُنح الظلام لأطرافها ومن ثم إلى خارجها وهم عددٌ قليل». وكشف عن أن القوات منعت تماماً خروج الجرحى من المدينة وألزمتهم فقط بتلقّي العلاج داخل المستشفى الذي يفتقر إلى كُلِّ شيء.
بينما قال مصدرٌ آخرُ له علاقة بالمستشفى -يوجد حالياً خارج المدينة- لـ«أتَر»، إن السعة السريرية للمستشفى لا تتجاوز 60 سريراً، وإن عدد الجرحى يتجاوز هذا العدد، وكشف عن معلومات وردت إليه بأن المصابين يرقدون على الأرض وتحت الأشجار، وأنهم يعانون بين الحياة والموت، وأن إدارة المستشفى عاجزة عن تقديم أي خدمة لهم.
صراع داخلي
قالت مصادر مطلعة من داخل مدينة كُتم لـ«أتَر»، إن الهجوم بالمُسيَّرات جاء في إطار الصراع الداخلي بقوات الدعم السريع، على خلفية أنباء تُشير إلى انشقاق قيادي بارز (النور القبة) بهذه القوات وانضمامه إلى جانب القوات المسلحة السودانية.
وقالت مصادر مطلعة من داخل مدينة كُتم لـ«أتَر»، إن الهجوم بالمُسيَّرات جاء في إطار الصراع الداخلي بقوات الدعم السريع، على خلفية أنباء تُشير إلى انشقاق قيادي بارز (النور القبة) بهذه القوات وانضمامه إلى جانب القوات المسلحة السودانية، وقد كان موجوداً بقواته في هذه المنطقة، التي كان مُسيطراً عليها ومتمركزاً فيها طوال فترة سيطرة الدعم السريع عليها في الفترة الماضية.
وأبلغ مصدرٌ محليٌّ من كتم «أتَر»، بأن المدينة كانت مُحاصَرةً لثلاثة أيام قبل وقوع الهجوم الجوي، ونبه إلى غياب أي مظهر عسكري داخلَ المدينة قبل ذلك. وقال المصدر إن المناسبة الاجتماعية التي استُهدفت تعود لأحد أقرباء القيادي المُنشق، مما يُشير وفقاً لترجيح المصدر لتبعية المُسيَّرة إلى قوات الدعم السريع، التي قال إنها كانت تعتقد بوجود القيادي المنشق داخل المدينة، وأضاف أن هناك انتهاكاتٍ وقعت بحقِّ أقارب وأشخاص لهم علاقة بالقيادي الذي تسرَّبت أنباء انشقاقه عنها.
وكشف شاهدُ عيان لـ«أتَر»، أنه في يوم الخميس 9 أبريل، دخلت القوات التي كانت تُحاصر المدينة إلى داخلها، لكنها لم تَعثر على القيادي المُنشق. وشهدت المدينة انتشاراً مُكثَّفاً لجنود من الدعم السريع داخل الأحياء السكنية، ونوَّه إلى وقوع أعمال نهب واسعة لمنازل المواطنين والمحال التجارية، وحرق الأسواق تزامناً مع دخولها إلى المدينة. وأفاد الشاهد أن عمليات النهب طالَتْ مُمتلكات مُختلفة، وقال: «تُنهب المنازل ويُنكّل بالمواطنين وتُطلَقُ أعيرة نارية في الهواء».
وقالت الصحفية زمزم خاطر عبر صفحتها الشخصية إن قوة من الدعم السريع، قد هاجمت منزل أسرتها في كتم، واقتادت شقيقها وشقيقتيها، وأحد أقاربها، بجانب عدد من الضيوف تزامن وجودهم بالمنزل لحظة الهجوم، وقالت إنهم اقتيدوا إلى جهة غير معلومة، وأتى ذلك بعد حصار للمنزل وترويع ساكنيه بالسلاح ونهبه.
وحتى مساء السبت 11 أبريل، كانت المُسيرات تُحلِّق في سماء المدينة، ونفَّذَتْ خلال هذه الفترة ضربات على مواقع أبرزها الجزء الغربي من سوق المدينة جوار حي بئر نق، وأجزاء أخرى من المدينة، بيد أن الحصار المفروض على المدينة يُصعِّب من الحصول على المعلومات من داخلها.
وأعلنت الإدارة المدنية بمحلية كتم عن إجراءات لتنظيم الحياة بالمدينة، مُقرِّرةً فتحَ الأسواقِ من الخامسة صباحاً وحتى الخامسة مساءً. ووفقاً لقرارات لجنة أمن المحلية، منعت وجود السيارات العسكرية داخل الأسواق والأحياء، ومنعت حمل السلاح والذخائر إلا للأغراض الرسمية، بجانب منع تجارة المخدرات والخمور.
وقال موسى عبد الله، أحدُ سُكَّانِ المدينة الذين غادروها في الأيام الماضية، إن الأحوال الأمنيّة تدهوَرَتْ بالمدينة، عقب الاقتحام من قبل قوات الدعم السريع، وأضاف: «هذا صراع بين قيادات الدعم السريع ولا دخل لنا به». وقال إن قوات الدعم السريع أعلنت عن حملة لمحاربة ما سمَّته بالظواهر السالبة، وأن الغرض من الحصار واقتحام المدينة هو جمع السلاح والسيارات العسكرية، بيد أن عبد الله يقول لـ«أتَر» إنّ الحملة انقلبت إلى عكس ما أتت به، وفعل المشاركون فيها «ما يَدَّعون محاربته»، طبقاً لقوله. وقال إنه جرى نهب ممتلكاته وسرقة أمواله وهاتفه الشخصي، عقب خضوعه لتفتيش من قبل دوريةٍ تابعةٍ لقوات الدعم السريع بالمدينة، قبل أن يُغادرها ليلاً، ويقطع مسافة 100 كيلومتر، ليصل إلى منطقة يعتبرها آمنة.
![]()
بدأت مشكلات النور القبة مع الدعم السريع بعد سقوط الفاشر في نهاية أكتوبر 2025. وبحسب دارفور 24 فقد عاد إلى مسقط رأسه دامرة القبة وتبعد 13 كيلومتراً شرقي كتم واعتصم بقواته هناك احتجاجاً على عدم اختياره قائداً للفرقة السادسة بالفاشر بعد سقوطها.
وخلال أربعة أشهر بقي فيها في (دامرة القبة)، لم تُرسل قوات الدعم السريع وفداً للتفاهم معه واسترضائه. وبحسب سودان تربيون، زار القبةُ موسى هلال في مستريحة قبل اجتياح الدعم السريع لها في 23 فبراير وفرار موسى هلال، وأن الأخير كان يضغط على النور القبة لدفعه للانضمام إلى مُعسكر الجيش. وقالت مصادر لدارفور 24 إن هلال كان يُؤدّي دور الوسيط بين القبة والجيش في ترتيبات انشقاقه من قوات الدعم السريع، وإن الاتصالات بالجيش للترتيب للانشقاق بدأت قبل اجتياح مستريحة، وإن النور القبة بالمقابل أدى دوراً محورياً في تأمين خروج موسى هلال من مستريحة عند اجتياحها.
وقد انتشرت أخبارُ انشقاقِ النور القبة في يوم السبت 11 أبريل، وسبقها، بحسب ما أوردته دارفور 24، تكثيف الدعم السريع تحرُّكاتها العسكرية حول مناطق وجود قوات النور وتضييق الخناق عليه، كما أوردت أنه غادر قريته قبل يومين، أي في يوم 9 أبريل، ورجَّحت مصادرها أن الجيش وفّر له غطاءً جوياً لتأمين تحرُّك قواته التي قُدِّر قوامها بحوالي 100 عربة.
وفي خبر لاحق نُشر في يوم 14 أبريل أوردته دارفور 24، بحسب مصادر داخل قوات الدعم السريع، فإن حميدتي بنفسه، بجانب قيادات أخرى، يقود مفاوضات مع النور القبة لإثنائه عن الانضمام إلى مُعسكر الجيش؛ وإن مصادر من جهات مُساندة للجيش قالت إن الاتصال مع النور انقطع قبل ثلاثة أيام (أي في يوم 11 أبريل)، وإن التنسيق بينه والجيش قد انقطع على الأرجح. كما أورد الخبر أن بعض الجنود في قوة النور القبة يرفضون خطوة الانضمام إلى الجيش ويُفضِّلون العودة إلى قوات الدعم السريع بترضية مُناسبة. وفي ظهيرة اليوم الخميس 16 أبريل اشتبكت قوات من الدعم السريع وقوات النور القبة في صحراء شمال دارفور بحسب خبر أوردته دارفور 24.
موقع استراتيجي
وتقع كتم على أهم مسارات إبل الرُّحَّل المُتَّجهة من الشمال نحو الجنوب والعكس. وتوجد بالمدينة مشاتل حكومية لتحسين البذور وإعدادها.
وتضم المدينة أسواقاً رئيسة مثل سوق كتم وهو سوقٌ مركزي يقع داخلها، ويعمل طوال أيام الأسبوع، لكنه يتسع أكثر كل يوم اثنين وخميس حيث يرد إليه باعةٌ ومُتسوقوِّن من القرى المُجاوِرة خاصة من مناطق جبل مرة. وينقسم هذا السوق إلى أسواق فرعية صغيرة منها: سوق الماشية ويقع في القسم الشرقي من السوق، وسوق الذرة والمحاصيل الزراعية الأخرى، وسوق الخضار والفاكهة.
إضافة إلى ذلك ينتعش سوق فتابرنو كل يوم أحد وأربعاء من أيام الأسبوع، وسوق فرنقو كل يوم سبت، وسوق اتنن في جميزة كل يوم اثنين، وسوق أم دفسو الذي يقع في وسط الوادي، وينقسم إلى عدة أقسام حسب السلع المعروضة للبيع.



